البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-09-18
حوار مع الفقيد المفكر فتحي عثمان

yyy



الأستاذ الدكتور فتحي عثمان علمٌ من أعلام الفكر العربي والإسلامي المعاصر الذين أسهموا مبكراً وبشكلٍ جديٍ في معالجة إشكاليات الفكر التقليدي الذي يقف عند مراحل معينة في التاريخ ، وتحليل ودراسة ما نتج عن ذلك الفكر من تطبيقات عملية وحركية على أرض الواقع . وقد مكّنته خلفيته العلمية الموسوعية - من الآداب إلى العلوم السياسية مرورا بالحقوق - وتجربته العملية الواسعة في مجالات التدريس والتأليف والصحافة ، وصلاته الممتدة بكثير من العاملين على أرض الواقع ، من طرح رؤية متميزة في كثير من المجالات . وقد تفضل مشكورا ببذل وقتٍ مقدر في هذا اللقاء الثري مع الرشاد ، والذي ننشره على جزئين . كما تفضل بالسماح لنا بأن ننشر مجموعة من كتاباته غير المنشورة في الأعداد القادمة بإذن الله .

- الرشاد : نبدأ بالماضي محاولين ربطه بالحاضر . منذ أكثر من عشرين عاما كتبتم هذه الكلمات : "لقد شبع الناس منا كلاما عن واقعية الإسلام وعن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان نظرا لمكانة الاجتهاد في شريعته . ولكن هذا الاجتهاد مظلوم بيننا : إما ألا يمارس على الإطلاق ، وإما أن يمارس في سطحية مروعة .." اليوم ، وبعد كل هذه الأعوام ، وبعيدا عن الشعارات واللافتات ، هل ما نزال في نفس ذلك الموقع ، أم أننا تقدمنا بضع مراحل على الطريق ؟ وفي كلتا الحالتين : ما تحليلكم لأسباب المراوحة أو التقدم ؟

- الدكتور فتحي : أحب في البداية أن أعبر عن سروري من هذه الأسئلة ، وما يبشرني أكثر أنها تُثار من الشباب لأنهم يمثلون المستقبل ، ولأن هذا ربما يدل على أنهم خرجوا من قوقعة الأفكار والحركات التي بدأت منذ نصف قرن أو أكثر .. وما تزال تحتكر الساحة بحيث أن الأجيال الجديدة ما هي إلا تنويعات على نفس اللحن . وما لم يوجد تغيير كيفي وليس كميّ في الفكر الإسلامي ، تغيير في المضمون والنوع وليس فقط في الشكل والدرجة ، فإنني أعتقد أننا نسير في طريق مسدود.

إن مقارنة العالم الآن بالعالم كما كان منذ خمسين أو سبعين عاما تُظهر أنه تغير تغيراً نوعيا وكيفيا هائلا في جميع المجالات . وعلى وجه الخصوص فإن الحواجز التي كانت قائمةً يومها كانت توحي لبعض الناس أنهم يستطيعون العيش وحدهم ، كما عاشت الصين القديمة مدة طويلة ، حتى لما جاءها الأسطول البريطاني قال أهلها : من هم هؤلاء البرابرة الذين أتوا يهاجمون شنغهاي ؟ ولقد ظن كثيرٌ من المسلمين أنه يمكن أن توجد صينٌ أخرى هي العالم الإسلامي ، يشكّلونه ليس فقط بالمثل والقيم التي يريدون ، لأن القيم والمثل لا تتغير كثيرا ، وإنما أيضا بتطبيقات الماضي وأفهامه وأساليبه . بل إن البعض ما يزال يعيد ويكرر حتى نفس المصطلحات والكلمات ، وتثور عندهم معركة طويلة حول الحاجة إلى المصطلح الجديد ، لأن كل المصطلحات القديمة فيها الكفاية والاستغناء عن كل جديد .

إن الاجتهاد اليوم يُمارس أحيانا من حيث الدرجة والجزئيات ، ولا يمارس من حيث كونه اتجاها عاما في فهم مشكلات عالم اليوم . فمثلا تُثار قضايا جزئية مثل بعض أعمال البنوك ، وبعض أعمال شركات التأمين ، وسندات الاستثمار وغيرها .. وتصدر الفتاوى في بعض هذه الجزئيات . ثم تحدث ضجة لا تتناسب مع الكيفية ولا حتى الدرجة أو الكمية للجزئية المطروحة . وفي نظري أن هذا لا يمثل علامة صحة ، لأنه طالما أننا لا ندرك الطريق العام أو المجرى الواسع الأصلي للتعامل مع هذه الأمور ، فإننا سنضيع تماما في الحواري والأزقة الفرعية . وفي اعتقادي أن الأمر أكبر من البحث في الجزئيات ، وربما نشبهه - مع الفارق - بخروج المسلمين من مجتمع المدينة المنورة والجزيرة العربية إلى العالم الواسع ، حين واجه أمثال أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ذلك التغيير النوعي الهائل ، فتعاملوا معه بمنهج رائع ، حتى نتج في حياة فرد واحد هو الشافعي مذهبان مختلفان في بيئتين قد يكونا من ناحية البنية التحتية الاقتصادية متشابهتين (زراعة - نهر كبير ..) . لقد رأى أسلافنا واقعا مغايرا لمجتمعات مكة والمدينة ، فتعاملوا معه بمناهج جديدة ، إما عن طريق القياس والاستحسان في المذهب الحنفي ، أو عن طريق المصالح ومقاصد الشريعة في المذهب المالكي ، أو عن طريق الاستصحاب عند الحنابلة والظاهرية ، وما إلى ذلك .

فأنا أعتقد أن المسلمين الآن يواجهون مثل ذلك التغيير الهائل ومثل تلك النقلة البعيدة ، وليس هذا فقط في البنية الاقتصادية والتكنولوجية ، بل وأيضا في النواحي الفكرية ، فقد قفزت إلى السطح علوم ودراسات مثل المستقبليات وإدارة الأزمات وغيرها . وبينما كان أستاذ الجامعة يُدرِّسُ نفس الكتاب حتى يتقاعد ، أصبح الآن يستعمل كتابا جديدا عن موضوع البحث في كل فصل دراسي . وواجبنا أن نواجه هذا التغيير الكيفي بنفس المنهج الذي وطّأهُ أسلافنا ، وبنفس الجرأة والشجاعة التي تحلوا بها وهم يواجهون الجديد . وقد نتفق معهم في بعض الجزئيات التي نرى أنها لا تزال مناسبة لزماننا ، ولكن الأصل لدينا يجب أن يكون هو فهم الواقع وما يحتاجه من تغيير في مناهج البحث . إن من الضروري جدا أن نُقبِل بكل قوة وأصالة على دراسة الواقع ، لأن الواقع هو الذي يكيف الاستجابة وليس العكس . إن الفقه مبني على واقع يواجه مشكلاته ، ومن الطبيعي أنه لا يمكن لفكرٍ أو لفهمٍ مبنيٍ على واقع معين أن يُعالج واقعا آخر مختلفا عنه أشد الاختلاف .

وأضرب مثلا على المتغيرات مثلا من ناحية وضع الرجل والمرأة ومسألة عمل المرأة في المجتمع . ففي هذا المجال لا يكفي أن نقول أن الإسلام يفترض أن الرجل هو الذي يعول الأسرة . فقد أصبح هذا غير ممكن الآن نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية في أغلب البلدان .. وأصبحت المرأة مطالبة بالعمل كواجب عليها وكحق لها . واجبٌ بالنسبة للأمة ، وحق لها ينمي شخصيتها حتى بغض النظر عن الكسب المادي . ورغم ذلك فإن موردا واحدا لم يعد يكفي في معظم الأحوال ، وأصبح لابد من تعاون الرجل والمرأة، وترتب على ذلك ضرورة النظر في مسائل تربية الأطفال والحضانات وما إليها من أمور نظرة أخرى .. كل هذا ليس فقط من باب عموم البلوى بحيث أنه شيء طارئ وسينتهي ، وإنما من باب أنه أصبح هناك تغير جذري في بنية المجتمع . ومع مثل هذا التغير يصبح القول بأننا نريد العودة للإسلام ، وتطبيق مبدأ أن المرأة في الإسلام لا تعمل ، يصبح ذلك نوعا من الصدّ عن سبيل الله، لأن قائل ذلك يطلب - ضمنيا - أن تكون الأسرة المسلمة في وضعٍ تستحيلُ معه الحياة مع مبادئ الإسلام وقيمه كما يفهمها ، أو أن نستعيض عن الإسلام بمبادئ وقيم أخرى يُمكن معها استمرار الحياة .

وفي مجال آخر نجد كيف يدور النقاش في مسألة الفائدة . وبعيدا عن الإفتاء في هذه القضية ، نرى كيف تمّ ويتم استخدام عقد المرابحة الذي اكتشفه البعض عند الفقهاء بديلا للفائدة .. ولم يجرِ بحثٌ في مسائلَ ذات علاقة وثيقة بالموضوع مثل الإشكاليات التي تنتج عن التضخم أو عن تغير القوة الشرائية للنقد أو المبالغ التي تُدفع كَسِمةٍ مقابل الخطر في النقل وغير ذلك ، وكيف يمكن حماية حقوق جميع الأطراف وسط هذه المتغيرات التي تُسقط كلها وتبقى مسألة أن البنوك الأخرى تُقرض تحت قانون الفائدة ، فيصبح البحث عن الطريقة التي نستطيع عبرها أن نحقق لزبائننا نفس الميزة بواسطة التنقيب في كتب الفقه القديمة حتى نصل إلى جزئيةٍ شبيهةٍ يُمكن أن نُخرِّج عليها نوعا من المعاملات ، ونكون حللنا بذلك كل المشاكل .

إنني أعتقد أن هذه العقلية تمثل عقبة في وجه عملية الاجتهاد الأصيلة . فبهذا الشكل سيظل اجتهادنا في نطاق الجزئيات أو في نطاق الألفاظ ، بحيث يكون كل هدفنا التنقيب في القديم عن شيء نضعه عنوانا لشيء جديد ، وهذا سيقودنا إلى طريق مسدود لأن المتغيرات لا تنتهي ، ومن المستحيل محاولة مواكبتها بتلك الطريقة . والحل هو أن نعيد اكتشاف الدينامية الرائعة التي انبثقت عن الفكر الإسلامي ، والتي تمثلها سلفنا من الفقهاء المجددين، لنستخدمها في إنتاج شيء آخر يناسب هذا العصر وهذا الزمان .

- الرشاد : مرة أخرى نعود إلى كلماتكم في الماضي ، ولكن بشأن العلاقة بين "الفكر" و "الحركة" هذه المرة ، قلتم يومها : "يحتاج [الإسلام] لرفع المتناقضات بين (الفكر) و (الحركة) ، إذ أصبح الفكر (تيها) بين أكداس المصنفات والآراء والكلمات لا يتبين معه نقطة بدء ولا اتجاه سير . وأصبحت الحركة سذاجة وسطحية واعتسافا في الفهم والعمل دون محاولة للتعرف المنهجي الأساسي على الفكرة أو على الواقع .." والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا المجال بعد كل التجارب التي شهدها عالمنا الإسلامي في العقدين الماضيين : لماذا لم يأخذ (الفكر ) حتى أيامنا هذه دوره المنتظر وموقعه المطلوب ؟ لماذا لا يعود (العلم) ليكون إماما (للعمل) كما رفع علماؤنا الشعار في زمان سحيق ؟

- الدكتور فتحي : في الحقيقة ، أعتقد أن المشكلة الأساسية في هذا المجال أن الحركة لم تعد (حركةً) بالمعنى المنهجي المُفترض لتلك الكلمة . إن الحركة تفترض دائما بطبيعتها التغيير والتحرك ، بينما الواقع أن الحركة جمدت في إطارات تاريخية مشكورة لاجتهادات السابقين مثل حسن البنا أو الأفغاني أو المودودي .. وفي حين أن كونها حركة كان يقتضي أن تواصل مواجهة المتغيرات والمتجددات ، باتت الكتابات التي صدرت من خمسين أو سبعين سنة تُعاملُ كأنها تنزيلٌ من التنزيل لا ينبغي أن يتغير . لقد رأيتُ حوارا قريباً في جريدة إسلامية لأحد قادة الحركة وكان يرجع باستمرار إلى كتب مؤسس تلك الحركة وكأن ما فيها يصلح لمواجهة واقعنا اليوم بكل متغيراته ، حتى أن من يحاوره تساءل عن سبب عدم استشهاده بالكتاب والسنة بنفس الدرجة .. المهم .. دعنا ننظر إلى ما يحدث في العالم لأنه ليس كل ما يفعله الآخرون سيئ كونهم غير مسلمين . خذ مثلا الأحزاب السياسية التي تُصدر كل فترة بياناً (مانيفيستو) يبين التغيرات والتحولات في برامجها واتجاهات أعضائها ، فترى بعض أهل اليسار يتحركون إلى الوسط ، وكذلك بعض أهل اليمين ، وهناك أجنحة في كل اتجاه ، مثل يمين الوسط أو يسار الوسط أو يمين اليسار . ونحن نتحدث عن تغيرات تحدث كل ثلاث أو أربع سنوات وليس كل سبعين سنة.. بينما جمدت الحركة عندنا عند رموزها الأولى ، بل عند سوابقهم العملية ، وليس فقط عند تراثهم الفكري . ففلانٌ كان يفعل كذا عندما حدث كذا ، وواجه الموقف الفلاني بالتصرف الفلاني ..

وقد يتساءل البعض ، ألم تكن هذه الحركات أصلا حركات تجديد . وجوابا على هذا أقول أنه من الصحيح أن هذه الحركات كانت فيها تجديدات جزئية بالنسبة للقديم الموجود حينذاك ، إلا أن هذه الحركات إنما كان هدفها مخاطبة قطاع عريض من المسلمين وإحياء الثقة في نفس الجماهير بالإسلام ، ولم تتجه إلى قطاع متعمقٍ رأسيٍ في الفكر نفسه من حيث تجديد وتغيير أصوله وقواعده الرئيسة المنهجية ولا حتى المعطيات الناتجة عن تلك القواعد . بل على العكس اجتهدوا أن لا يصدموا واقع عصرهم في الجزئيات الفقهية والفكرية . ولذلك - ربما - حصلت قطيعة بين المفكرين والجماهيريين منذ ذلك الزمان ، إضافة إلى عوامل أخرى مثل أن يكون بعض أهل الفكر متأثرين بالتأثير الغربي العلماني وقد رأوا في مثل هذه الحركات محافظةً أكثر من اللازم، أو أن يعود ذلك إلى نزعة بعض المفكرين إلى عدم احترام الجماهير ، وهي نزعةٌ غير صحيةٍ إطلاقا ولكن من الواجب الاعتراف بأنها كانت موجودة نتيجة ظروف ثقافية وسياسية عديدة ، وعلى رأسها الصفوية الثقافية التي حدثت نتيجة قدرة أقلية من أبناء الأمة على نفقات التعليم أو السفر للدراسة العالية وغير ذلك . وأذكر مثلا بالنسبة للإخوان المسلمين في مصر أنه كان يعاصرهم مفكرون كتبوا عن الإسلام مثل أحمد أمين وعبد الرزاق السنهوري ، إلا أن العلاقة بين الطرفين كانت ميتة ، بل ربما فيها قدر من عدم التقدير والاحترام.

والشاهد أن الانفصال قديم بين أهل الفكر والحركة ، وهو لا يزال مستمرا فيما يبدو . لأن الذين يعنون بالتعمق والدراسة يرون في هذه الحركات سطحيةً أكثر من اللازم ، ويرون أن الأمر يحتاج إلى تغيير جوهري في الفهم والفكر .. والذين يسيرون في طريق الحركة يرون في أولئك انفصالا عن الواقع وسكوناً وهدوءاً زائدين ، ويرون في دعاوي أولئك أعذاراً للقعود وعدم مواجهة المتغيرات والمظالم والهموم . لاسيما أن كثيرا من الحركات ترى أن عندها اكتفاءً ذاتيا كاملا ، وأن عندها من المثقفين الكثير فهي لا تريد أمثال أولئك وليست بحاجة إليهم .

وللأسف فإن اعتقادي أن هذه الحركات بقدر ما أفادت ، بقدر ما بدّدت طاقاتٍ كبرى من الشباب المثقف في متاهات التحرك الجزئي الذي لا يأتي بشيء ، سوى المراوحة في المكان والزيادة في الخسائر . وما يزيد في تعقيد الإشكالية موضوع التحرك ضد الحكومات وسياسات المجابهة وما أملته من اضطهادات واختفاءات واحتياطات بحيث أصبح الفكر الطليق الحر مستحيلا عليهم لأنهم باستمرار مُطارِدين أو مُطارَدين . فمن يقرأ ويكتب ويفكر لا يجد له مكانا مع هؤلاء ، وهؤلاء لا يجدون وقتا حتى يراجعوا أنفسهم أو مناهجهم. فالشاهد أنه إلى الآن لم يحدث نوع من التلاقي أو الحوار الجدي بين الفكر والحركة . ورغم ذلك فإن من الممكن أن يبدأ مثل هذا التلاقي إذا وُجدت أرضية محايدة ، ووُجد أناس عندهم القدرة على إنشاء مثل هذا الحوار ويتمتعون بثقة الطرفين ..

وبشكل عام فأنا متشائمٌ بالنسبة للنتائج القريبة إلى أن تتاح الديمقراطية للبلاد العربية وللإسلاميين عموما ، لأن كثيرا من الحركيين التقليديين - ولو كانوا مومياءاتٍ محنطة - فإنهم مفروضون على الواقع العربي والإسلامي ، فلا بد من التعامل معهم بقدر حتى تأتي الديمقراطية وتنفتح الأبواب . وعندها ربما تحدث فوضى فكرية ، لكن ما يأتي بعد ذلك سيكون تجديدا واستقرارا على ما هو أفضل من وضعنا الحالي . وكلامي هذا له علاقة بالحركات التقليدية ، أما التحرك الجديد في العالم الإسلامي فإنه سيكون قطعا ملتحماً بالفكر ، وسينبُتُ نتيجة فكر ، شأن كل الحركات في التاريخ والعالم. فامتداد الإسلام جاء بعد القرآن ، والثورة الفرنسية حدثت بتأثير المفكرين ، والثورة الروسية حدثت بعدما ظل لينين يتسكع في المنفى من مكان إلى مكان ليصدر جريدته (اكسترا) .. وهكذا شأن كل حركة في الدنيا تأتي بعد فكر ، ولكن هذا يحدث حين تتاح الحرية والديمقراطية . ولذلك فإنني أرى شخصيا أن الديمقراطية يجب أن تكون مطلبا أساسيا للإسلاميين ، لأنه لا تغيير في الواقع الراكد الموجود حاليا في البلاد العربية والإسلامية من ناحية الفكر الإسلامي إلا بتغيير ديمقراطي يوفر الحرية الحقيقية لكل الناس .

- الرشاد : استطرادا لسؤالنا السابق : يكثر الجدل بين المثقفين العرب والمسلمين اليوم حول مصدر المسؤولية عن المأزق الراهن الذي يمسك بخناق المنطقة على جميع المستويات . فالبعض يتهم السقف الثقافي والفكري ، والآخرون يشيرون بأصابع الاتهام إلى (الحالة) السياسية السائدة . والسؤال هنا : أيهما يسبق الآخر في مثل هذا العصر الذي تعملقت فيه الثقافة وتغولت الدولة : هل تسبق الخلفية الثقافية الواقع السياسي ، بحيث تؤثر فيه وتصيغه ، أم أنها تبعٌ له ؟ وما هي طبيعة العلاقة الجدلية بين الأمرين ؟ وأتجرأ فأسأل سؤالا أعلم أنه بحجم التجربة البشرية : ما المخرج من مأزق تلك الجدلية ؟

- الدكتور فتحي : الهدي المأخوذ من كل التجارب البشرية أن الفكر يسبق الحركة ، وأن الفكر يعلو ويتجاوز الواقع السياسي . قد لا تبدأ ملحمة التغيير إلا بعد أن يتجذّر الفكر وتكون له قاعدة عريضة ، ولكن حتى يتجذر وتكون له هوية خاصة تجعله يتلمس طريقه ويسير على هدىً لابد من وجود الفكر أولا . لقد خلق الله الإنسان وميّزه بعقله ، والعقل لابد أن يسبق أي تحرك ، فالتحرك العشوائي لن يوصل إلى نتيجة على الإطلاق .

وبمناسبة الحديث عن (طغيان) الحالة السياسية عندنا ، أحب أن أذكر هنا أن من الإشكاليات الكبرى عند كثير من الإسلاميين أنفسهم أن بنيتهم الداخلية غير ديمقراطية أيضا وتتميز غالبا بالطغيان . إن مشكلة الحركات الإسلامية في رأيي ليست فقط في وجود جهاز سري أو غير ذلك ، وإنما في عدم احترام الرأي الآخر في داخل الحركة نفسها فضلا عن الآخر في خارج الحركة . وأنا أعتقد أن مثل هذه الحركات هي امتدادٌ لما يسمى بالصوفية العسكرية في تاريخنا . فالتصوف يجمع الناس على طاعة الشيخ ، والعسكرية تجمعهم على الطاعة للقائد . وعندما وُجدت حركات تأثرت بالتاريخ الصوفي وبالدورات العسكرية ، جمع القائد الطاعة من الاتجاهين ، وأعتقد أن المرحوم حسن البنا قالها صراحة في القواعد العشرة في رسالة التعاليم ، أن العلاقة هي علاقة الجندي بالقائد والمريد بالشيخ والتلميذ بالمعلم .. وأنا أتكلم هنا عن التجربة المصرية ولا أحكم على التجارب الأخرى ..

ومادامت المسألة مسألة أمرٍ وطاعة فيستوي أمر الديكتاتور وأمر قائد الحركة . ومن هنا لم يكن الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر في مصر - في رأيي - بسبب ديكتاتورية عبد الناصر وظلمه وعسفه ، بقدر ما كان بسبب بعده عن الإسلام ، ولو كان عبد الناصر قريبا من الإسلام في صورة من الصور ، لكان هذا كافيا لتجنب الصدام ولو كان ذلك القرب من الإسلام بنفس الطريقة ، أي عن طريق العنف والكبت والقهر بداعي المصلحة العامة . وقد كانت هذه حجة أعداء الهضيبي أصلا ، ممن كان يقول أنه يعرف عبد الناصر وخلفيته وحقيقة أهدافه ، وأن كل ما كان يفعله هو مقدمات لتطبيق الإسلام.

- الرشاد : إذا أخذنا مثالا واحدا محددا على بعض المعاني الواردة في الكلام السابق : اطلعت منذ فترة على العدد الأخير من تقرير (الأمة في عام) الذي تشرف على تحريره نخبة متميزة من مثقفي الأمة ، ورغم الجهد المشكور خرجت بملاحظتين ربما تحتاجان إلى حوار وتفكير . الأولى هي تناقص (جرعة) (نقد الذات) والتحليل للإشكاليات الداخلية على المستويات الفكرية والاجتماعية والتربوية ، وزيادة (جرعة) الاتهامية (للآخر) على جميع المستويات ، فضلا عن الشكوى من مؤامراته وخططه وأعماله ، وكأننا نتوقع من ذلك الآخر غير ذلك . والثاني هو الافتقار إلى العمق البحثي المباشر في معظم الأوراق ، والاكتفاء ببعض الإحصاءات والأرقام المعلنة والمنشورة في بعض الدراسات أو الدوريات . ما هي برأيكم دلالات مثل هذه الظواهر وأسبابها إن صح التحليل السابق ؟ وهل بلغ ضغط (الحالة) السياسية حدا ليس أمام المثقفين إزاءه خيار آخر كما يقول البعض ؟

- الدكتور فتحي : أنا أتفق مع ملاحظاتك بشكل كامل ، وأعتقد أنه يوجد هناك استثناء واحد فيما يخص عملية نقد الذات ، وهو ما قامت به الحركة التونسية منذ سنوات ، ورغم ذلك ، ورغم كل ما أُكنّه من تقديرٍ للأخ راشد، فإنني أخشى من عنف المواجهة في ذلك البلد أن يجرف البعض إلى ما يسمى بنتائج سيكولوجية المواجهة . وكذلك فإن الصلة القديمة مع الحركة السودانية ربما تطرح بعض المبررات للتغاضي عن خرق بعض حقوق الإنسان في سبيل العقبات التي يواجهونها ، وكذلك بالنسبة للموقف من مهاجمة العراق للكويت حيث كان الحديث عن عودة الصليبيين وما إليه .. فكأن المشكلة عامة . ولعل هذا الأمر يُمثّلُ مشكلةً في بنيتنا الثقافية قادةً وجماهير، تتمثل في الدور الخطير الذي يلعبه العنصر العاطفي في حكمنا على الأمور وتعاملنا مع الشعارات . ففي مثل مسألة الوجود العالمي في الكويت ، ليس عندي مانع من احتمال أن يكون هؤلاء مثل الصليبيين أو أسوأ منهم ، ولكن على أن يكون ذلك التفكير ناتجا عن دراسة وبحث وتعمق ، وليس فقط عن عاطفة وحماس .

والمشكلة أن النقد الذاتي غير موجود عندنا كأمة وليس فقط كحركات . ففي تاريخنا مثلا يتعجب المرء كيف نُقوِّم تجاربنا وتطورنا السياسي . والغريب أنه حتى لو كان الشخص الذي يقوم بهذا العمل متخصصا في علوم كالاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة ، فإنه عندما يصل إلى هذا الأمر - أي معالجة تاريخنا - يصبح وكأنه (ركبه عفريت) كما يقولون في العامية الدارجة ، ويتحول إلى شخص آخر ليعالج الموضوع بنفس الطريقة التقليدية التي تنقسم بين الذم أو المدح أو السكوت .. ولا تجد دراسات تبحث كيف كانت النقلة لأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية للتحول من دولة المدينة (city-state) إلى الدولة القطرية (country-state) ثم إلى الدولة العالمية (universal-state) وكيف قامت حركة الموالي أو العصبة العربية في وسط الأمويين لإنقاذ نظام الحكم لأنه إذا لم يكن هناك عترة أو عصبية كما قال ابن خلدون فإن الدولة تكون عرضة للانهيار . ولا تجد دراسات عن ظاهرة الردة من ناحية أسبابها الاجتماعية والاقتصادية ثم من ناحية آثارها ونتائجها على المستوى البعيد .

وحيث أن البدء ببحث الأشياء العامة يُقلّلُ - عادةً - الحساسيات ، فربما كان من المناسب أن تبدأ عملية النقد الذاتي من تاريخنا ، لنخرج من الثنائيات التي ترى تاريخنا من طرفٍ على أنه تاريخ الهمجية والتأخر ، ومن طرف آخر على أنه تاريخ الفخر والعظمة الكامل .. وللأسف فإنه لم يوجد لدينا غير ابن خلدون الذي قال أن تاريخنا إن هو إلا تجربة إنسانية ، وأن ما جرى فيها حوادث بشرية تُبحث بمقاييس بشرية ، كما قال قولته الفذة التي لم تترك - للأسف - أثرا في الفكر الإسلامي (ولا يتعارض الأمر الشرعي مع الأمر الوجودي) وأن السنة الكونية لا تتعارض مع تعاليم الشريعة .

والمشكلة أن البعض يرتاح إلى اتهام الغير ليضع عليهم عبء كل مشكلاتنا التاريخية والمعاصرة ، فحتى حركة الاستكشافات الجغرافية كانت عند البعض لتطويق المسلمين وأخذ طرق التجارة منهم . ومادمنا نُطارَدُ من أيام (فاسكو دي غاما) إلى اليوم حيث يقدم لنا (هنتينجتون) نظرية صراع الحضارات فإن كل المشكلة هي في الآخَر وليست فينا عند كثير من الناس ..

لقد ذهبت صيحة ابن خلدون ومن بعده صيحة مالك بن نبي الذي تحدث عن القابلية للاستعمار ، وأصبح معظم جهدنا ينصبُّ على إيجاد الأعذار والتبريرات لتقصيرنا ولتخلفنا المريع في جميع المجالات . وقد انفجرتُ في وجه أحد قادة الحركات عندما أعاد الحديث في أحد المؤتمرات عما فعله عبد الناصر من تعذيب وغير ذلك ، مما اتفق عليه الأصدقاء والأعداء، وطالبتُ بأن ننتقل خطوة إلى الأمام .. ويبدو أن عنصر النقد الذاتي مفقودٌ ابتداء في تربيتنا حتى في الأسر مع الأب والأم ، ثم إلى دوائر المجتمع الأخرى ومنها الحركات الإسلامية التي أصبح لديها (بارانويا) وجزع عميق من كل نقد أو نصيحة . فأصبحت تقابلُ مثل هذه الأمور برد فعل عنيف غالبا ما يكون أكبر من حجم المعارضة وأكبر من حجم الاختلاف ..

إزاء كل هذا لابد من بدء عملية النقد الذاتي التي تنبثق من الثقة بالنفس ، وتكون عبر الحكمة والموعظة الحسنة ، وتتصف بالموضوعية والدراسة المبنية على الفكر والبحث ، لكي تتوفر شروط الصحة النفسية والفكرية داخل أجوائنا بشكل عام ، لأن هذا هو طريق تغيير الواقع ، وبدونه ليس لدينا كبير أمل في حدوث تقدم في أي مجال من المجالات .

- الرشاد : سننتقل بعد قليل من هموم شرق العالم إلى هموم غربه ، ولكن كسؤال انتقالي : مع ثورة الاتصالات العالمية الراهنة ، ومع تزايد الهجرات البشرية في جميع الاتجاهات ، ومع ترسخ فكرة "القرية العالمية" التي تعيش فيها البشرية اليوم ، يتساءل الكثيرون عن مصدر وجِهةِ "التغيير" ، المرتقب عند البعض ، والمحتمل عند البعض الآخر ، والذي يمكن أن يكون عنوانه الأساسي "الإسلام" . هل يأتي من "الشرق" أم من "الغرب" . لقد قال الأستاذ الغنوشي - مازحا - في أحد اللقاءات: وما يدريكم ، لعل الشمس تشرق من المغرب .. برأيكم : هل لمثل هذا التحديد والتقسيم بقيةٌ من جدية في عالم اليوم ؟ واستطرادا : ما هي رؤيتكم لطبيعة الأدوار والوظائف التي يمكن أن يقوم بها (المهتمون) في كل من الشرق والغرب على طريق ذلك التغيير؟

- الدكتور فتحي : من المؤكد أنه بدون استعداد الناس للتغيير في بلادنا فإن تغييرا لا يمكن أن يحدث . ورغم ذلك فإن التفكير الذي لا يأخذ في حسابه السياسات العالمية هو تفكيٌر قاصر بكل قياس . والمشكلة أن إثارة موضوع القوى الغربية وطبيعة الوضع العالمي يمكن أن يجعلك أمام أحد اتهامين : فإما أنك غربي الهوى والقناعة ، أو أنك أصبحت غير مؤمن وأصبحت تعتقد أن هؤلاء أصبحوا الآلهة الجدد الذين يحكمون الكون .. وقد طرح لي أحد الإيرانيين مرة تصوراً تكتسحُ فيه الثورة الإسلامية المنطقة العربية ، وعندما خرجَتْ من فمي كلمة أن الجغرافيا-السياسية (الجيوبوليتكس) للعالم كله لا يمكن أن تسمح بهذا ، قال لي : وهل الجيوبوليتكس إلهٌ جديد ، ولولا أنني أعرف أنك مؤمن بالله .. وتحولت المسألة إلى كوني مؤمن أم كافر ..

فالبعد العالمي له تأثيره الخطير ، ولو أحسن المسلمون في الولايات المتحدة مثلا القيام بدورهم واتصلوا بالحركات الفكرية وراء صانعي القرار السياسي الذين تشغلهم مصالح ومراكز قوى كثيرة ومتداخلة ، ليبلوروا تفكيرا إسلاميا بديلا ، ويقنعوهم أن هناك مجموعات إسلامية تمتلك تفكيرا مخالفا للتفكير الذي يُعتقد أنه السائد فضلا عن إساءة فهمه ، فربما يكون هذا أحد وسائل التغيير وإفساح المجال لمثل تلك الحركات للعمل بحرية في السياسة والاقتصاد وغير ذلك ..

قد يقول قائل أن الغرب يفضل وجود حركات لها تفكير معين وطريقة معينة في العمل لتبرير ضرب المسلمين باستمرار ، وأوافق على هذا بالنسبة لصاحب القرار السياسي المصلحي على المدى القصير . ولذلك فإن المطلوب هو محاورة العقول التي تقبع وراء صناعة القرار السياسي المباشر . ولكن المشكلة في هذا المجال أن مثل هذا الخطاب يجب أن يعتمد على مؤسسات وينطلق منها ، ولا يكون منطلقا من أفراد ومعتمدا عليهم ، فالفرد في هذه المنظومة الحضارية يجب أن يمثل شريحةً ما أو قاعدة معينة من البشر حتى يستطيع البدء بأي حوار على هذه المستويات . ولذلك فلا بد من قاعدة مؤسسية لمثل هذا العمل لأن الناس والهيئات تحترم المؤسسات . وعندما توجد مثل هذه القاعدة المؤسسية فإن الكثيرين سيلتفون حولها مع الأيام ممن يقضون أوقاتهم - بغير قناعة - في نشاطات أخرى أقل فعالية لأنهم أفراد ويحتاجون لمجموعة بشرية يلتفون حولها حفاظا على الدين والهوية ..

ومن ميزات الولايات المتحدة أن الوجود الإسلامي فيها يغلب عليه أن يكون من أهل الطبقات المتوسطة التي تمتلك نصيبا لا بأس به من الإمكانيات المادية وحتى الثقافية ، الأمر الذي يمكن أن يفرز طاقات وإمكانات إضافية ، بعكس الوجود الإسلامي في أوربا . وكذلك فإن من الممكن - مع الحرية المتوافرة - أن تكون هذه البلاد محضنا لنوع من التفكير يجمع بين أهل الفكر وأهل الحركة ، ويفسح المجال لعملية النقد المألوفة هنا على صعيد الممارسة العامة . إضافة إلى أن البعد عن جو الضغط والصراع قد يفسح مجالا لهدوء الأعصاب وإمكانية الرؤية المحايدة العملية للنفس وللآخر ، بحيث ينتج عن هذا كله حوار صحي وعلمي يمكن أن يكون مقدمة حقيقية للتغيير في الواقع العربي والإسلامي بشكل عام
في حوار مع الرشاد






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809526 :: Aujourd'hui : 1130 :: En ligne : 18