البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-12-17
بين بياجيه وتشومسكي ،مقـاربة حـول كيفيـة اكتسـاب اللغـة

yyy

في عام 1975، قارن عالم النفس جان بياجيه وعالم اللغة نعوم تشومسكي نظريتيهما حول اكتساب اللغة عند الطفل. عودة إلى مناقشة تاريخية جمعت صفوة الباحثين حول المسألة.
كان ذلك في تشرين الأول 1975، في ديْر على نهر «السين» يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث عشر، تحول فيما بعد إلى مركز ثقافي «مركز رويومون لعلم الإنسان»، حيث كان على رأس الحاضرين كل من «جان بياجيه «Jean Piaget ( 1896 – 1980 )، 79 سنة آنذاك، أحد أبرز شخصيات علم النفس، ذي شعر أبيض طويل، وابتسامة لطيفة، وذهن حاد، وثقافة موسوعية، ومعارضه «نعوم تشومسكي» Noam Chomsky 47 سنة، عالم لغة أمريكي قادم وقتذاك من «كامبردج» وكانت نظريته حول قواعد النحو التوليدي((1 grammaire générative قد أحدثت تغيراً عميقاً في الألسنية. شاركت في المناقشة كوكبة من الباحثين – علماء نفس، وعلماء لغة، وفلاسفة، وأطباء أعصاب.
كان اللقاء مقابلة بين تصورين متعارضين حول تكوّن التفكير واللغة، فطرية(2) innéisme «تشومسكي» وبنائية(3) Constructivisme «بياجيه». حسب «تشومسكي»، هناك كفاءات عقلية فطرية، مسجلة في دماغ الإنسان، تفسر بشكل خاص مقْدراته اللغوية الشمولية، بينما أكد «بياجيه» أن مقْدرات الكائن البشري الاستعرافية ليست فطرية كلياً، ولا مكتسبة كلياً. إنها نتاج بناء تدريجي تتحد فيه الخبرة والنضج الداخلي.

تبـادلات أولـى مهذبـة
سبقت المناقشةَ تبادلات مكتوبة. افتتح «بياجيه» الحوار بنص من ست نقاط، تلخص نظريته: لا يعمل التفكير عند الطفل عبر تسجيل بسيط لمعطيات «مثلما يفترض التجريبيون»(4): من أجل فهم الواقع، تلزمه أطر عقلية. لكن هذه الأطر العقلية ليست فطرية. يبتني التفكير على مراحل: من الذكاء الحسي – الحركي، حيث يؤدي الفعل دوراً هاماً، إلى مرحلة العمليات العقلية الصورية، التي تنبثق خلال المراهقة.
قبِل «تشومسكي» إطار المناقشة فوراً. كانت هنالك إذاً ثلاثة تصورات حول المعرفة: التجريبية، والفطرية، والبنائية. عرَّف «بياجيه» نفسَه بأنه بنائي، بينما وضع «تشومسكي» نفسه بوضوح في الفئة الثانية، الفطرية. قال: «يصف جان بياجيه تصوراتي بشكل صحيح جداً على أنها (...) شكل من الفطرية». ويضيف حالاً: «دفعتني دراسة اللغة البشرية، تحديداً، إلى أن أعتبر أن المقدرة اللغوية المحددة وراثياً هي أحد مكونات الذهن البشري...».
عرض «تشومسكي» تصوراته. شرح أن الطفل يطور كفاءة خاصة من أجل أن يتمكن من قواعد اللغة (النحو) grammaire بشكل دقيق (صينية كانت هذه القواعد أم إنجليزيةًً): يكتشف العلاقات بين الكلمات، ومجموعاتِ كلماتٍ، فيشكل جملاً صحيحة نحوياً. يفهم أطفال العالم كلهم، بشكل سريع، ما هي العلاقات التي تربط بين المسند إليه (الكلب) والمسند (ينبح) أو الروابط التي تربط ما بين الوظائف الكبرى للجملة: تركيب تعبيري فعلي وتركيب تعبيري اسمي.
هدفُ النحو التوليدي هو الكشف عن تلك القواعد العميقة التي تحكم اللغة، هذه النواة الثابتة، المرتكزة إلى خاصيات منطقية، التي ينبغي على الطفل أن يتمكن منها كي يستطيع فهم الجمل وإنتاجها. توحي السرعة التي يكتسب بها هذه الخاصيات، بين عمر 2 و5 سنوات، وشمولية هذا الاكتشاف (يكتسب الأطفال كلهم اللغةَ)، بأن الأمر يتعلق هنا بمقدرة فطرية، الكائن البشري مؤهَّب لها. كان موقفا المؤلفين متعارضين بذلك بشكل واضح. ولزم أن يفتتح «بياجيه» النقاش الشفوي:
«أنا موافق على مساهمة تشومسكي الرئيسية هذه في علم النفس، اللغة هي نتاج الذكاء أو العقل وليست نتاج تعلُّم بالمعنى الذي ساقته المدرسة السلوكية(5) للعبارة. كما أنني متفق معه حول أن هذا المنشأ العقلي للغة يفترض وجود نواة ثابتة لازمة لتكوُّن اللغات كلها (...). أعتقد أننا متفقان حول ما هو جوهري، ولا أجد أي تعارض هام بين ألسنية تشومسكي وعلم النفس الذي يخصني».
أبدى «بياجيه»، منذ البداية، تساهلاً نظرياً كبيراً. أقرّ بأن اللغة ترتكز إلى مقدرة منطقية في تشكيل جمل صحيحة نحوياً. كان على المناقشة إذاً أن تتناول فطرية أو عدم فطرية هذه النواة الثابتة، هذه المقدرة المنطقية في إنتاج اللغة. وبرهن: لا ينتقل سلوكٌ ما بشكل وراثي لمجرد أنه شموليٌّ ومتأصلٌّ. يمكن أن يتثبت بعضُ البنى الدماغية والوظائف النفسية المرتبطة بها بطريقة التنظيم الذاتي autorégulation، الذي يتولد من التأثر بين الإرث الجيني للنوع والخبرة. كان «فرانسوا جاكوب» François Jacob، الحائز جائزة نوبل في علم الأحياء، من بين الحضور. تركته فرضية «بياجيه» هذه في ريب من أمره، ورأى فيها شيئاً من اللاماركية(6).
رفض «تشومسكي» الخوض في مثل هذا الميدان. ليست معرفة إن كانت النواةُ الثابتة فطريةً أو غيرَ فطريةٍ، تنتج أو لا تنتج عن تنظيم ذاتي غامض، سوى مسألة ثانوية، حسب رأيه. المسألة هي معرفة ما إذا كانت هذه النواة الثابتة موجودة، وهل هي نوعية، وما إذا كانت تسبق كل تعلم. لكن هذا الأمر كان محسوماً، ذلك أن «بياجيه» كان قد قبل بذلك قبل قليل.. . فطري أم مبني.
استمرت التبادلات ودارت حول مسائل عدة: هل يمكن إثبات أن بنيةً عقلية ما هي فطرية؟ أو أن لياقةً ذهنية موجودة ولكن مكبوتة، بحالة كمون في المراحل الأولى؟ هل توجد آليات عامة للنمو الذهني؟ يقول «تشومسكي» في رده على سؤال «هل يمكن فعلاً إثبات أن بنية عقلية ما هي فطرية؟»: لا أزعم أني أريد إثبات فطرية اللغة. لا يمكننا «أن نثبت» أن العنكبوت ينسج خيوطه بالغريزة. ولكن من الممكن تقديم حجج مقنعة «تجعل هذه الفرضية ممكنة».
يرى «تشومسكي» أن تطور اللغة شبيه بتطور الرؤية. هنالك في الدماغ مراكز متخصصة تعنى برؤية الألوان، والأشكال، والحركة. تتطور لياقات التمييز هذه بالنضج المتدرج خلال الأسابيع الأولى من الحياة. إن كنا نصبح قادرين بالفعل على تعيين هذا الشيء أو ذاك، فإن الأجهزة العقلية التي تتيح الرؤية هي فطرية وعالية التخصص. يرجع «تشومسكي» عندئذ إلى أعمال «ديفيد هوبل» David Hubel و«تورستن ويزل» Torsten Wiesel - عالمي أحياء كانت أبحاثهما قد بدأت تترك تأثيرات هامة في الوسط العلمي(7). يمكن أن ينسحب الشيء نفسه على اللغة. نتعلم، طبعاً، وفقاً للثقافات، قواعد نحوية ومفردات وكلمات خاصة. ولكن يحدث ذلك كله على أساس مقدرة فطرية في تنظيم هذه العناصر فيما بينها.
عارض «بياجيه» عندئذ هذه الفرضية بنموذج آخر مختلف. إن كانت اللغة تظهر نحو سن 2 سنة، فليس ذلك من خلال نوع من النضج الداخلي فقط. يكون ظهورها قد تهيأ عبر عدة مراحل من نمو الطفل الذهني. الوصول إلى اللغة مشروط بالذكاء الحسي – الحركي. يحدث ذلك خلال السنتين الأوليين من الحياة. يتيح التلمُّس البدني التجريبي للطفل أن يكتشف الأشياء ثم علاقاتِها، حتى يبلغ أخيراً قدرةً تجريدية، اللغة أحدُ تعبيراتها. التمكن من اللغة هو إذاً تعبير عن ذكاء عام، يتطور على مراحل. لا يمكن إذاً بلوغ الفئات التجريدية إذا لم يكن الحسي موجوداً قبل ذلك. يتكون المنطق الذي يشكل أساس المقدرات التنظيمية للغة على شكل جمل، من البسيط إلى العام، من الحسي إلى التجريدي.
تدخل حينئذ عالم الأحياء «جاك مونو» Jacques Monod. وعلى الرغم من أنه ليس اختصاصياً في الموضوع، فإن هذا العالم الحاصل على جائزة نوبل ومدير «مركز رويومون» كان مهتماً عن كثب بهذا اللقاء. أشار إلى اختبار قد يتيح حسم الجدل: «إذا كان نمو اللغة عند الطفل وثيق الارتباط بالخبرة الحسية – الحركية، يمكننا الافتراض بأن طفلاً ولِد مصاباً بشلل الأطراف الأربعة سيجد أشد الصعوبات في أن ينمي لغته»، وسأل، هل تمت دراسة حالات مشابهة؟ أجابت «باربل إنهلدر» Barbel Inhelder، معاونة «بياجيه»، وعالمة النفس في جامعة «جنيف»، بالنفي. أوضحت مع ذلك أن الذكاء الحسي – الحركي يمكن أن يحصل على كل حال من خلال خبرات سمعية وإبصارية فقط.
هنا، كان لـ «جيري فودور» Jerry Fodor، فيلسوف أمريكي من المدافعين عن فرضيات «تشومسكي»، مداخلة لم تخل من خشونة: «إن كان يكفي أن توجد في أقصى الأحوال حركة من العينين كي يكون للذكاء الحسي – الحركي دور، فذاك يجعل مذهب الذكاء الحسي – الحركي مبتذلاً».
مقدرة تخص البشر وحدهم؟
وتابع «ج. فودور» المشاركة. كان هذا الفيلسوف الشاب، زميلُ «تشومسكي» في «معهد ماساشوستس»MIT في «كمبردج»، قد نشر قبل وقت قصير كتابه المعنون Le Langage de la pensée (لغة الفكر)، وهو عمل يدافع فيه عن تصور حوسبي(8) للذهن البشري. حسب رأيه، يرتكز الفكر /التفكير على مجموعة قواعد منطقية، نوعٍ من الجبْر العقلي الذي يحكم معظم وظائفنا العقلية: الذكاء، والإدراك واللغة. في الواقع، كان هذا الفيلسوف يطور عبر هذا الطرح الخاص فرضية وصفها البعض بأنها «مستفزة» لأنها تخالف الفكر الذي ساد خلال الثلاثمئة سنة الأخيرة». يؤكد ببساطة أن تعلُّم الفئات catégories لا وجود له. من المؤكد أننا نتعلم الرياضيات، لكن المنطق الذي يشكل أساسَها سابقٌ لها. وبالطريقة نفسها، المقدرة اللغوية في بناء جملٍ سابقٌ لتعلم هذه اللغة أو تلك.
ردّ «بياجيه»: ربما كان علينا إذاً في هذه الحال أن نقرّ بأن الرياضيات ليست نتاجَ تعلُّم. ربما تكون معاني اللامتناهي، والأعداد تحت الصفر (المضاف إليها علامة -) إلخ...، موجودة عند الطفل منذ سن 5 سنوات، بل وحتى لدى الحيوان، لم لا؟ ولكن من الواضح أن هذه ابتكارات حديثة للبشرية، مرتبطة بتاريخ الرياضيات.
________________________________________
هدفُ النحو التوليدي هو الكشف عن تلك القواعد العميقة التي تحكم اللغة، هذه النواة الثابتة، المرتكزة إلى خاصيات منطقية، التي ينبغي على الطفل أن يتمكن منها كي يستطيع فهم الجمل وإنتاجها. توحي السرعة التي يكتسب بها هذه الخاصيات، بين عمر 2 و5 سنوات
________________________________________
ابتكارات بشرية حديثة، نعم، ردّ «ج. فودور»، لكنها لا تتطلب مقْدرات منطقية جديدة. المنطق البشري موجود قبل أن يصيغ «أرسطو» مبادئه العامة. لم يفعل سوى أنه نظّر قواعد تتاح لجميع البشر. كان «ديكارت» محقاً عندما أكد أن العقل هو «الشيء الأفضل تقاسماً في العالم». لا يتعلم الطفل التفكير، لا يفعل سوى أنه يستنفر مقدرةً تخص النوع.
اتخذت المناقشة إذاً منحى جديداً: هل الذكاء، والعقل، واللغة، هي مقْدرات خاصة بالبشر؟ التفتوا عندئذ ليسمعوا رأي «ديفيد بريماك» David Premack ، الذي يدرس اللغة والتفكير عند الحيوان في جامعة «بنسلفانيا»، حيث أنجز منذ سنوات عديدة تجارب على «ساره» Sarah، أنثى شمبانزي كان يعلمها لغة الإشارات.
أجاب «د. بريماك» في نقاط عدة. قبل كل شيء، عارض أولئك الذين يؤكدون أن اللغة هي نتاج المجتمع والتواصل الاجتماعي. تعيش أنواع حيوانية كثيرة في مجتمع. أما اللغة، فهي خاصية بشرية. هل هي مرتبطة عندئذ بالذكاء العام؟ أكد، مستنداً إلى تجربته، أن القرود الكبيرة ذكية: قادرة على التجريد، وحل مشكلات. لكن مقدرتها على استخدام لغة محدودة جداً. قد تكون اللغة إذاً مقدرة نوعية، غير مرتبطة مباشرة بالذكاء العام.
عدا ذلك، ظهر «د. بريماك» متشككاً جداً حيال وجود وظيفة رمزية. يرى أنه توجد وظائف متمايزة: مقْدرات التمثُّل représentation، والاستدلال raisonnement، والتبويب catégorisation، التي ينبغي دراستها واحدة فواحدة، بدلاً من التعميم عبر وظيفة عامة. اللغة إذاً وحدة جزئية (من عمل الدماغ)، غير مرتبطة بالذكاء العام، ولا بالمجتمع بصورة عامة. سارت الحجج إذاً في الاتجاه الذي نحته فرضيات «تشومسكي»، ولو أن «د. بريماك» رفض الاصطفاف في معسكر القائلين بالفطرية.
برنامجان بحثيان مختلفان
في هذه المرحلة، توزع المتقابلون على عدة معسكرات. كان هنالك أولئك المتحفظون بحذر، مثل «ج. مونو» و«ف. جاكوب». وودّ البعض، مثل «سيمور بابِرت» Seymourt Papert أو «د. بريماك» الخوض في المناقشات على مسارات أخرى.
تمسك أنصار «تشومسكي» بمواقفهم. رفض المعني نفسه الخوض في نقاشات نظرية وعامة أكثر مما ينبغي رأى أنها عقيمة. ودّ أن يقتصر النقاش على فرضيات محددة حول مسائل محدودة ويمكن دحضها، وعلى نظريته النحوية في المقام الأول. حول هذه النقطة، كان منازِعاً بعنف، لأن قلة قليلة من الاختصاصيين الحاضرين كانوا متمكنين فعلاً من النظرية اللغوية ويمكنهم خوض نقاش فيها. سيتدخل «هيلاري بوتنام» Hilary Putnam وحده، وهو فيلسوف أمريكي، معترضاً بشكل مباشر وبدقة على فرضياته(9). حجته الرئيسية: لا يستطيع الطفل تنظيم الجمل دون الدلالة sémantique. إن كان يمكنه أن يكتشف القواعد النحوية، فلأنه قادر على بلوغ معنى الكلمات (بينما يؤكد «تشومسكي «أن الدلالة والنحو مستقلان كل منهما عن الآخر). إن بناء «تشومسكي» خاطئ كله حسب رأيه، من جذوره.
سعى مشاركون آخرون في النقاش إلى التوليف. تلك كانت حال «ستيفان تولمن» Stephan Toulmin، و«غي سيرلييه» Guy Cérellier و«جاك مهلر» Jacques Mehler... الذين سيقدمون كل بدوره محاولات تسوية. عرض عالم الجهاز العصبي الفرنسي «جان – بيير شانجو» Jean – Pierre Changeux مثلاً نظريةً عصبية تقتبس في الوقت نفسه من المذهب الفطري ومن المذهب البنائي. شكر «بياجيه» بحرارة «ج. – ب. شانجو» على محاولة التسوية هذه، وقال «من جهتي، حاولت في هذه الندوة أن أجد مثل هذه التسوية بالإقرار بقابلية وراثة عمل البنى نفسها».
________________________________________
يرى «تشومسكي» أن تطور اللغة شبيه بتطور الرؤية. هنالك في الدماغ مراكز متخصصة تعنى برؤية الألوان، والأشكال، والحركة. تتطور لياقات التمييز هذه بالنضج المتدرج خلال الأسابيع الأولى من الحياة. إن كنا نصبح قادرين بالفعل على تعيين هذا الشيء أو ذاك، فإن الأجهزة العقلية التي تتيح الرؤية هي فطرية وعالية التخصص
________________________________________
عندما حان وقت إقفال باب النقاش، كان كل واحد قد بقي على مواقفه إجمالاً، ولو أن «بياجيه» وأنصاره سعوا دون توقف إلى تسوية رفضها «تشومسكي» ssimo Piattelli – Palmarini ، أحد منظمي المناقشة، كان الاتفاق صعباً، لأن النقاش كان تخاصماً بين «برنامجين بحثيين متباينين». ومع انقضاء الزمن، بدت هذه المواجهة مع ذلك على أنها لحظة مفصلية. انقلبت التصورات المتعلقة باللغة والتفكير فيما بعد.
في العام 1975، كانت النظريات الجبلّية(10) قليلة للغاية. كانت الرؤية السائدة هي أن الإنسان كائن ثقافي يشكّله، بالكامل، المجتمعُ، والخبرة، والتعلم. ولكن، لم تكن هذه رؤية «بياجيه»، ولا رؤية «تشومسكي» أيضاً.
في السنوات التالية، فرضت وجهةُ النظر الاستعرافية(11) نفسها – تنظر هذه إلى الذهن البشري على أنه نوع من برنامج معالجة داخلي للمعلومة موجَّه بمنطق داخلي. ستفضي الاكتشافات حول المقْدرات الباكرة عند الطفل الرضيع فضلاً عن ذلك إلى تراجع فرضيات «بياجيه».
واليوم، لم يحسم النقاش بعد فعلياً. لا يمكن نكران أن «رويومون» كانت بالنسبة للأطراف المتنازعة كلها تاريخاً مفتاحياً في تطور تصوراتها. كانت أيضاً نموذجاً للحوار العلمي، المخلص والدقيق، مثلما توجد أخرى مثله على نحو نادر كثيراً في تاريخ العلوم الإنسانية.
الهوامــش:
1 - النحو التوليدي نظرية لغوية تفيد بأن مجموعة من القواعد النحوية تتيح توليد عبارات اللغة كلها وبأنه توجد قواعد مشتركة للغات جميعها. وكان «نعوم تشومسكي» قد وضع منذ عام 1955 الخطوط العريضة لما أصبح النحو التوليدي والتحويلي grammaire générative et transformationnelle (قسم من النحو التوليدي درسه «نعوم تشومسكي»). إلا أن هذه النظرية لا تحل مسألة أصل اللغات من وجهة نظر علمية، لكنها تقدم دراسة لغوية جديدة. رأى «تشومسكي» أن مختلف مناهج معالجة الألسنية لا تتيح التعبير عن أن «الشخص المتكلم» قادر على «أن ينتج ويفهم في آن معاً عبارات مختلفة (من وجهة نظر تكوينية (التنغيم intonation) وبمستوى صياغات العبارة) عن تلك التي سبق أن سمعها». يستند اكتساب اللغة إلى اكتشاف الطفل نحواً توليدياً في لغته «دون أن يأخذ بحسبانه بنى معينة، ويتكلم دون أن يعرف القوانين التي تحكم لغتَه، أي أن اللغة بعبارة أخرى فطرية عند الوليد. إن ما يريد النحو التوليدي وصفه وشرحه هو الكفاءة اللغوية، أي هذا المجموع المتناهي من القواعد الذي يتيح توليد عدد لا متناهٍ من العبارات.
2 - الفطرية (المذهب الفطري):
innéisme الأفكار، وفقاً لهذا المذهب الفلسفي، موجودة منذ الولادة في الذهن البشري. أصبح هذا الفطري، بالنسبة للتطوريين (أتباع مذهب التطور évolutionnisme)، منذ «داروين»، نتاجَ ما كان قد اكتسبه النوع خلال التطور.
3 - البنائية (المذهب البنائي) Constructivisme:
في علم النفس، يمثَّل هذا المصطلح بنظرية «جان بياجيه» التي تنظر إلى نمو الذكاء على أنه بناء متدرج يقترن فيه نضج بيولوجي (أو مخططات عمل schèmes d`action أو تفكيرٍ سابقة الوجود) والخبرة (المُكْتَسَب acquis). تتميز البنائية هنا إذاً عن الفطرية (المذهب الفطري) وعن التجريبية (المذهب التجريبي) في الوقت نفسه. البنائية مرتبطة أيضاً بتيار فكري ينحدر من مذهب «بالو ألتو» Palo Alto الذي ينظر إلى الواقع على أنه «اختراع «invention أو «بناء عقلي».
4 - التجريبية (المذهب التجريبي) Empirisme
مذهب فلسفي يرى أن المعارف تأتي من العالم الخارجي (وليس من الأفكار). ووفقاً للتعبير الشهير للفيلسوف «جون لوك» John Locke (1632 – 1704)، فإن الذهن هو tabula rasa ، صفحة بيضاء، تنطبع عليها المعلومات الآتية من العالم الخارجي بالتدريج. في العلوم، يصيغ المسلك التجريبي المعارف ابتداءً من معطيات التجربة، ضمن معايير قابلة للانتقال.
5 - السلوكية (المذهب السلوكي) Béhaviorisme (أو comportementalisme):
السلوكية (أو المذهب السلوكي) نظرية نفسية للتعلم يتبوأ فيها الإشراط conditionnement دوراً مركزياً. ترتكز السلوكية على فكرتين مركزيتين:
- اقتصار علم النفس على أن يكون علماً للسلوك لا يهتم إلا بالسلوكيات القابلة للملاحظة وليس بالحالات العقلية للكائن.
- أساس السلوكيات البشرية هو الإشراط، أي التعلُّم بالترابط بين منبِّهٍ واستجابة.
كان للسلوكية تأثير حاسم في علم النفس الأمريكي من ثلاثينيات القرن العشرين حتى ستينياته. «ج. ب. واطسون» J.B. Watson (1878 – 1958) هو زعيم تيار المدرسة السلوكية. وكان الأمريكيون «إدوارد ل. ثورنديك» Clark L. Hull ( 1884 – 1952 )، و «برهس ف. سكينر».
6 - اللاماركية Lamarckisme: استنتج «جان باتيست لامارك» Jean – Baptiste Lamarck، عالم الطبيعة الفرنسي (1744 – 1829)، من ملاحظاته حول الاختلافات الفردية ضمن النوع نفسه، أن الأفراد يتكيفون مع وسطهم. إذا تغيرت الظروف المناخية، والجيولوجية، بشكل دائم، فإن الكائنات الحية تحوِّل أجسادَها (ولكن ليس على نحو مضبوط). يمكن للعضو في الجسم إذاً أن يتغير كي يستجيب لحاجة ما. عدا ذلك، هذا التحول قابل للتوريث إلى النسل (وراثة الخواص المكتسبة). ويرى «لامارك» أن هذه التحولات متدرجة وغير قابلة للإدراك على المستوى البشري. وكي يدعم فرضيته، ساق مثالاً على ذلك عنقَ الزرافة، الذي تطاول كي يصل إلى أغصان الأشجار العالية.
7 - سيحصلان على جائزة نوبل في الطب لعام 1981 على اكتشافهما.
8 - الحوسبة من الحوسبية computationnisme ( من الكلمة الإنجليزية computer ، الحاسب الإلكتروني ، وأيضاً من الحاسبة calculateur ) تيارٌ من العلوم الإنسانية يرى أن الفكر يظهر على شكل سلسلة عمليات بسيطة تتحقق على نحو متسلسل وبسرعة كبيرة. وللحوسبية مشروع يقوم على ترجمة الأفكار البشرية (المعبر عنها باللغة السائدة courant) إلى سلاسل عمليات منطقية (المعبر عنها بالحساب الرمزي symbolique) يمكن ترجمتها في سلاسل حسابية أولية (المعبر عنها بـ «لغة الآلة» langage machine).
9 - كان هذا النقاش قد حصل في الواقع بعد اجتماع «رويومون»، من خلال تبادل نصوص.
10 - الجِبِلّيّة (المذهب الجِبِلّي) Nativisme:
يؤكد هذا التيار أن الدماغ مجهز مسبقاً منذ الولادة. ويرى عالم اللغة «نعوم تشومسكي»، مثلاً، أن الدماغ مزود ببنى قواعد شمولية للغة. تستند الأفكار التي يدافع عنها الجبلّيون nativistes ، فيما تستند إلى طرق مستخدمة حديثاً تتيح الكشف عن كفاءات لدى الرضّع كانت مجهولة حتى تاريخه.
11 - الاستعرافية ( المذهب الاستعرافي) Cognitivisme
بمعنى عام، تقارَن الاستعرافية بالأبحاث الجارية في علوم الاستعراف sciences cognitives، وهي تتبنى فكرة معالجة المعلومة. وبمعنى حصري أكثر، تمثَّل الاستعرافية بـ «الحَوْسَبية» computationnisme أو بنموذج حوسبي – تمثيلي computo - représentationnel . ولكن هنا، الفرضيات أكثر تقيداً، إذ يتطلب هذا النموذج:
1 - وجود حالات عقلية ؛ 2 - أن تعالَج هذه الحالاتُ العقلية على شكل تمثيلات/ تمثلات représentations رمزية ومواقف افتراضية attitudes propositionnelles ؛ 3 - أن تشكل عملياتٌ منطقيةٌ (ترابُط، علاقة تضمين implication) «لغةً للتفكير» مشابهةً لبرنامج حاسوبي.
مراجــع:

M. Piattelli – Palmarini, Théorie du langage et théorie de l`apprentissage. Le débat entre Jean Piaget et Noam Chomsky, Points Seuil, 1979, reed. 1982.
J. Piaget, Le langage et la pensée chez l`enfant, Delachaux et Niestlé, 2002
J. Mehler et E. Dupoux, Naître humain, Odile Jacob, 1990.
J. Piaget, B. Inhelder, La Psychologie de l`enfant, 1966,réé. PUF, 2004

L`Intelligence de l`enfant, Le regard des psychologies, coordonné par Martine Fournier et Roger Lécuyer, Sciences Humaines, 2007
Noam Chomsky, Le Langage et la pensée (1968), Payot, coll.»Essais”, 04/02/2009

http://www.arrafid.ae/p9.html

 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1133623 :: Aujourd'hui : 177 :: En ligne : 4