البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-08-30
شيمل عالمة ألمانية أنصفت الحضارة الإسلامية

yyy



الدوحة – رشيد يلوح
في 28 من يناير الماضي سجل التاريخ مرور سبع سنوات على رحيل عميدة الاستشراق الألماني المعاصر الدكتورة آنا ماري شيمل (1922- 2003). عالمة غربية أحبت الحضارة الإسلامية فكرست عمرها لخدمتها والدفاع عن قضاياها، انسجاما مع إيمانها بالحقيقة والعدالة، قالت شيمل عن سر قصتها مع الشرق: "لقد جذبني عالم الشرق منذ كنت طفلة، وبدأت أتعلم اللغة العربية وعمري 15 عاما، وسأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى وفاتي".
هذا المنطلق الروحي والعقلي العميق عند شيمل كان أمرا جديدا في مدرسة الاستشراق عموما، فالمنهج الأكاديمي للدراسات الشرقية في الغرب ينحدر تاريخيا من منهج فرعي في اللاهوت المسيحي، وقد كرس منهج الدراسات الشرقية نفسه لدعم الدين من خلال توفير المعارف الضرورية لفهم الكتاب المقدس ونشر رسالته. إلا أن الدكتورة شيمل اختارت لنفسها طريقا وصفته بقولها: "إن طريقي ليس هو طريق التصريحات والبيانات، ولا هو طريق الإثارات والزوابع. إنني أؤمن أن الماء الصافي سوف ينتصر بحركته الدؤوبة على مر الزمن وعلى صم الحجر". وقد سجل بعض الباحثين على منهج هذه المستشرقة ملاحظات نذكر منها:
أولا-ربطت شيمل اهتماماتها العلمية بالتصوف، وبتحليل العلاقة بين الله والإنسان جوابا على ما تميزت به النازية من قسوة وعنف. ثانيا-نشوء الرغبة العميقة من الجامعات الألمانية المدمرة يومها في التصالح مع الآخر ومع الأعداء، وكانت شيمل يومها أصغر بكثير من طلابها الذين كانوا يرددون شعارات تنادي بالتخلص من الأجانب وطردهم.
ولدت آنا ماري شيمل في 7 إبريل 1922 في مدينة ايرفورت بألمانيا، كان والدها يعمل موظفا في البريد، نشأت وترعرعت في حقبة حرجة من تاريخ ألمانيا الحديثة، فقد تزامنت نشأتها مع بداية قدوم النازية إلى الحكم. بدأت أنا ماري شيمل بتلقي دروس خاصة في العربية في سن 15، حصلت على درجة الدكتوراه عام 1941 في برلين في 19 من عمرها عن رسالتها حول حضارة العصر المملوكي في مصر، وبعد ثلاث سنوات حصلت على درجة الأستاذية من جامعة ماربورغ، وتعتبر شيمل أصغر من حصل على مثل هذه الدرجة العلمية في ذلك الوقت، وفي عام 1951 حصلت على درجة دكتوراه ثانية في رسالتها عن تاريخ الأديان ومكانة الإسلام بين الأديان السماوية .
قامت الدكتورة شيمل بأول زيارة لها إلى العالم الإسلامي عام 1952 وبالتحديد إلى تركيا التي عادت إليها في عام 1956 بعد تلقيها دعوة من كلية الإلهيات في جامعة أنقرة حيث عملت كأستاذة في العلوم الإسلامية واللغة العربية، اغتنمت شيمل عملها في قسم تاريخ الأديان بجامعة أنقرة لتقوم بإجراء تحقيقات واسعة في الآداب التركية القديمة، لاسيما التراث الصوفي، كما وجهت جزءا من اهتماماتها حينئذ إلى قضايا الإسلام المعاصرة.
بعد عودتها إلى بلدها ألمانيا شغلت شيمل ابتداء من عام 1961 منصب مستشارة الشؤون العلمية في مجال الدراسات الإسلامية في جامعة بون، إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإسلامية، وكذلك إشرافها وتحريرها في المجلة الدورية (فكر وفن) حتى عام 1973، وكانت تنشر مجلة (فكر وفن) باللغة العربية من لدن مؤسسة (غوته) الألمانية، وقد نَشَرَت شيمل عبرها الكثير من أبحاثها عن الحضارة والثقافة الإسلامية.
خلفت الدكتورة أنا ماري شيمل ما يزيد على مائة كتاب، وكما هائلا من المقالات المبثوثة في الدوريات الألمانية والعالمية والمحاضرات باللغات المختلفة، كما أتقنت هذه العالمة المنصفة لغات كثيرة منها: العربية والفارسية والتركية والأردية والسندية والباشتوية والبنجابية، ما أهلها إلى ترجمت الكثير من الشعر الصوفي، خصوصاً للعارف مولانا جلال الدين الرومي والعلامة محمد إقبال والحلاج وميرزا أسد الله وغالب الدهلوي وفريد الدين العطار وغيرهم.
تلقت شيمل في عام 1967 دعوة للتدريس في جامعة هارفارد العريقة بالولايات المتحدة، وفي عام 1970 خصص لها كرسي تاريخ أديان الشرق في تلك الجامعة، فضلا عن إلقائها دروسا في مؤسسة الأبحاث الإسلامية بلندن في صيف كل عام.
نالت الدكتورة شيمل العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات شرقية وغربية، وذلك تقديرا لجهودها المتميزة في مجال الحضارة الشرقية، ولدورها التاريخي في التقريب الثقافي والعلمي بين الشرق والغرب، كما استحقت المرأة الكثير من الجوائز وأوسمة التكريم، أهمها جائزة (فريدريش ركارت) الألمانية عام 1965، ووسام الاستحقاق الألماني من الدرجة الأولى عام 1982. كما منحت في العام 1995 جائزة السلام كأحسن كاتب بالألمانية ساهم بفكرة في دعم السلام بين الشعوب.
نذرت الدكتورة شيمل حياتها العلمية والعملية على امتداد ما يزيد على نصف قرن في خدمة الإسلام، ديناً وحضارة وثقافة، لقد كتبت في التعريف بالإسلام، وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعن تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، وعن الصوفية والفكر الصوفي، وعن الشعر العربي والفارسي والتركي، وعن الخط العربي، وعن الحياة المعاصرة للمسلمين وغيرها.
وفي مقدمة كتابها الشهير (وأن محمدا رسول الله) بيتا شعر باللغة الأوردية يقولان:
قـد لا أكـون مؤمنة، وقد أكـون
أمـا حقيقتي، فالله وحده هو العالم بهـا
ولكنني أرغب في أن أضع نفسي خادما
للأمير الأعظـم في المدينـة
ذهب الكثيرون إلى أن أنا ماري شيمل قد اعتنقت الإسلام، لكن حتى الآن ليس هناك مايثبت ذلك رسميا، لكنها عاشت حياتها مع المسلمين وتاريخهم وأفكارهم بشكل يجعل المهتم يتساءل إذا ما كانت قد أصبحت واحدة منهم، حتى أصبح الظن بإسلامها انطباعا قابلا للتصديق عند الكثيرين.
بعد إعلان وفاتها في 28 يناير عام 2003 نعى المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا شيمل في بيان جاء فيه: "كانت السفيرة الرفيعة بين الإسلام والغرب، وكانت شخصية نادرة كرست حياتها في دأب وحب لإزالة الشكوك لدى الغربيين حول الدين الحنيف"، وعتبر المجلس رحيلها فجوة يصعب سدها في جدار حوار الحضارات. وفي شهادة التكريم التي صاحبت جائزة السلام التي حصلت عليها عام 1995 -وهي أهم جائزة من نوعها بعد جائزة نوبل للسلام- عللت اللجنة المانحة للجائرة قرار إسنادها للمستشرقة الألمانية أنا ماري شيمل بما يلي: "تمنح رابطة الكتاب الألمان الجائزة لأنا ماري شيمل التي كرست جهدها طيلة حياتها من أجل التعريف بالإسلام، وإيجاد روح القبول له ولمظاهر الحياة في إطاره، ومن أجل التقاء أبعاده التجديدية حضاريا مع الغرب".
لكن للأسف لم تنل أنا ماري شيمل حتى اليوم ماتستحقه في العالم العربي من تقدير واهتمام، سواء من المؤسسات الأكاديمية الرسمية أو من الهيئات الثقافية والعلمية الأهلية، لماذا إذن لانحتضن جهود هذه العالمة المنصفة والمخلصة ؟


http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=118023&issueNo=987&secId=18






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807337 :: Aujourd'hui : 1741 :: En ligne : 15