البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-09-18
حدود الأفكار التي يمكن التفكير فيها

yyy



نبدأ بمقدمة بسيطة عن ناعوم تشومسكي Noam Chomsky لمن لا يعرفوه أو لم يسمعوا به من قبل. هو أمريكي يهودي من أصل روسي، يعمل أستاذاً للغات بمعهد ماساشوستس للتقنية MIT، له مساهمات علمية هامة في كيفية وصف اللغات، هذه المساهمات لها تطبيقات في كثير من المجالات مثل وصف لغات البرمجة. شهرته تنبع من أنه ناشط سياسي من الطراز الأول، يهاجم السياسة الأمريكية و يشرح النصب الذي يقوم به الإعلام الأمريكي شرحاً اكاديمياً في كتبه و مقالاته. علي الرغم من يهوديته إلا أنه يعادي إسرائيل و يهاجمها و يهاجم سياستها في كثير من كتبه و مقالاته.
في عام 1985 نشر تشومسكي مقالاً صار فيما بعد علامة في علم الإجتماع و السياسة هو (حدود الأفكار التي يمكن التفكير فيها

(Bounds of thinkable thought. المقال نشر في مجلة Progressive و للأسف أنا لم أستطع الحصول علي النص الأصلي المقال و لكني قرأت دراسات و مقالات مبنية عليه.
في هذا المقال ناقش تشومسكي ما حدث في فيتنام و كيفية تعامل الإعلام معه. في الستينات دخل الجيش الأمريكي فيتنام و إرتكب عدداً لا بأس به من المذابح و خرج في النهاية مهزوماً بعد أن فقد عدداً لا بأس به من الجنود و قدراً لا بأس به من المال، دعك من الصدمة النفسية للمجتمع الأمريكي ككل حين إنهزمت أمريكا في أول معركة في تاريخها. قام الإعلام و إنتقد ما حدث بشتي الطرق و نشرت صور المذابح التي قام بها الجيش و تم توجيه الإنتقادات للمسئولين السياسيين و العسكريين بأنهم دخلوا ميدان معركة لم يألفوه (هو غابات فيتنام) و أنهم لم يقوموا بالدراسة و التخطيط الضروري لهذه الحرب. الأمر بدا و كأنه قمة الديمقراطية التي يمكن الوصول لها و قمة حرية التعبير و إنتقاد المسئولين.
النقطة التي لاحظها تشومسكي هي أن أحداً لم يسأل لماذا دخلنا فيتنام من الأساس. الكل إنتقد التجهيزات العسكرية و الإستراتيجية و لكن أحداً لم يشكك في أن المعركة كانت معركة لهدف نبيل هو إنقاذ الفيتناميين من الشيوعية و منع لزحفها نحو أمريكا -وهي الحجة التي سيقت وقتها للحرب- وليست مجرد إثبات قوة أمام السوفيت.
الفكرة التي إستنتجها تشومسكي هي أن لكل مجتمع حدود للتفكير لا يمكن أن يخرج عنها. من الممكن أن يخرج عنها قلة من المفكرين و لكن من الصعب أن يخرج عنها المجتمع ككل. علي الرغم من أن الموضوع كتب كدراسة للسياسة و الإعلام الأمريكي في المقام الأول إلا أن مصطلح Bounds of thinkable thought صار أحد الأفكار الهامة في علم الإجتماع عموماً.
بالنسبة للمجتمع الأمريكي فإن حدوده الفكرية – كما يري تشومسكي- هي أن المجتمع الأمريكي لا يمكن أن يشك في نوايا قادته و رؤساؤه. يمكنه أن يشكك في كفاءتهم و لكن ليس في نواياهم، هذه هي حدود تفكير المجتمع الأمريكي، و يعزي تشومسكي الأمر الي النصب الذي تمارسه وسائل الإعلام لغسل مخ المواطن الأمريكي.
علي الرغم من أن الموضوع كتب كملاحظة علي ما حدث في الستينات إلا أننا إن تأملنا الموضوع لوجدنا أن الأمر نفسه مازال موجوداً حتي الآن. فلنتأمل مثلاً إقالة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق. بالطبع القرار له اسباب سياسية و لكن ما هي الرسالة التي تصل لرجل الشارع الأمريكي من هذا القرار؟ الرسالة هي “لقد دخلنا العراق لنوايا حسنة و لكن وزير الدفاع الأحمق أساء التخطيط و إدارة الحرب و بالتالي سنقيله و سنأتي بمن يحل محله”. لم يطالب أحد بإقالة بوش أو كوندوليزا رايس أو من القادة الآخرين الذين يشتركون فعلياً في وزر هذه الحرب ربما بقدر أكبر من القدر الذي شارك به رامسفيلد.
أحدي الدراسات الحديثة أظهرت أن الإستفتاءات التي تجري الآن عن بوش و الإدارة الأمريكية تتباين نتائجها بشدة بين الشباب صغير السن الذي يعتمد علي التكنولوجيا بشكل كبير – و بالتالي يكون آرائه من ما ينشر علي النت و ما ينشر علي المدونات – و بين المواطن التقليدي الذي يبني رأيه علي ما يشاهده علي شاشة الشبكات الإعلامية مثل CNN أو Fox. مازال للإعلام الأمريكي يد قوية في تشكيل حدود تفكير المجتمع الأمريكي.
المشكلة أن حدود التفكير لدي أي مجتمع يصعب كسرها بشدة. مايكل مور أصيب بالذهول عند إعادة إنتخاب بوش لفترة رئاسية أخري علي الرغم من الحقائق التي قدمها في فيلمه 911 فهرنهايت و الذي حظي بكم كبير من المشاهدة و الإستحسان من النقاد و الجمهور. عند إعادة إنتخاب بوش إنتشرت رسائل وجهها الناشطون اليساريون الأمريكيون الي العالم عن طريق الإنترنت و التي يقولون فيها نحن أسفون لقد حاولنا قدر إستطاعتنا و لكننا لم نستطع أن نغير الرئيس. مهما رأي الناس و سمعوا كلاماً منطقياً موثقاً فلن تتغير حدود تفكيرهم بسهولة.
كسر حدود التفكير ليس صعباً بالنسبة للمجتمع الأمريكي فقط ولكن لأي مجتمع عموماً. درسنا في المرحلة الإعدادية و الثانوية أن الكنيسة ثارت علي جاليليو حين قال أن القمر هو جسم مقفر يتكون من الصخور و أن الأرض تدور حول نفسها. ما لم ندرسه هو رد فعل المجتمع ككل لهذه الحقائق. المجتمع الأوروبي أصيب بصدمة هائلة. الكثير أصيبوا بكوابيس مفزعة و هلاوس متعلقة بالموضوع، كوابيس و هلاوس من طراز النساء الذين حلمن أن القمر يهاجمهن أثناء نومهن ليلاً و الناس الذين يقولون أن القمر سقط علي فراشهم ليلاً الخ. بالنسبة لهم كان ما قاله جاليليو و نيوتن و كوبرنيكوس كسر لحدود تفكير المجتمع في هذا الوقت مما تسبب في موجة رفض عامة لهم كانت سبباً في دفع نيوتن الي كتابة كتبه باللاتينية بدلاً من الإنجليزية لكي لا يقرأها العامة.
حقيقية وجود حدود للتفكير ليست سيئة تماماً. لابد لأي مجتمع أو شخص من ثوابت يتحرك بناء عليها. لا يمكنك أن تشكك في كل ما في الحياة من قيم و أفكار و مباديء و تحاول أن تتحقق من صحتها و إلا عندها فلن يصبح لديك وقت لأي شيء آخر تفعله. يقول برتراند راسل الفيلسوف و عالم الرياضيات الإنجليزي: “إن عقلاً متشككاً علي الدوام هو عقل فارغ علي الدوام”. لا يجب علي المرء أن يحاول أن يكسر حدود تفكير المجتمع إن لم يكن لهذا فائدة حقيقية ملموسة (مثل ما حدث في أوروبا عندما كسر العلماء حدود تفكير أوروبا في العصور الوسطي).
بالنسبة للعرب فإن هناك جوانب إيجابية و أخري سلبية لحدود الأفكار التي يمكن التفكير فيها.
علي الجانب الإيجابي نجد إحترام الدين و تعاليمه بصفة عامة، و إحترام حدود العلاقة بين الرجل و المرأة و هي أمور غير موجودة في كثير من المجتمعات الغربية و الأوربية. لا يمكنك أن تطرح فكرة تزدري الدين أو تقلل من شأنه عموماً و تطلب من المجتمع العربي أن يتقبلها.
علي الجانب السلبي نجد نقطة هامة هي
أن عليك أن تسير علي القواعد المتوارثة التي لا هدف لها و التي يسير عليها القطيع دون أن تسأل لماذا و كيف أو تحاول أن تخرج عن المألوف بأي شكل من الأشكال. بالطبع هذه نقطة موجودة في كل المجتمعات فالإنسان في المعتاد عدو لما لم يألف و لكن لدي العرب الأمر يزيد عن حدوده الي درجة غير عادية. هذه هي حدود تفكير المجتمع العربي التي من الصعب أن يكسرها أحد.
علي سبيل المثال حين تفكر في التعليم فإن عليك أن تحلم بدخول إحدي كليات القمة. نادراً ما يقبل المجتمع أن يفكر شخص أن يكون مذيعاً أو صحفياً أو أي وظيفة غير مألوفة. عليك أن تتمني أن تكون طبيباً أو مهندساً و إلا فالويل لك و سيكون مصيرك الجوع و الفقر ما بقي من عمرك. لا أحد يسأل لماذا كليات القمة و لماذا لا يفكر أحدهم أن يدرس علماً مثل علم الإدارة. لا أحد يسأل عن الهدف من التعليم اساساً و ما الذي يختار المرء علي أساسه المجال الذي يدرس فيه.
في الأدب لديك قوالب أدبية جاهزة لتختر منها. إن أردت أن تكتب قصة فإن عليك أن تكتب قصة إجتماعية أو عاطفية غالباً. قبل د. أحمد خالد توفيق لم يفكر أي كاتب عربي في كتابة قصص الرعب بينما الأمريكييون لديهم الكثير من كتاب الرعب علي الرغم من حداثة ثقافتهم مقارنة بقدم الثقافة و الأدب العربي، بل و حتي اليوم لا يحترم معظم النقاد العرب أدب الرعب بدون سبب مفهوم سوي أنه خروج علي سياسة القطيع و التعليمات المحددة التي تلقاها المرء ضمنياً من المجتمع. كذلك الأمر بالنسبة لكتابات الخيال العلمي و قصص المغامرات الخ. حين ينظر المرء للغرب و للكتابات الغربية يذهل لمدي تنوعها و خروجها عن أي قواعد مسبقة، سواء في الموضوعات أو في أسلوب الكتابة نفسه و مدي تقبل النقاد لهذه الكتابات. يمكنك في كل يوم أن تأتي بأشكال و أفكار جديدة في الكتابة و لن يرفضها أحد و سيقيمها الناس و النقاد حسب مستواها و جودتها.
ماذا عن الأغاني؟ يمكن بسهولة شديدة أن تجد عاماً كاملاً لم تنزل فيه أغنية لأي مطرب عربي تتحدث في أي موضوع غير الحب و العشق حتي صار الأمر مملاً. نفس الشيء بالنسبة للأفلام أيضاً التي لا تخرج عن إطارات و نوعيات محددة.
في الدين عليك أن لا تفكر غالباً و تتبع ما قاله العلماء القدماء حتي و إن كان غير مناسب لزماننا. علي سبيل المثال عند التعامل مع مجتمعات الغير مسلمة مازالت كلمات العلماء السابقين مثل “دار الحرب” و “دار الإسلام” تستخدم من قبل العلماء المعاصريين علي الرغم من أنها كلمات لم تذكر في القراّن و السنة، بل هي إجتهادات قام بها العلماء قديماً لوصف التعامل مع موقف سياسي و إجتماعي لم يعد موجود حالياً في ظل العولمة و المؤسسات الدولية و العلاقات المتشابكة بين المجتمعات. لا أحد يفكر أن يستخدم قواعد الدين و تعاليمه في وضع تصور لما يجب أن تكون عليه الأمور الآن لتحقيق الأهداف التي أنزل من أجلها الدين، بل علي المرء أن يستخدم الأفكار التي وضعت قديماً دون تفكير، تماماً مثل الذي يستخدم خريطة للقاهرة في العصر الفاطمي و يحاول عن طريقها الوصول من مدينة نصر للمعادي.
بشكل ما يمكننا أن نقول أن حدود تفكير المجتمع العربي هي حدود التفكير التي ورثها و التي لا يخرج عنها بسهولة، و هذا في كل المجالات تقريباً للأسف الشديد. يمكن إعتباره شكل من أشكال قمع الحرية و هو شيء معتاد في الأسر و المجتمعات العربية حيث لا يعرف الناس حدودواً لتدخلهم في حياة الآخرين، سواء كان هؤلاء الآخرون أبناء أم أقارب أم أشخاص لا يمتون لهم بصلة.
في رواية وادي العميان لويلز كان البطل سليم البصر و كان يحدث العميان عن الشمس و القمر و الوان الزهور و هي أشياء لم يتصوروا وجودها من الأساس و لم يسمع بها ابائهم و اجدادهم-الذين كانوا عميان ايضاً- فقالوا له إن عينيك هي سبب الهلاوس التي تراها و بالتالي علينا أن نستأصلها لك لتتوقف عن هذه الهلاوس و تصبح مثلنا. إتخذ البطل قراره بالهرب محتفظاً بعينيه و مفضلأ أن يكون مختلفاً عن الآخرين عن أن يكون أعمي مثلهم. علي المرء أن يفكر في مجتمعه و في حدود تفكير هذا المجتمع و يحاول أن يري الصواب و الخطأ فيها و أن يفضل الإحتفاظ ببصره حتي و إن كان هذا سيجعله مختلفاً و منعزلاً عن باقي العميان.

تعليق محمد عادل في هذه الروابط
http://muhammadadel.com/ketabaty/?p=17

http://mail.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=27645






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2623018 :: Aujourd'hui : 1026 :: En ligne : 9