البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2009-11-03
ابن خلدون وإشكالية الصنائع والحرف الفنية

yyy






تونس: «الشرق الأوسط»

صدر عن جامعة قابس في تونس، ضمن مطبوعات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس، وفي سلسلة الفنون التي ينشرها المعهد، كتاب يحمل عنوان «الصنائع والحرف الفنية لدى ابن خلدون» وهي نصوص نسّقها وأعدّها للنشر ومهّد لها بالعربية شاكر لعيبي، أستاذ تاريخ الفن وسيميائيات الصورة في المعهد المذكور، بينما قدّم لها د. محمد محسن الزارعي مدير المعهد.

ويتضمن الكتاب بحوثا تتعلق بإشكالية الصنائع والحرف الفنية في فكر ابن خلدون: سلوى النجار «تلازم العمل والعلم في الصنائع لدى ابن خلدون»، شاكر لعيبي «الحرف الفنية في الفكر الخلدوني»، محمد بن حمودة «منصب الصناعة في المتن الخلدوني»، محمد محسن الزارعي «في معاني الصنائع الفنية وإشكاليات تصنيفها»، محمد غوجة «حول صناعة الغناء في مقدمة ابن خلدون»، محمد الهادي دحمان «جودة الصّنائع في فكر ابن خلدون» ومحسن التومي «الفكر الخلدوني بين الأصالة والحداثة»، كما تضمن الكتاب نصوصا حول الصنائع والحرف مستلة من المقدمة الخلدونية، وينتهي بسيرة حياة ابن خلدون (1332 ـ 1406م).

القراءات التي يتضمنها الكتاب تعالج، للمرة الأولى، موضوعة واحدة محددّة في الفكر الخلدونيّ: الحرف الفنية والصنائع. هذا أمرٌ جديدٌ تقريباً يلقي الضوءَ بطريقةٍ منهجيةٍ على حقل مخصوص من الحقول الكثيرة التي مرّ عليها العلامة في سياق مشروعه الفكري في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، وهو قرن يترافق، ويا للمفارقة التاريخية، مع بداية عصر النهضة الأوروبية.

ولعلّ انشغالات ابن خلدون بالحرف والصنائع الفنية، على وجه التخصيص، قد عُولجتْ، في الكتابات العربية والغربية الوفيرة السابقة، ونُظر إليها ضمن كلية المشروع النظري الخلدوني، وليس ضمن ملامحها وسماتها وخصوصياتها الأكيدة التي انهمكت بها ندوة قابس.

يتوجّب وضع ما نطلق عليه «عقلانية» ابن خلدون في الميزان التاريخي، ومن الضروري تقعيد مفهومه للعمران في شرطٍ موضوعي محدّد القسمات، ومن اللازم رؤية اتساع مديات نظر العلامة الذي يقدّم، في حقيقة الأمر، نظريةً تتعلق بمفهوم الدولة والحضارة بالمطلق، وليس في ظرفٍ أو زمانٍ أو مكانٍ محددات. مفهومُهُ أو نظريتُه ترقى إلى مستوى النظريات الاجتماعية التي توسِّع حقلَ عملها إلى أبعد مدى تجريديّ ممكن. هذا التوسيع هو ما يضفي على ابن خلدون هالة المفكّر والعلامة والمنظِّر، وما يمنحه مجداً يعترف له به الجميع منذ إعادة اكتشاف مقدمته، وتبجيلها أوروبياً، بصفتها ريادةً في علم الاجتماع.

الدراسات التي يتضمنها الكتاب تركز على أمرين اثنين، وإنْ بدرجات متفاوتة:

أولا: إنها ترى إلى الأثر الجليل للفكر الخلدونيّ، المنشقّ عن شريحة أساسية من الفكر المحايث له، لكن المتطابق بنقاطٍ جوهريةٍ مع تاريخ الفكر العقلاني. وفي هذا السياق تُقرأ مداخلة الأستاذة سلوى النجار التي تستعين بالحذق المنهجي والمعرفي في إضاءة الموضوع، ووضعها اليد على الجانب الاحترافي في (صناعة) تأليف الكلام.

ثانياً: إن المداخلات تشدّد مثلما فعلت قراءة الأستاذ محمد بن حمودة وغيره على أن ابن خلدون لا يُقرأ بإسقاطاتٍ مُعَاصِرَةٍ، خاصة أن المفكّر لم يستلهم، مثل عقلانيي زمانه، الفكر الإغريقي مرجعاً على ما قالَ الباحث، بل خالقاً لنفسه مرجعياتٍ غير معهودة يقع جزءٌ منها في التأمل التاريخي الطويل واستخلاص النتائج منه على ما يقول هو بعبارات أخرى.

ازدهار الحرفة هو تجلٍ من تجليات العمران. هذا هو الدرس الأول والأساسي الذي سعى ابن خلدون لتثبيته في وجدان معاصريه، ولا بدّ أن الأمر كان شاقاً عندما كان يطبِّق فكرةَ «العمل الاحترافيّ» على ممارساتٍ مثل فن الخط وإعادة تقييمه بصفته «حرفةً» من الحرف، وليس موهبة مثلاً (وهو ما أشارتْ إليه محاضرة الأستاذ محمد دحمان) أو ممارسة شكلية لصيقة بالمقدّس الدينيّ، أو إلحاحه على اعتبار التعليم ـ و«تعليم الصبيان» خاصةً ـ حرفة أخرى بكل معاني الكلمة، لها أصولها وقواعدها (وهو ما عالجه الباحث محسن التومي عَرَضَاً وليته طوّرَ ونشر تلك الفكرة الخلدونية عينها). وفي ذلك نرى المسافة الكبيرة التي تفصل الرجل عن الكثير من معاصريه، في كتاباتهم التي نعرفها، ونرى خصوبة فكره، الذي يمكن أن يُوْصَفَ، بحذرٍ منهجيّ، بالطليعية. وهنا تكون مداخلة الأستاذ محمد محسن الزارعي التي تحاول إقامةَ تصنيفٍ عام للحرف جديرة بالفحص، لأنها وإن مرّتْ على ابن خلدون في إطار ذاك التصنيف، فإنها تقيم مقاربةً مفيدةً في التعريف بدرجة دقة التصنيفات الخلدونية وتضعها في سياق آخر.

لا يتوجب إسقاط فكرنا المعاصر إذن ويكون من الاطيقي éthique قراءةَ الرجل انطلاقاً مما يقول نصّه فحسب، الأمر الذي لن يمنع الباحثين من اختبار طروحاتهم الشخصية بشأن النصّ الخلدونيّ (كما في مداخلات النجّار وبن حمودة ومحمد غوجة وغيرهم). ولن يمنع الآخرين من تقديم قراءاتٍ وصفيةٍ، محايدةٍ وحَذِرةٍ كما فعل دحمان، أو تقديم قراءات توفيقية بين القراءات كلها كما فعل التومي.

ويعتقد الباحث شاكر لعيبي أن استبعاد خطر الإسقاط على الفكر الخلدوني لا يمنع من رؤية أن العلامة يقدّم، في حقيقة الأمر، نوعاً من (مدينةٍ فاضلةٍ)، لا يستبعد أحداً منها سوى النساء. ها هنا قد نقع على ضرورة حذرٍ آخر من نمطٍ أشدّ تيقظاً عند قراءة ابن خلدون، وتقديم ما يستحق التقديم من فكرِه وتقليب ما يستحق التقليب.

* «الصنائع والحرف الفنية لدى ابن خلدون»

نصوص نسّقها وأعدّها للنشر شاكر لعيبي

* الناشر:

جامعة قابس في تونس






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2254126 :: Aujourd'hui : 1303 :: En ligne : 14