البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2011-03-13
الفلسفة العقلانية لكانط واليسار الهيغلي

yyy

"إن عصرنا لهو حقا عصر النقد الذي يجب أن يخضع له كل شيء" فلقد ارتقى كانط بالعقل الى درجة وظيفة توليفية عليا للمعرفة، والى حاكم فاصل في مختلف القضايا المتعلقة بالنظرية والممارسة.
وتستمد الفلسفة الكانطية خاصيتها هذه من تبعيتها لفلسفة التنوير التي رفعت العقل الى درجة ، ارقى عنصر في الوجود، وأكدّت الثقة في قدرته على تطوير المجتمع والتقدم به، نحو الأفضل.
وعلى الرغم من الاختلافات العديدة التي أنشأها هيغل مع كانط لاحقا فإنه (أي هيغل) ظلّ موافقا له على أهمية العقل وجوهريته في الوجود وفي البحث الفلسفي.
وأهمية العقل وجوهريته في الوجود ، تبقى القيمة الأساسية للكانطيه في التاريخ الحديث وللفلسفة الكلاسيكية الألمانية، وحتى الآن يمثل كانط بالنسبة لفلاسفة مدرسة فرانكفورت الأرضية الفلسفية السميكة التي يقفون عليها، فحين يتمسكون بالعقل فإن الصورة المختفية له ، غالبا ما تعود إلى الكانطية بوصفها المنطلق الحقيقي لفلسفة الحداثة.
وانتساب فلاسفة مدرسة فرانكفورت إلى الماركسية، رغم إخفاء ذلك في أغلب الأحيان، لأن المركز هذا خوفا من الشبهات التي ستلحق بالمركز لو انتسب إلى الماركسية علنا وفي دولة لا تخفي اجهزتها الرسمية مقاومتها لهذه الايديولوجيه فمدرسة فرانكفورت تكرر تجربة ماركس الشاب.
فالنظرية النقدية في عصرنا الحالي من خلال فلاسفة مدرسة فرانكفورت، تكرر نفس التجربة التي قام بها ماركس الشاب لكسر طوق المصالحة الذي ضربته الهيغلية بفكرة المطلق، لتضع حدا لذلك التنافر الذي ما انفكت المثاليه الألمانيه تؤكد عليه، بين الوعي والواقع والذي منه يستمد النقد مشروعيته.
ترمي العودة على ماركس من قبل الباحث في أصول النظرية النقدية إلى الرجوع إلى اللحظه التي نشأت خلالها النظريه الني تنتسب إليها مباشرة ، وإلى التربه التي جعلت النشأة ممكنه، فقبل أن يحقق ماركس منعطفه المادي في كتابات النضج التي أولت أهمية جوهريه للعامل الإقتصادي في تفسير تشكلات الوعي، سعى إلى الخروج بالفلسفة من انغلاق الدائرة التي جرتها اليها الجدليه الهيغلية وذلك بتخليص المنهج الجدلي من مسلمة الروح المطلق، ذلك هو معنى كلمة العبور الماركسية آنذاك: تجاوز هيغل بعملية إستخدام لجدليته ضد توليفة الروح المطلق.
ويعني ذلك أن ماركس ومعه باقي الهيغليين اليساريين قد تصدى للخلاصة التي توصل اليها هيغل بواسطة فكرة الروح المطلق الجامعة، وهكذا تم التخلّص من هيمنة الهيغلية على الساحة الفلسفية.
والقول بعودة ماركس إلى كانط موقف قد كان يدافع عنه الكانطيون الجدد اليساريون من أمثال كارل فورلاندر (1860 – 1928) (حاول التوفيق بين ماركس وبين الكانطية الجديدة من مؤلفاتة: تاريخ الفلسفى – 1903).
وماركس أدلر (1873 – 1937) (كاتب سياسي نمساوي – يمثل يسار الحزب الإشتراكي الديمقراطي النمساوي، وقد كان ينظر للمجالس العمالية، وقد كان يرى أن النضال الطبقي وإن كان نتيجة لتطور القوى المنتجه فهو يتمثل أيضا في تصادم الأحكام القيمية).الذين أكدوا أن ماركس الشاب أول من عاد إلى كانط، وتنزل ضمن هذا الإطار محاولة أدلر التقريب بين الماركسية والفلسفة الترنسندنتالية ويرى هؤلاء بأن كانط سابق على ماركس في إنشاء فلسفة وعي اجتماعية، لكنه لم يتفطن إلى أبعادها الثورية. وفي هذا الاكتشاف، اكتشاف البعد الثوري لفلسفة الوعي الإجتماعي، يكمن حسب رأيه فضل عمل ماركس.
فالربط إذا بين ماركس وكانط فرضية دافع عنها فلاسفة رأوا ما أنجزه ماركس تتمة لما شرع فيه كانط، وعطله هيغل بفلسفة الروح المطلق، على صعيد الفلسفه العقليه العلمية والعملية.
وهناك من يعتبر مدرسة فرانكفورت إمتدادا للماركسية في توجهها النقدي وهناك من يقول، أفليس النقد الذي إتخذه ماركس لتجاوز هيغل ومثاليته هو عودة إلى عقلانية كانط.
"إن عصرنا لهو حقا عصر النقد الذي يجب أن يخضع كل شيء له، ويود الدين، عبر قدسيته، والتشريع عبر جلاله عادة ، أن يتملصا منه..."
إلا أنهما يثيران بذلك ضدهما شكوكا في محلها، ولا يستطيعان أن يطمحا إلى ذلك الإحترام الصادق الذي يوليه العقل فقط إلى من يفوز في امتحانه الحر والعلني".
ويضيف كانط "سبيل النقد وحده هو الذي لا زال مفتوحا " .
لهذا يمكن اعتبار ماركس من هذا المنظور الكانطي أحد أهم القراء المصاحبين لكانط وأن العصر الذي بدأ مع كانط ولا زال في حاجة إلى أعمال لإتمام المهمة، من خلال استمرار الاعتماد على العقل وطريق النقد، والفكر الجدلي الماركسي لحل ودراسة معضلات ومشاكل وقضايا عصرنا الحالي السياسية والإقتصادية والأخلاقية والإجتماعية والثقافية. فقط من خلال فكر علمي جدلي نستطيع أن نطرح الحلول ورسم طريق إحداث الثورة الاجتماعية المقبلة لا محالة.
فعقلانية كانط وجدلية ماركس المادية، فتحتا الطريق الوحيدة الممكنة للفلسفة الثورية وهي طريق النقد وتهيئتها.
وفي كتاب "المعرفة والمصلحة" لهابر ماس خير مثال حيث يبين كيف أن نقد ماركس لهيغل قد استعان بمجموعة من المفاهيم الكانطية وأهمها النقد والعقل العملي.
ويُعرَف ماركس في معرض نقده لهيغل مهمة النقد بالنسبة له بالكلمات التالية "يهدف النقد إلى لمس الأشياء نفسها وبلوغ جذر هذه الأشياء. ويبقى الإنسان هو الجذر الحقيقي لكل من السياسة والدين والحقوق"!!
والأمر القطعي الذي صاغه ماركس من خلال نقد فلسفة الحق الهيغلية وصورية الواجب الخلقي الكانطية، تتمثل بصيغة جديدة للواجب كما كتبها ماركس بقلمه. "قلب كل العلاقات" التي يكون فيها الإنسان كائنا منحطا ومستعبدا ومهملا ومحتقرا ، ويرتقي ماركس بهذا الأمر القطعي والواضح إلى مستوى مهمة التاريخ.
وبهذه الصياغة الجديدة يتسنى لماركس أن يفتح أفقا جديدا لم تكشفه الفلسفة النقدية بسبب انحسارها في قوقعة الذاتية الكانطية والمثالية الهيغلية. أما ماركس فبعد أن نفى عن الفكر استقلاله عن الواقع المادي- الاقتصادي الذي يمثل أرضية نشأته، ربط الفلسفة بالبروليتاريا، كذات مغايره لوحدة الوعي الترنسندنتالي، كذات (أو كجزء من المجتمع) يعبر بوعيه السليم عن مصلحة الكل وتوكل إليه مهمة تحقيق الفلسفة والتي هي مهمة التاريخ أيضا ، فبرأي ماركس فعلى الفلسفة أن لا تفسر الواقع، بل عليها أن تعمل على تغييره. وليست مهمة التاريخ إلا تحرر الإنسان.
"انعتاق الألماني، هو انعتاق الانسان، رأس هذا الانعتاق هو الفلسفة وقلبه البروليتاريا". كما كتب ماركس.
ويعني ذاك أن الفلسفه تكشف عن الأشكال المتعددة لاغتراب الوعي، وتقوم البروليتاريا، على أساس ذلك النقد وبوصفها الذات التاريخية المسؤولة عن تحرير الإنسان، بقلب جميع الأوضاع القديمة والمتسمية في هذا الاغتراب، والمتسببة وإحلال شروط جديده تساعد على انعتاق الانسان من المعوقات الدينية والسياسية والاقتصادية لتحرره.
وهكذا قام ماركس ببناء جسر يربط بين النظرية والتطبيق والممارسة (البراكتيس). فالنظرية تجد حلول المشاكل التي تطرح عليها لا فقط داخلها وإنما أيضا وخصوصا في الممارسة العملية".



*اليسار الهيغلي*يعد مذهب هيغل نهاية الفلسفة المثالية الرومانتيقية التي جاءت بعد العقلانية (روسو وكانت وغيرهم) وقد شكّلت على المستوى الايديولوجي تعبيرا تقدميا عن التطور الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي الذي بالإنتاج المتزايد يغير العالم أكثر ويدمج الإنسان بشكل أكثر اكتمالا في وسطه الطبيعي والاجتماعي.
لقد أبرزت فلسفة هيغل أفكار الحركة والتغير والتقدم التي تميز النمط الجديد للإنتاج. ولقد انطلقت من تصور شبه جامد ميتافيزيقي للعالم إلى تصور متحرك، متغير.
وهذا المذهب، كظاهرة اجتماعية كان تعبيرا إيديولوجيا عن التطور الثوري للبرجوازية الناهضة، ونذير النهاية الفلسفية الجامدة القديمة والميتافيزيقيا التأملية.
وبرغم الجوانب الواقعية لفلسفته، فقد ظلّ هيغل مثاليا ، فقد أخذت الهيغلية على عاتقها أن تفسر التغير المستمر والتطور الذي لا ينقطع للموجودات والأشياء، لكن هذه الدينامية، عند هيغل يحددها الفكرة المطلقة التي تعيش في ذاتها وهي العنصر الثابت في العملية الأبدية.
والفكرة المطلقة تنطوي على كل الواقع في داخلها وتضع الواقع في العالم لكي تسترده ثانية إلى نفسها في مجرى التاريخ.
ولكن ثورة عام 1830 التي دمّرت نظام التحالف المقدس والتجديد والبعث الاقتصادي لألمانيا وبعد تكوين التحالف الألماني تحت زعامة بروسيا عام 1934، أدت إلى تمزيق الهيكل الضخم لفلسفة هيغل.
فالتطور السريع للصناعة جعل من تغيير العالم الخارجي عاملا يزاد أهمية في الحياة الإنسانية.
وتزايدت صعوبة رد الواقع العيني جميعة إلى "الفكرة المطلقة".
ومن بين تأثيرات هذه الثورة الاقتصادية نجد تحولا سريعا كما في فرنسا في القرن الثامن عشر من تصور روحاني إلى تصور مادي للعالم تصاحبه حركة تحررية تؤيدها نهضة البرجوازية مع وجود ميل إلى الرفض الكامل للمذهب السياسي المحافظ عند هيغل الذي كانت قد قوضته من قبل ثورة 1830.
وتحت تأثير التطورات الاقتصادية وسيطرة ونهضة الطبقة البرجوازية، وتغيير العالم الخارجي السريع، انقسمت المدرسة الهيغلية نفسها إلى "يمين" محافظ، وإلى "يسار" متحرر يسعى إلى تكييف الهيغلية مع الظروف الاقتصادية والسياسية والإجتماعية الجديدة.
ولكن الهيغلية اليسارية التي لا تشبه الحركة الموسوعية الفرنسية في القرن الثامن عشر والتي بلا برجوازية ثورية تؤيدها، قد تعثرت كحركة سياسية متحررة وأدى فشل الليبرالية الثورية بقسم من اليسار الهيغلي مثل فيورباخ الذي قلب فلسفة هيغل المثالية الجدلية وتوصل إلى مادّيه اليه، حيث أصبح الإنسان ثانويا بالنسبة للطبيعة، وحيث يتحمل تأثير وسطه بدون تغييره. ولكن ماركس جعل هذه المادية دينامية جدلية وأوضح كيف أن الإنسان بعمله المثابر والمصّر على تغيير العالم يزداد اندماجا فيه، ولقد ربط ماركس الفعل، بالنشاط العملي العيني للإنسان أي ربطه بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي ولم يربطه بالتطور الروحاني كما سبق للمثاليين أن فعلوا وآخرهم هيغل.
وحدثت القطيعة المطلقة بين الجناحين اليميني واليساري الهيغلي عندما قام الجناح اليساري بتأكيد الضرورة للتقدم اللا محدود للعقل والحرية.
د. ف. شتراوس (فيلسوف الماني من الهيغليين الشبان وأصبح وطنيا ليبراليا بعد عام 1866)- في كتابه "حياة المسيح" 1836 - والمسأله الرئيسيه فيه هي إذا كان الدين والفلسفه متماثلين في الجوهر كما قال هيغل أم أنهما مختلفان ولا يمكن التصالح بينهما. لقد ساوى هيغل في كتابه "فلسفة الدين" بين محتوى الدين ومحتوى الفلسفة. وقال إنه لا يوجد إلا تمايز شكلي بين الإثنين، حيث يكشف الدين بالرموز عن المحتوى العقلي للفلسفة، وقد عارض شتراوس هذا التوحيد بين الفلسفة والدين وأكد في كتابه "حياة المسيح" أن العقائد لا يمكن أن تستحيل إلى مفاهيم فلسفيه بدون تغيير محتوى الإيمان.
ولقد قال هيغل أنه في دراسته الدين المسيحي يمكن تجاهل الواقع التاريخي لصالح المحتوى الرمزي للدين، ولقد ردّ شتراوس فقال إن هذه القيم تكوّن الجانب الأساسي من الدين المسيحي.
ولم يرَ في الأناجيل رموزا فلسفية، بل رأى فيها أساطير لها أصلها في النبوءات المسيحية وتعبّر عن أعماق آمال الحياة اليهودية... وأصر شتراوس على أن ماهية الدين تختلف عن ماهية الفلسفة، وبهذا فوّض التناسق الذي أقامه هيغل بين الاثنين.
وأكد شتراوس بأن الإنسانية كلها وحدها تعطي في مجرى التطور صورة كاملة لله. وبهذا فتح شتراوس الباب أمام هجوم عام على الهيغلية من جانب اليسار الهيغلي.
لقد كانت مشكلة أصحاب هذا اليسار هي التغلب على التناقض بين التطور الجدلي الذي يقدم تبريرات للعمل الثوري، والمذهب المحافظ المثالي عند هيغل.
وهكذا تجرأ الهيغليون الشبان بعد شتراوس بتوجيه النقد ضد مثالية هيغل ووسعوا هذا النقد من المجال الديني إلى المجال السياسي، والاجتماعي، وفي هذا المجال استفادوا من نظرية الجدل لهيغل التي تتضمن التغير الدائم للعالم.
وكان شييزكوفسكي (في كتاب مدخل إلى المحكمة التاريخية – برلين عام 1838)، قد عارض هيغل الذي قصر الجدل على تفسير الحاضر، ونادى بأن الفلسفة يجب أن تفيد في أن تقودنا من الحاضر إلى المستقبل، ومن ثم عليها أن تحدد السير العقلاني للمجتمع. وقال هذا الفيلسوف العظيم إن التطور التاريخي الذي كان حتى هذه اللحظة لا شعوريا، عليه أن يصبح شغل النشاط العقلاني.
أما الفلسفة الهيغلية التي تتوقف عند الحاضر وليس لها تأثير على مصير الإنسان فيجب أن تحل محلها فلسفة جديدة، فلسفة للفعل الذي سيمكن الإنسان من تحديد المستقبل.
لقد كان هذا مذهبا للفعل، فلسفة للفعل، أحدث تغييرا عميقا في الفلسفة الهيغلية في اتجاه مذهب فيشته، وجعل تطور الواقع تابعا للإرادة العقلانية وجعل تحديد المستقبل هو المهمة الأساسية للفلسفة. وكان على هذه الرؤية الجريئة أن تجد منظّرها ومطورها ألا وهو برونو باور (1809 – 1882 فيلسوف مثالي هيغلي من الشبان الراديكاليين برجوازي يشار إليه أحيانا على أنه القديس برونو). وهو صديق لكارل ماركس.
وبرونو باور كان في الأساس لاهوتيا مثل شتراوس، فقد نظر باور إلى الدين المسيحي كشكل ومرحلة جديدة في تطور الوعي الكلي، ولقد سلّم باور بالحركة الجدلية اللانهائية للوعي الكلي وأنكر النهائيه على أي جوهر، أي على أي شكل محدد للواقع.
ولكن هذه الفلسفة النقدية والتي تميزت بالذاتية، حيث أكدت بأن الروح قادرة على تغيير الواقع حسب الإراده، ولكن هذه الفلسفه إنهارت عندما أعلن الهيغليون الشبان الحرب على السلطه المطلقه ضد فريدريك ولهلم الرابع، وأدى فشلهم إلى الفردانيه والذاتيه. وهذا أمر طبيعي مع تيار معزول عن طبقته وجعلهم إنعزالهم عن البرجوازيه الصاعده وعن الجماهير الواسعه عاجزين عن ربط الفكره والنظريه بالعمل الإجتماعي السياسي أو إعطاء حل عيني لمشكلتهم الجوهريه مشكلة الحريه والنتيجه التي إستخلصوها من عجزهم هي أن هناك تعارضا لا توفيق فيه بين الجماهير والروح، لقد وصفوا الناس الذين لم يكن لديهم سوى عدم اكتراث بالفلسفة النقدية بأنهم غير أهل بالحرية وغير قادرين على تطويرها، لقد مالوا إلى فصل تطور الوعي الكلي عن تطور الإنسانيه كما مالوا إلى خلط هذا التطور بالوعي الفردي المرتد إلى الأنا.
وقد استخلص واحد من هذه الجماعة هو شتيرنر (1806- 1856) النتائج المتطرفة لهذا الاتجاه ورفض أي حد مفروض على ذاتية الفرد، من قبل الدين أو المجتمع أو الدولة، ولم يعترف إلا بحقيقة واحدة هي الأنا ومبدأ واحد وحيد هو عبادة الأنا، وجعل من الأنية والأنانية المطلقة الدافع الوحيد للنشاط الإنساني وانتهى إلى العدمية والفوضوية.
وفي الوقت نفسه كان هناك قسم آخر في اليسار الهيغلي يضم لودفيغ فيورباخ وموسى هس وكارل ماركس وفريدريك إنجلس يسير بدقة في الإتجاه المقابل، وكان هؤلاء الفلاسفة يسعون إلى ربط الفكر ربطا أوثق بالواقع، أي ربط النظرية بالفعل والعمل.
وطرح أوغست بلانكي الرفض القاطع لأي تعاون طبقي ووضع آماله في العمل الثوري للبروليتاريا لإعادة تكوين المجتمع.
أما فيورباخ فقد أحل محل المثالية الهيغلية وضعية مادية ردّت كل شيء إلى الإنسان والطبيعة.
وتكمن أهمية فيورباخ في أنه اعطى ولأول مرة حلا ايديولوجيا للمشكلة الرئيسية الخاصة بإدماج الإنسان في وسطه الطبيعي والإجتماعي، والعنصر الأساسي في فلسفته نقد الإغتراب الديني والإجتماعي ونقد إغتراب قوة عمل العامل وتحولها إلى السلع المنتجة في ظل الرأسمالية وهو نقد للنزعة الفردانية والذاتية ناجم عن نمط للتوزيع يقوم على دافع المنفعة.
لقد كانت فلسفته محاولة للتغلب على الذاتيه والوصول إلى الحياة الجمعية بإتاحة الفرصة أمام الإنسان للمشاركة في حياة الأنواع.
والضعف في مذهب فيورباخ كامن في أنه تسلّح بالمطلق خارج التطور التاريخي. وبالرغم من أنه أقام الواقع العيني والحسي أولا وسعى إلى إدماج الإنسان في الطبيعة والمجتمع إلا أنه نادرا ما تجاوز الإنسانية المجرّدة، وكما كان قد فكّر في الإنسان والمجتمع من وجهة نظر مطلقة، فإنه لم يرفض مثالية هيغل فحسب بل رفض أيضا تصوره التاريخي والجدلي، وهذا أدى إلى أن وضع النشاط الإنساني خارج التطور التاريخي والتطور الإجتماعي والاقتصادي وجعله يرتد إلى مادية القرن الثامن عشر الآلية، وجعله يتناول فعل البيئة في الإنسان لا فعل الإنسان في البيئة.
وهكذا جعل الإنسان كائنا شبه سلبي، وهذه هي نقاط الضعف الأساسيه لفلسفة فيورباخ.
أما موسى هس فقد ذهب أبعد من فيورباخ حيث ربط حرية الناس بانعتاقهم الاقتصادي والاجتماعي أكثر مما ربطها بالتحرر الديني.
وفي كتابه "الدولة الأوروبية المحكومة بثلاثة أشخاص (1841) أكد هس أهمية الليبرالية لحل المشكلة الجوهرية التي كانت في نظره هي المشكلة الاجتماعية، وقد أناط بعصره مهمة الانعتاق الإنساني، وقال "إن هذا لن يحدث بالإصلاحات الدينية أو الاجتماعية، التي لن تكون سوى خطوات في ذلك الاتجاه، بل سيحدث بالثورة الاجتماعية، بتغير حاد للمجتمع، وقال "الثورة لن تكون عمل نقد الواقع فحسب، وهو نقد عقيم، بل سَتُكَونُه من عمل الفعل".
ولقد رسم لنا هس فلسفته، في أربع مقالات كتبت عام 1843 و 1844 وهي "فلسفة هيغل" "الاشتراكية والشيوعية" "الحرية في وحدتها وكليتها" وأهمها "ماهية النقود". وأكد أن الرأسمالية تخلق الاغتراب.
وقال هس: "إن ظاهرة الاغتراب التي كان فيورباخ قد درسها في مجال الدين وهاجمها باعتبارها مصدر شرور الإنسانية جميعا هي بالفعل اجتماعية في طابعها أنتجها النظام الرأسمالي".
وقال: "في هذا النظام القائم على الملكية الخاصة ودافع الربح، يكون القانون الأكبر هو المنافسة التي تنصب الفرد ضد الفرد وتحلل المجتمع بتقديم الذاتية وجعلها عامة".
"ويعد النظام الرأسمالي بسبب المنافسة والذاتية مسرحا لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان ويضطر الضعفاء إلى خلق الثروة التي لا تمت إليهم والتي فيها يغرّبون جوهرهم، قوة عملهم، والتي بها يصبحون عبيدا".
"ففي هذا المجتمع، يقول هس، تتخذ الثروة بشكل النقود التي هي الرب الحقيقي للمجتمع الحالي، الرب الذي يعبد فيه الإنسان ماهيته، التي أصبح بالنسبة لها غريبا "، ويستمر هس ويقول "وحتى يمكن القضاء على هذا الاغتراب الذي يحط من الإنسان ويجعله عبدا ، يجب القضاء على الملكية الخاصة والمنافسة وأن يحل محل النظام الرأسمالي نظام شيوعي يستطيع وحده أن يقضي على الذاتية ويؤسس العلاقات الإنسانية بين الناس ويقيم المجتمع على الغيرية والمحبة".
وهنا نرى بان هس، شأنه شأن المذاهب الخيالية الإشتراكيه الحالمة الأولى، رد كل التطاحن الناجم في نظام الملكية الخاصة إلى تطاحن بين الاتجاهات الذاتية والغيرية للإنسان فبوضع المشكلات الاقتصاديه والاجتماعيه على مستوى أخلاقي كما فعل هس، جعل الكفاح ضد الذاتية العنصر الأساسي الجوهري لفلسفته والعنصر الأساسي للصراع الإجتماعي، بدون ارتباط خاص بالبروليتاريا. والصراع الطبقي- محرك التاريخ.
وهكذا أصبح طرح هس فيه نوع ما من الأخلاقية وهو يبتعد عن النشاط الاجتماعي إلى الدعاية والتربية، وظل ايديولوجيا في الأساس كما هو عند برونو باور وفيورباخ نوعا من الحد الأوسط بين الشيوعية والنزعة الفردانية الفوضوية، وسلم بالنشاط الحر للفرد باعتباره هدف الحياة الإنسانية.
وبصرف النظر عن أخطار هذه النظرية وعدم سدادها من وجهة النظر الماركسية، فإنها شكلت همزة وصل بين فلسفة فيورباخ والإشتراكية الفرنسية اللتين كانتا مصدري إلهام هس، وقد فتح الطريق أمام كارل ماركس الذي انطلق من معطيات مماثلة ليصل إلى حل جديد لمشكلة العمل والمشكلة الاجتماعية.


http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=116514

 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 969617 :: Aujourd'hui : 69 :: En ligne : 3