البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-12-09
كتاب فلسفة مابعد الحداثة في معارضة الحداثه

yyy

( يتميز الكاتب هاشم صالح بسعة الثقافة وعمق النظرة الفكريه واهتماماته بقضايا التنوير والحداثه وذلك من خلال مقالاته وترجماته في صحيفة الشلرق الاوسط
كما ساهم هاشم صالح في ترجمة اعمال المفكر العربي محمد اركون ونقلها للغة العربية
في هذا الموضوع يراجع هاشم صالح كتاب حديث عن فلسفة مابعد الحداثه في معارضة الحداثه ،ونعيد نشر ه لاهميته
المتآلق

كتاب فلسفة مابعد الحداثة في معارضة الحداثه
عرض: هاشم صالح
فلسفة ما بعد الحداثة لم تعد تؤمن بوجود العقل المطلق، أو الحقيقة المطلقة وانما العقل نسبي، وكذلك الحقيقة. وتدعو هذه الفلسفة الى حل الخلافات عن طريق النقاش والتفاوض. انها تدعو الى بلورة إجماع معين او تضامن كاف من اجل تحاشي انفجار العنف والصدام.
هذا كتاب طموح يستعرض تاريخ الفلسفة والفلاسفة طيلة القرون الأربعة الماضية. ومؤلفه هو جيلبير هوتوا، أحد أهم الاختصاصيين البلجيكيين في تاريخ الفلسفة. وهذا الكتاب موجه الى طلبة الجامعات والدراسات العليا بشكل عام. وذلك لأن مؤلفه استاذ في الجامعة الحرة في بروكسيل. كما أنه كان استاذا زائرا في العديد من الجامعات الاميركية والأوروبية. وهو مؤلف حوالي عشرة كتب تتحدث عن فلسفة اللغة، والاخلاق والعلوم والتكنولوجيا. وفي هذا الكتاب يخصص فصولا عديدة لأهم رموز تاريخ الفلسفة كديكارت، وسبينوزا، ولا يبنتز، وهوبز وبيركلي، ولوك، وفولتير، وديدرو، وروسو، وكانط، وهيغل، وماركس، وأوغست كونت، ونيتشه، وفرويد وعشرات غيرهم. انه بالفعل كتاب جامع مانع يتيح للطالب ان يطلع على الفيلسوف الذي يهمه بكل سهولة. ثم يجد في نهاية كل فصل بعض المراجع الاساسية التي يمكنه ان يستشيرها لتكملة معلوماته أو اذا ما أراد التوسع في الموضوع أكثر. سوف أتوقف طويلا عند الفصل الأخير المخصص لفلاسفة ما بعد الحداثة. وذلك لأن هذا المصطلح لا يزال يثير لغطا كثيرا وسوء تفاهمات على الرغم من كل ما كتب عنه. وكنت قد خصصت له مقالة كاملة هنا على صفحات «الشرق الأوسط« فيما مضى. ولكن هل تكفي مقالة واحدة للاحاطة بتيار فلسفي طويل عريض؟ نقول ذلك وبخاصة انه التيار المهيمن الآن في أوروبا وامريكا. فالجميع يتحدثون عن «ما بعد الحداثة»، ولكن نادرا ان يعرفوا ماذا تعني هذه الكلمة بالضبط. والواقع انه حتى فلاسفة الغرب انفسهم يعطون لهذا المصطلح معاني مختلفة أحيانا، بل ومتناقضة في بعض الاحيان. فكيف يعالج هذا المفكر البلجيكي المسألة؟ وما هو التعريف الذي يعطيه لمصطلح ما بعد الحداثة؟ يرى البروفيسور جيلبير هوتوا ان مصطلح ما بعد الحداثة غامض ويثير الجدل والخلاف. فمثلا نلاحظ ان الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار يعتقد بأن فترة ما بعد الحداثة تعني انهيار الانظمة الفلسفية التي سيطرت على أوروبا منذ القرن الثامن عشر. ويدعوها بالحكايات الكبرى أو الأساطير الكبرى. ففي رأيه ان الليبرالية، والاشتراكية، والفلسفة الهيغلية، والماركسية، وفلسفة التنوير، كلها أنظمة فلسفية وعدت البشرية الأوروبية بالتحرر من الفقر والجهل والقمع والظلم. ولكنها فشلت في نهاية المطاف وانهارت. وبانهيارها انتهت مرحلة الحداثة لكي تبتدىء مرحلة جديدة هي: مرحلة ما بعد الحداثة. فنحن لم نعد نستطيع تصديق أوهام الحداثة أو اساطيرها، وبالتالي فعليها العناء... ويرى ليوتار ايضا ان الحداثة قد حُرِفت عن مسارها الصحيح من قبل المؤسسة التكنولوجية ـ العلمية، ثم من قبل المؤسسة التكنولوجية ـ الرأسمالية. وهي المؤسسة التي تحكم الغرب حالياً، بل وتتحكم بمصير جميع شعوب الأرض بدرجات متفاوتة. نعم لقد انحرفت الحداثة أو حُرِفت عن مسارها الصحيح. وبالتالي فلا بد من الخروج منها والانتقال إلى مرحلة جديدة هي: مرحلة ما بعد الحداثة.
وإذن فإن ما بعد الحداثة تعرف نفسها عن طريق التضاد مع الحداثة. ولكن ما هي الحداثة؟ يرى الباحث البلجيكي ان الحداثة كانت تؤمن بالاشياء التالية: الكونية العقلانية، الإيمان بالعلم والتكنولوجيا، استغلال الطبيعة من قبل الانسان ولأجل الانسان، الثقة بمقدرة الانسان على تحقيق التقدم والسعادة على هذه الأرض من خلال قواه الخاصة وحدها، احتقار الماضي او النظر اليه على انه عبارة عن مراحل تاريخية متتالية هدفها التمهيد للحداثة، الطوباوية والتفاؤل اللامحدود بتقدم البشرية الى ما لا نهاية. هذه هي السمات الرئيسية للحداثة. ولكن فلاسفة ما بعد الحداثة ثاروا عليها لانهم رأوا فيها تفاؤلاً مبالغاً فيه، ولانها لم تتحقق إلا بشكل ناقص، وفي الغرب: الرأسمالي فقط. واما بقية شعوب الأرض فبقيت مستبعدة من نعيم الحداثة. ولذلك فإنهم يحددون ما بعد الحداثة بشكل ايجابي على النحو التالي: التركيز على الخصوصيات الثقافية للشعوب المختلفة وليس فرض الثقافة الأوروبية عليها بصفتها ثقافة كونية.. فالخصوصيات الثقافية تغني البشرية، في حين أن فرض نمط ثقافي واحد عليها يفقرها. فالثقافة اليابانية لها خصوصيتها والثقافية العربية ـ الاسلامية لها خصوصيتها، وقس على ذلك الثقافة الصينية، والهندية، والافريقية، الخ.. فلماذا تريدون ايها السادة ان تلغوا كل هذه الخصوصيات وتفرضوا على جميع الشعوب ثقافة واحدة هي:
الثقافة الاوروبية الاميركية او الغربية؟... هذه هي اول نقطة يركز عليها فلاسفة ما بعد الحداثة.
اما النقطة الثانية او السمة الثانية من سمات ما بعد الحداثة فتتمثل فيما يلي:
كل الثقافات متساوية من حيث القيمة، وليس هناك من ثقافة عليا وثقافة دنيا. وهكذا تتسم فلسفة ما بعد الحداثة بالتسامح والنسبية وعدم الدوغمائية او التعصب الأعمى للنموذج الغربي او الاوروبي. فهو نموذج ثقافي من جملة نماذج اخرى ولا يتمتع بصفة الكونية على عكس ما يزعم أنصار الحداثة.
واما السمة الثالثة من سمات ما بعد الحداثة فهي انها تتخلى عن الحكايات الكبرى، او الاساطير الكبرى المشكلة للحداثة. وهي الاساطير المؤسسة لمشروعية الحضارة الغربية. نذكر من بينها: التاريخ اليهودي ـ المسيحي، الفلسفة الهيغلية الفلسفة الوضعية، الفلسفة التقدمية لعصر التنوير، الاشتراكية، والماركسية، ونظرية التطور، الخ.. كلها كانت تزعم بأنها ستقود البشرية نحو خلاص وحيد ومضمون.. وهكذا نجد ان ما بعد الحداثة تتخلى عن تلك الايديولوجيات الكبرى التي سيطرت على التاريخ الاوروبي اثناء فترة الحداثة. ولكن مدرسة فرانكفورت الجديدة ترفض التخلي عن المثل العليا للحداثة. نضرب على ذلك مثلا أعمال هابر ماس وكارل اوتو آبل. فكلاهما يعتبر نفسه استمرارية لمشروع الحداثة وليس قطيعة معه. وهذا هو سبب الصدام الذي حصل بينهما وبين بعض الفلاسفة الفرنسيين من أمثال ليوتار، ودريدا، وفوكو يضاف إلى ذلك ان فلسفة ما بعد الحداثة تفضل الفكر التعددي، المرن، المتحرك باستمرار، بل وحتى الضعيف، على الفكر القوي، الأحادي الجانب، المنطقي، التقني، المعياري، البرهاني، ان قيم ما بعد الحداثة هي: التسامح، التعددية، الحرية، النزعة المسالمة. ومن الناحية السياسية فإن جماعة ما بعد الحداثة ميالون للديمقراطية، ولفلسفة حقوق الانسان بالمعنى الواسع والكوني. وهم يفضلون الاقتصاد الحر، أي اقتصاد السوق الذي تتوافر فيه كل السلع بوفرة، والذي يُسيَّر بطريقة براغماتية.
كما ان فلسفة ما بعد الحداثة لم تعد تؤمن بوجود العقل المطلق، او الحقيقة المطلقة وانما العقل نسبي، وكذلك الحقيقة. وتدعو هذه الفلسفة الى حل الخلافات عن طريق النقاش والتفاوض. انها تدعو الى بلورة إجماع معين او تضامن كاف من اجل تحاشي انفجار العنف والصدام. ولكن الاجماع هو دائماً مؤقت، فبعد فترة تطول أو تقصر تظهر فيه حتماً تفسخات وشقوق او تصدعات، وبالتالي فلا بد من خوض النقاش والتفاوض من جديد من اجل التوصل الى اجماع جديد، وهكذا دواليك. والواقع ان الخلافات او الانشقاقات الداخلية محتومة، بل ومدعاة للخصوبة والغنى بشرط ان نعرف كيف نسيّرها بطريقة سلمية. واما الاجماع العقلاني ذو الهدف الكوني الذي يؤمن به هابرماس فهو ليس إلا اسطورة من اساطير الحدثية كما يقول ليوتار. ومعلوم ان هابرماس يعتبر هذا الاجماع بمثابة الضرورة المؤسَّسة على العقل او في جوهر اللغة التواصلية والحوارية.
هناك سمة اخيرة لما بعد الحداثة هي انها لا تؤمن بالعقل الكوني، ولا ان هذا العقل خاص بالغرب او حكر عليه. ففي رأيها ان العقل الغربي هو عقل خصوصي مرتبط بظروف محلية اوروبية، وليس له من الكونية إلا المزاعم. وبالتالي فلا ينبغي ان يخدعنا الغرب ببهرجته، او ان يدهشنا بعنجهيته. فهو أحد النماذج البشرية وليس كل النماذج. انه نموذج ثقافي من جملة نماذج اخرى موجودة في العالم ولكننا نعلم ان الحداثة الغربية كانت تعتبر نفسها كونية، وانه ينبغي تعميمها على جميع شعوب الأرض.
لقد تعرضت فلسفة ما بعد الحداثة لانتقادات واعتراضات عديدة آتية من جهة اتباع الحداثة، ثم من جهة المحافظين الذين لم يؤمنوا بالحداثة في أي يوم من الايام. هذا يعني ان العقلاني التقدمي يهاجم ما بعد الحداثة بحجة انها تريد تقويض او تدمير مكتسبات الحداثة. واما الاصولي المتزمت فيهاجمها لأنه يرى فيها استمرارية لروح الحداثة الشيطانية. ومن اهم الانتقادات التي وجهت الى ما بعد الحداثة هو انعدام المعايير الواضحة او القاطعة فيها، فهي لا تفضل أي شيء على أي شيء، وانما تقول بأن جميع الثقافات تتساوى ولا أحد أفضل من أحد. وانعدام المعايير او المقاييس يؤدي الى العدمية، فالنسبية، فالضياع.. يضاف الى ذلك ان عقلية ما بعد الحداثة خاصة بالمجتمعات الغنية المتقدمة. وهي عقلية لا تؤمن بقيم اخرى غير قيم الاستهلاك، والمتعة, واللذة. فالحياة ليس لها أي معنى آخر.. ثم ان تخلي فلسفة ما بعد الحداثة عن أي معيار كوني يعني التخلي عما يجمع بين شعوب البشرية المختلفة. صحيح انه توجد خصوصيات مختلفة، ولكن هناك جوامع مشتركة او كونية تجمع بين مختلف الثقافات البشرية. فالانسان واحد في نهاية المطاف. ان ما بعد الحداثة تتميز بالسهولة والعيش على المكتسبات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية العلمية للحداثة. وهي في ذات الوقت تريد تفكيك الحداثة او انحلالها، وهذا شيء خطير، بل وانتحاري بالنسبة للبشرية. فلا ينبغي ان نضحي بالمكتسبات العظيمة للحداثة. فهي نتاج جهود اجيال عديدة من البشر على مدار اربعة قرون من الزمن. يضاف الى ذلك ان نموذج ما بعد الحداثة هو المجتع الامبركي الذي يميل الى فرض صيغته على جميع شعوب الارض. وهذا أمر غير مقبول لأنه يؤدي الى النمطية وتحويل كل المجتمعات البشرية الى نسخ متشابهة عن النموذج الاصلي. ولا تزال المعركة مفتوحة بين الحداثة/ وما بعد الحداثة.
نقلا عن الكاتب هاشم صالح
المصدر : صحيفة الشرق الاوسط
http://www.asharqalawsat.com/details...=10424&article

المصدر: منتدى شبكة الصريحة الثقافية

 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 971216 :: Aujourd'hui : 74 :: En ligne : 7