البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-06-12
أربعينية المفكر العربي الراحل الدكتور محمد'عابد الجابري

yyy

اقتحام مجاهل جديدة غير مألوفة في التراث العربي الإسلامي
في أربعينية المفكر العربي الراحل الدكتور محمد'عابد الجابري:
6/12/2010
الرباط ـ 'القدس العربي' ـ من الطاهر الطويل: تحل هذه الأيام أربعينية المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي وافته المنية يوم 3 أيار ( مايو) المنصرم، بعد حياة فكرية حافلة بالإنجازات والسجالات أيضا.
والمتتبع لمسيرة الرجل يلاحظ أنها لم تقتصر على رصد قضايا أكاديمية بلغة العارفين وبرؤية عقلية مجددة، بل إنها شملت مجموعة من الإشكالات المتعلقة بمجالات الفكر والإسلام والتربية والسياسة وغيرها. فإلى جانب وقوفه طويلا عند قضية الهوية العربية، وكذا العولمة في الساحة الفكرية العربية، ورصده الواقع العربي مع استحضار مقولات لابن رشد وابن خلدون وماركس، نجده يتمحص ويحلل عددا من المفاهيم الإسلامية ( كمفهومي دار الإسلام ودار الحرب، والخلافة والإمامة والأحكام السلطانية والجهاد والشهادة والعقل والإيمان والحجاب...) كما يدلي بدلوه في معنيي الإرهاب والمقاومة.
وكان الجابري كذلك منشغلا بسؤال جوهري لخصه في العبارات التالية: 'كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟'وإلى جانب ذلك، بسط نظريته بخصوص مفهوم الوطن والمواطنة، مستنبطا ذلك من الفكر اليوناني والكيفية التي استعادت بها الثورة الفرنسية ( والإنكليزية والأمريكية) هذا المفهوم. ويعتبِر الجابري المفهومين المذكورين من المفردات التي أهملت في خطابنا العربي المعاصر لتحل محلها مفردات أخرى تحمل مضامين وتوجهات مخالفة بل مناقضة لها، مؤكداً أن ذلك حدث منذ قيام العصر الإيديولوجي لظاهرة العولمة أواسط الثمانينات من القرن الماضي. ومن بين تلك المفردات عبارة 'حقوق الشعوب' التي أهملت وحلت محلها عبارة 'حقوق الأفراد والأقليات' أو باصطلاح آخر 'حقوق الإنسان والمواطن'.
أما على مستوى الرؤى السياسية والاقتصادية، فيلاحظ أن الجابري لم يتردد في إبداء وجهة نظره في بعض القضايا الراهنة، من ذلك مثلا أزمة الرأسمالية وقضية الاستفتاء على المآذن في سويسرا، ويحلل أيضا مواقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما. والطريف أن الجابري يقارن بين 'ظاهرة' أوباما و' ظاهرة' الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ويتوقف عند نقاط التشابه بين ظروف انتخاب الرجلين معا، فكلاهما ـ كما يقول ـ من نتاج ظاهرة اجتماعية اقتصادية'عامة أصبحت تقدم نفسها بوضوح في عصر العولمة: ظاهرة تتلخص في وجود هوة سحيقة عريضة بين فئتين في المجتمع: الفئة التي يتكون منها رأس الهرم الاجتماعي، والفئة التي تشكل قاعدته: الأولى قوامها أصحاب الثروة والمنزلة والكلمة والسلطة، والثانية مادتها أصناف من الذين يعانون من الفقر والتهميش وفقدان أي اعتبار. ويضيف قوله إن كلا من أوباما ونجاد محكومان بأمر خارج عن إرادتيهما، وهو المحافظة على الوضع القائم، داخل حدوده الحمراء. من ذلك مثلا، أن أوباما لا يستطيع محاكمة ولا مساءلة 'المحافظين الجدد' على ما اقترفوه من أخطاء سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية، كما أن 'نجاد' لا يستطيع أن يحاكم زعماء 'الإصلاحيين' الذين اتهمهم، على أمواج الإذاعة والتلفزة، بالفساد والتلاعب بأموال الدولة الخ.

المثقف العضوي

وكما أشار إلى ذلك بلاغ أصدره المجلس القومي للثقافة العربية في رحيل محمد عابد الجابري، فإن الرجل ظل طيلة عمره، وخلال ما يفوق أربعين سنة من العمل الفكري الجاد، مثالا للمثقف العضوي المنخرط في قضايا وطنه الصغير، وقضايا أمته العربية في مختلف أبعادها. وقد قدم الجابري في هذا الباب أطروحة فكرية تروم إعادة بناء المشروع القومي، وذلك بمحاولته التفاعل مع متغيرات اللحظة العربية، ساعيا إلى ابتكار ما يسعف بتفكيك عوائق المشروع القومي، محاولا استنهاض كل التيارات الفكرية العربية، خدمة لعروبة الحاضر والمستقبل. وقد أثمرت جهوده أيضا أطروحة فكرية لا أحد يجادل في قوتها النظرية، وفي أهمية الخيارات التي بنت في باب الدفاع عن الهوية العربية والمستقبل العربي. إن انخراطه الملتزم والمسؤول في العمل الفكري والسياسي، أثمر مواقف وخلاصات تؤكد مقدار النزاهة الفكرية التي كان يتمتع بها. وإذا كان من المؤكد أن مشروعه الأكبر يتمثل في نقده للعقل العربي، بهدف تخليص الثقافة العربية من الأدوات الفكرية التقليدية في أشكال فهمها للظواهر، فإن المجلس القومي للثقافة العربية يرى أن إشكالات الحاضر العربي السياسية، هي التي أملت عليه العناية بسؤال التراث. وترتب عن ذلك، ما بناه من أطروحة فكرية في موضوع أطروحة تجسدها بكثير من الجهد والاجتهاد مجلدات عديدة، أصبحت اليوم بمثابة طريق واضح لفهم تراثنا، وجعله أداة من أدوات التقدم وبلوغ ما نطمح إليه.
ويختم بلاغ المجلس المذكور بالقول: 'إن فقدان محمد عابد الجابري في هذه اللحظة بالذات من تاريخ أمتنا، يدعونا إلى تأمل تجربة عطائه، ومواصلة أعماله، وذلك بتعزيز أشكال المقاومة في ثقافتنا ومواقفنا، من أجل الانتصار للقيم التي ظل حريصا عليها، سواء في ما أنتج منه أطروحات او في المواقف التي كان لا يتردد في الإعلان عنها مستحضرا الطموحات العربية الهادفة إلى تحقيق مشاركة عربية فاعلة ومبدعة في عالم متغير.'
ومما جاء في بلاغ لاتحاد كتاب المغرب: 'في رحيله المأسوف عليه تكون الأمة العربية الإسلامية والأسرة الثقافية والفكرية العربية، قد فقدت في الجابري مفكرا وفيلسوفا عربيا كبيرا يصعب تعويضه'. وأضاف البلاغ 'لقد كان مفكرنا الراحل أحد مؤسسي الدرس الفلسفي في جامعتنا، كما ساهم، منذ عقود خلت، في تحديث الحقل الفكري والفلسفي، وتطويره، والإضافة إليه، سواء في المغرب أو في العالم العربي، عبر مصنفاته ومؤلفاته وآرائه وطروحاته المؤثرة والمضيئة. وأيضا عبر قراءاته العديدة في التراث الفلسفي، والفكر الخلدوني، ونقد العقل العربي، والنص القرآني، وحضوره الوازن في الحقل الفكري والفلسفي العربي والإسلامي والعالمي'، معتبرا أنه 'يرجع الفضل الكبير إليه في تخريج العديد من المفكرين والفلاسفة الجدد في بلادنا وخارجها'.
وذكـّر البلاغ بأن الراحل 'كان مشاركا باستمرار بآرائه وأفكاره الرصينة في معضلات الثقافة والفكر والفلسفة في العالم العربي، وهو أيضا من الكتاب الأوائل الذين بصموا تاريخ اتحاد كتاب المغرب، منذ التحاقه بهذه المنظمة عام1961' ، مشيرا إلى أن 'مفكرنا ظل حريصا على حضوره مؤتمرات الاتحاد الأولى، ومساهما بكتاباته المضيئة في مجلة ( آفاق) ومشاركا في ندوات الاتحاد وأنشطته على امتداد سنوات السبعينيات والثمانينيات'. فضلا عن ذلك، يقول البلاغ، 'عرف الراحل بحضوره السياسي الكبير في المشهد السياسي الوطني، وبمواقفه الوطنية المعروفة، وبمبادئه الثابتة، تلك التي ظل مفكرنا وفيا لها طيلة حياته، إلى أن غادرنا مأسوفا عليه'.
وفي السياق نفسه، يعتبر 'بيت الشعر في المغرب' في بلاغ له، أن المفكر الراحل جسد، إلى جانب تعدد انشغالاتِه المعرفية، نموذج المثقف المنخرط في مشروع رَحيب، بإعادة قراءته لِقديم الثقافة العربية الإسلامية وحديثها اعتماداً على مُنجَز الفكر العالمي المُعاصر. نَموذجُ هذا المثقف عَزَّ في الزمن الراهن، لما يتَطلّبه عبء المسؤولية، التي تحمّلها، من صبر وجهدٍ ومُكابدة، لأنّ حياةً واحدةً لا تَتسع لتحديات الشسوع الزمني والمعرفي للمشروع الذي أوْقف حياته عليه.
ويتابع 'بيت الشعر في المغرب' بلاغه بالقول: 'لم يكفّ الفقيد، منذ إسهامِه في تأسيس الدرس الفلسفي، عن الحفر في أكثر من واجهة، قبل أن يخُصَّ العقل العربي بالتفكيك الذي اتّسعت له أربعة كتب، تناولت تكوينَ هذا العقل وبنيَتَهُ ووجْهَيْه؛ السياسي والأخلاقي. كما أشرف على نشْرٍ جديدٍ لأعمال ابن رشد، مُرفقة بمداخلَ ومُقدّماتٍ تحليليةٍ وشروحٍ مُضيئة. سَنَدُهُ في ذلك إرادةٌ معرفية مَكينة، هيّأت له النهوضَ بما لا يستقيمُ إلاّ بعمل جماعي، يفوقُ حُدُودَ الفرد. وها هو قَدْ قضَى، ( وفي نَفْسِهِ شيْءٌ) من المشروعات الكبرى، على نحو ما هو بَيِّنٌ من المسالك التي شقتْها الأجزاءُ الأولى من كتابه عن القرآن الكريم.
بموتِ المُفكر محمد عابد الجابري، يتسللُ الصّمتُ إلى إحدى الجهاتِ المُنتجة للضوء في الفكر العربي الحديث. صَمْتٌ قاسٍ ومربك في آن، لِشسوع ظِلّه، وخفوتِ تَحَدٍّ نادر اقترن بالمشروعات الكبرى. وهو ما لمْ تَعُدْ تُسْعِف الحياة الحديثة، بإيقاع الاستهلاك المُتحكم فيها، في إنتاجه. لنا، إذن، أن نُنْصِتَ عميقاً لهذا التحدّي ونَعُدَّه إحدى البذور الخصيبة التي استنبتها الفقيد، وأن نوليها العناية الخليقة بها.
لا يتردّدُ ( بيت الشعر) في الإقرار، من داخل ألم هذه الفاجعة، بأن ضوء مُنجَز الفقيد يشِعُّ، على نحو ما، حتّى في الممارسة الإبداعية للشعراء. ذلك ما يُمكن أن نعثر عليه متى انتبهنا لِما لا يُرى، أي لتلك الخيوط الرفيعة التي تُؤمِّنُ نسيجَها في خفاء. لمْ يكن نَسَبُ المفكر محمد عابد الجابري الشعري يَتحَدَّرُ من داخل الشعر، وإنّما من الفكر وقضاياه وأسئلتِه. فالمُوجِّهاتُ المعرفية التي تحكمت في مشروعاته تتقاطع مع دروب الشعر وآفاقه.
يتبدّى النسبُ الشعري من داخل الفكر اعتماداً على إقامةِ الفقيد في السؤال المعرفي، والحفر في الهُوية بما يمنَعُ من انغلاقها، وإعادةِ كتابة الذاكرة الثقافية بوعي حديث، ومُحاورةِ الآخر برؤية نقدية، وإرساءِ المسالك المُضيئة نحو مُستقبل ينتصر للقيم الرفيعة'.

الهم الإبستمولوجي

وفي شهادة عميقة للأستاذ الجامعي ومؤرخ الأفكار الدكتور سعيد بنسعيد العلوي نشرتها صحيفة 'الاتحاد الاشتراكي'، نلمس بجلاء خصوصية فكر الجابري ومرجعياته وأهدافه الكبرى. يقول بنسعيد عن زميله في رحاب جامعة محمد الخامس بالرباط:
'كنت، بحكم عشرة في شعبة الفلسفة في كلية الاداب والعلوم الانسانية في الرباط امتدت عشرين سنة كاملة ( بين نهايتي السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي) أحد الشهود المواكبين لميلاد المشروع الفكري الذي يرتبط به اسم المرحوم محمد عابد الجابري: مشروع نقد العقل العربي.
كنت كذلك شاهدا على ميلاد ونشأة المشروع في الصيغة الاولى، التمهيدية، التي ينتظم بها كتابه ( نحن و التراث) والكتاب، مثلما يعرف قراء الجابري، مجموعة قراءات في فكر صفوة من فلاسفة الاسلام وكبار مفكريه: الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، ابن باجة، ابن خلدون، الشاطبي.. قراءات سعى فيها صاحبها الى تسخير سلاحين اثنين كان الرأي فيهما ( في ثمانينيات القرن الماضي خاصة) انهما ينتسبان الى مجالين مختلفين، يغاير كل منهما الآخر مغايرة تامة، فلا سبيل الى الالتقاء بينهما، وهو تحليل يأخذ بالقواعد الكبرى التي يقررها برنامج نظرية المعرفة مع تغليب، يكاد يكون كليا، للتحليل المادي التاريخي والثنائية الشهيرة التي يعمل بموجبها: الايديولوجي العلمي ( الثنائية في معنى الزوج الذي يفيد حداه تنافيا كليا، فحضور احدهما يغيب وجود الاخر ويقصيه) وتحليل ثان يأخذ في وجل وتردد بالتحليل الابستمولوجي الذي يسعى الى استكناه مكنونات النص وارغام النص، بالملاحقة بما تيسره ادوات اللسانيات، والتحليل النفسي، وتاريخ العلوم وما عرفه محمد عابد الجابري في اعادة قراءته لفلسفات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد والغزالي هو بأعلى وجه التحديد، التبشير بإمكان المزاوجة بين المقاربتين: التاريخية والبنيوية. يمكن التعبير عن المحاولة بكيفية أخرى فنقول: أمكن الجابري أن يقتحم مجاهل جديدة، غير مألوفة ـ البتة - في النظر إلى التراث الاسلامي في الكتابة العربية وأن يقوم بالخطوة الأولى في رفع الملام ودفع التهمة عن مقاربة أخرى غير المقاربة التاريخية - المادية. وقد سارت بالمنهجية الاخيرة في طريق الوثوقية ووأد الحس النقدي، فإنه تكون الفلسفة ويكون العقل المستنير - والقصد بالمقاربة الوثوقية تلك التي هيمنت على الساحة الفكرية العربية، في عمل قراءة التراث الاسلامي، مع كل من طيب تيزيني من جانب وحسين مروة من جانب آخر. لم يلق الجابري التاريخ وراء ظهره، ولم يصرف الحضور الايديولوجي في القراءة والكتابة معا في كل النصوص التي كتبها في السنوات الثلاثين الاخيرة - ولكن ( الهم الابستيمولوجي) أصبح مساكنا للرجل، محايثا له وعلى طريقته التي يعلمها اصدقاؤه وتلامذته على السواء سعى الى بلورة الهاجس الابستيمولوجي والتأصيل له ( ان صح القول) بالدرس الجامعي من جهة، وبالترجمة والتعريف بالابستمولوجيا الفرنسية ورجالاتها من جهة أخرى. الحق انه تلزم اضافة اخرى هي: الاشراف على رسائل واطروحات تتصل بالابستيمولوجيا في صلاتها بالعلوم الانسانية.
من موقع الشاهد الذي وجدت فيه يلزمني الاعتراف بأن محمد عابد الجابري أمكنه المضي خطوات غير قليلة في درب المقاربة المزدوجة للتراث العربي الاسلامي. لم يكن الامر بطبيعة الحال، يخلو من صعوبات واشكالات - لا بل انه قد كان، في جوانب منه مدعاة للنقد والمؤاخذة.
قام مثقفون عرب كثيرون، من مواقع مختلفة ومتعددة ( الدرس اللساني، الفقه والتشريع والاصول، علم الكلام، التصوف الفلسفة.. الخ) كلّ ٌ منهم قرأ من النصوص العربية ما كان في مجال اشتغاله المباشر متصلا، ما كان في دائرة اختصاصه متعلقا. وحده الجابري، من بين كل المثقفين العرب المعاصرين، جازف بامتطاء مركب صعب والارتقاء في أحضان بحر لجي متطاير الامواج. كذلك أقبل مؤلف ( تكوين العقل العربي) على قراءة سيبويه، و ابن جني، والعسكري، والجرجاني، وحازم القرطاجني، فضلا عن الشافعي والطبري وابن الاثير، مثلما كان يقرأ السهروردي واخوان الصفا، والشفاء، والجمع بين رأيي الحكيمين، وابن النديم في الفهرست والجويني والباقلاني والبغدادي في الكلام...
لا شك في أن الجابري كان يمتلك جرأة، بل جرأة كبيرة في بعض الاحيان، غير ان فضيلته الكبرى ( في المعنى اليوناني، الارسطي خاصة، لكلمة الفضيلة التي تفيد اتقان الصنعة) كانت - بلا منازع - هي سعة اطلاعه. لنقل بالاحرى، هي صبره على قراءة ما كان مشكلا، صعبا، لا يتصل بدائرة عمله ولا بما ألفه.
هل في إمكاننا اليوم أن نعدد من الفلاسفة المعاصرين العرب من قرأ كتب ابن جني وسيبويه، وحازم القرطاجني، والسكاكي والجرجاني بهدف البحث عن كيفيات استقبال العقل العربي للمنطق الارسطي وكيف تعامله مع الاثر الاغريقي. قوة فقيدنا الغالي تكمن في الصبر والاصرار، مع صدق الايمان، بالعروبة والعقل والديمقراطية.'

التحديث والتأصيل

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي فيتوقف عند ثنائية التحديث والتأصيل في فكر الجابري، ويقول بهذا الخصوص في شهادته التي أوردتها صحيفة 'الاتحاد الاشتراكي': مأخذان يأخذهما محمد عابد الجابري على التيارين السلفي والحداثي في الفكر العربي المعاصر:
يأخذ على الأول كونه انكب على التراث من غير أن يستطيع أن يجعله معاصرا لنا، فهو أراد أن يؤصّل، لكن من غير تحديث. أما الثاني، فأراد أن يستورد مقومات الحداثة، ويستورد حتى أصولها، أراد أن يحدّث من غير أن تأصيل.
سنتبيّن فيما بعد أن هذين المأخذين هما في واقع الأمر مأخذ واحد ذو وجهين، لسبب أساسي وهو أن عمليتي التحديث والتأصيل، في نظر صاحب 'نقد العقل العربي'، عملية واحدة، أو قل انهما وجهان للعملية ذاتها.
تقوم هذه العملية في محاولة ارساء المرجعية داخل ثقافتنا للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة بهدف 'استنباتها في تربتنا'، و' ربطها بما قد يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا، واعادة بناء هذه بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا'. انها اذن 'تبيئة ثقافية' لتلك المفاهيم.
لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمجرد ايجاد مقابلات عربية وترجمة مفاهيم و' نقلها' الى لغتنا وثقافتنا، كما لا يتعلق بالأوُلى بإثبات سبق للفكر العربي الاسلامي في جميع الميادين، والتفاخر بأن أجدادنا كانوا 'السباقين على الدوام'، وانما بتبيئة وزرع واستنبات
هذه الاستعارات التي ترد الى فلاحة الأرض و' فلاحة' الفكر تنقلنا الى تلك العملية التي ينتهجها الفلاح عندما يسعى الى استنبات مزروعات نقلت نقلا من بيئة مغايرة بهدف تدجينها و' تبيئتها' مع ما يتطلبه كل ذلك من مجهود واعادة نظر و' تكييف' لطبيعة التربة والمناخ المحيط .
على هذا النحو يغدو التحديث انتظاما نقديا في الثقافة العربية لتلك المفاهيم التي تؤسس للحداثة. انه تغيير من الداخل ، وهو ليس قطيعة مع الماضي، بل 'ارتفاعا بطريقة التعامل مع التراث الى مستوى ما نسميه بالمعاصرة'. بهذا لن تعود تلك المفاهيم غريبة كل الغربة، وانما تصبح، على حد قول أحد الروائيين الجزائريين، مفاهيم intrangers ، مفاهيم، رغم غربتها، فهي 'تجد أصولا في تراثنا'.
يتعلق الأمر اذن بتجديد ثقافتنا من داخلها. هذا التجديد من الداخل يتبع استراتيجية ذات أبعاد ثلاثة:
- نقد التراث نقدا عقلانيا.
- نقد الحداثة والكشف عن نسبية شعاراتها، وابراز أصولها التاريخية التي هي أصول عربية اسلامية لاتينية اغريقية.
- ثم التأصيل الثقافي للحداثة في فكرنا ووعينا.
لا ينبغي أن ننسى أن هذا التجديد يستجيب لحاجة عملية يفرضها وضع الذات العربية في الظرف الراهن، وأن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن تجيب عنه وتستجيب له هو: 'كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟'. على هذا النحو يغدو تحديث التراث قضية استراتيجية: 'فما لم نمارس العقلانية في تراثنا، وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث، لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة العالمية كفاعلين لا كمجرد منفعلين'. لكن كيف تغدو هذه الحداثة 'العالمية' حداثة خاصة بنا؟ هذا هو الوجه الآخر لعملية التجديد من الداخل: انه التأصيل.
يقوم تأصيل المفهوم على نقله الى ثقافتنا واعطائه مضامين داخلها تتناسب مع المضامين التي يتحدد بها أصلا في الثقافة الأوروبية التي منها نقلنا هذا المفهوم. فاذا كانت الحداثة على سبيل المثال تستعمل مفهوم حقوق الانسان 'فان ما نعنيه بالتأصيل الثقافي لحقوق الانسان في فكرنا العربي المعاصر هو ايقاظ الوعي بعالمية حقوق الانسان، وذلك بإبراز عالمية الأسس النظرية التي تقوم عليها والتي لا تختلف جوهريا عن الأسس التي قامت عليها حقوق الانسان في الثقافة الغربية. ومن هنا يبرز الطابع العالمي - الشمولي الكلي المطلق لحقوق الانسان داخل الخصوصية الثقافية نفسها'. ومعنى العالمية هنا أن تلك الحقوق 'تقوم على أسس فلسفية واحدة'. أما الاختلافات فهي لا تعبّر عن 'ثوابت ثقافية'، وانما ترجع الى اختلاف 'أسباب النزول'، أي اختلاف الشرط التاريخي.
المنحى ذاته نلفيه عند صاحب 'المثقفون في الحضارة الاسلامية' فيما يتعلق بتأصيل مفهوم المثقف في ثقافتنا العربية الاسلامية . نقرأ في هذا الكتاب: 'وهكذا نجد أنفسنا أمام النتيجة التالية التي يفرضها علينا التاريخ الأوروبي نفسه، وهي أن ظاهرة ( المثقفين) في العالم العربي المعاصر، اذا كانت ترجع الى الاحتكاك بالثقافة الأوروبية الحديثة، فإن الظاهرة نفسها نشأت في أوروبا الوسيطة نتيجة احتكاكها بالثقافة العربية الاسلامية...ان المثقفين في العصور الوسطى الأوروبية هم من نتاج المثقفين في الحضارة العربية الاسلامية'.
قد تتعذر علينا مسايرة هذا التحليل أو على الأقل متابعته، الا أننا ينبغي أن نستحضر الخلفية الفكرية التي تقوم من ورائه وهي الايمان القويّ بوحدة التطور البشري، والتسليم بأن هناك تاريخا كليا تتراكم لحظاته وتستمر وتتواصل، بحيث يشكل التاريخ العام عصارة المساهمات النوعية للثقافات جميعها. بهذا المعنى يغدو تراثنا العربي الاسلامي لحظةً من لحظات قيام الحداثة 'العالمية'. هناك اذن عالمية لتراثنا العربي الاسلامي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا الى حد أننا حينما نقيم تعارضا ومقابلة بين الأصالة والمعاصرة نكون كأنما وضعنا 'الفكر الانساني في مقابل نفسه'.

أسئلة سياسية

انشغال الجابري بالقضايا الفكرية والفلسفية لم يكن يحول بينه وبين الانخراط في أتون السياسة. وقد فسر ذلك في إحدى كتاباته بالقول: 'عندما أنظر إلى الكيفية التي حصل بها التداخل بين السياسي والثقافي والتربوي في مسار حياتي، يصيبني نوع من الاستغراب، ذلك أنه رغم التعقيد الذي طبع معارج هذا التداخل، فإني لم أشعر في أي وقت بثقله على نفسي. كنت أتصرف وكأني في حقل واحد: أمارس الكتابة السياسية كما أمارس الكتابة النظرية والبحث العلمي، كما أقوم بالتدريس أو بالتفكير في قضايا تربوية، وكنت أشعر في كثير من الحالات بأن هذه الحقول تتكامل، ويعين بعضها بعضا على تمكيني من الفهم والاستيعاب.'
عن حدود التماس بين الفلسفة والسياسة في فكر الجابري، يرى الباحث عبد الرحمن العمراني أن قدر الفلسفة الحقيقي أن تكون ضمير السياسة، ذاك قدرها منذ عصر اليونان، قدرها ان تكون صوت الفكر النقي والعميق، الذي لا تصده عن الجهر بالحقيقة أية موانع او كوابح من نوع ما قد تصنعه لدى السياسيين العاديين، المهووسين باليومي وبالحصيلات الموهومة، حسابات قصيرة او توافقات منتظرة.
ويوضح العمراني أن الجابري رحمه الله عمل ـ وعلى امتداد زمني تجاوز نصف قرن ـ على إنزال الفلسفة في المغرب، وفي العالم العربي، الى قلب المعترك السياسي، جاعلا من الأسئلة المحرقة والمستعصية على التصريف السريع، اسئلة الحداثة والعقلانية والموقف من التراث... اسئلة سياسية بامتياز. وبشكل ما، فإن الاستاذ الجابري استبدل تلك الحكمة الشهيرة التي كنا نجدها مكتوبة كشعار على ظهر كل كتب دار النشر الفرنسية لوسوي والتي كانت تقول 'ان المشكلات السياسية هي مشكلات كل الناس، وأن مشكلات كل الناس هي مشكلات سياسية، بحكمة لا تقل أهمية توحي بالقول بأن المشكلات الفلسفية هي في العمق، مشكلات سياسية، وأنه من المفروض ان تكون مشكلات كل السياسيين.
ويتابع الباحث المغربي قوله في شهادته: 'لقد جعل الاستاذ الجابري من اسئلة الحداثة والعقلانية والموقف من التراث اسئلة سياسية، ملحة، ضاغطة تتحدى بحكم ما تطرحه من قضايا ومن مهام، ذاك النوع من الممارسات السياسية البلهاء، البليدة والساذجة، التي تنتظر قدوم النهار الناصع البياض في حياتنا السياسية ونحن في وسط ضباب كثيف تصنعه معتقدات بالية وبقايا مسلمات غنوصية تلف العقل العربي وتجره الى مناطق العتمة والجمود.
لم يجد الاستاذ الجابري أية صعوبة في ردم تلك الهوة التي كان رسمها ماكس فيبر بين السياسي والعالم، لقد تساوى الاثنان في شخصه في وئام وانسجام، ولم تنسحب اخلاقيات القناعة لديه امام ضغط اخلاقيات المسؤولية، بل ظلا متكاملين متعاضدين في مشروع واحد متكامل.
وخلافا لفوكو وآخرين في الفلسفة الغربية المعاصرة، فإن الحفريات عند الجابري لم تكن هروبا مما هو مركزي في ساحة الممارسة الاجتماعية والسياسية، وبحثا عن الهامش والهوامش، او التفافا على المركز بالهوامش، بل كانت إبحارا واعيا في ثنايا وتلافيف تفكيرنا، وحال مؤسساتنا المركزية المنقادة بنوع من العقل مخصوص يصنع الرؤية الى العالم، عقل جعل الجابري من نقده مركز اهتمامه الاول، وخلافا للعديد من المثقفين العرب ممن جايلهم وتناظر معهم طويلا، فإن الجابري بذل جهدا استثنائيا أوصله الى كشف منهجي جديد في قراءة التراث العربي وسبر اغواره، عوض الاكتفاء بما كان يسميه ـ رحمه الله ـ باستعمال منهج مطبق، وهي العادة التي كان قد دأب عليها بعض المفكرين الماركسيين العرب خلال عقدي الستينيات والسبعينيات.
وخلافا للعديد من الحداثيين الشكلانيين، الذين كانوا يحثوننا على استئناف النظر في مسيرتنا الحضارية، انطلاقا من تراث الآخرين، بما في ذلك تراث النهضة والانوار الاوروبيين، فإن الجابري ظل متشبثا بقناعة راسخة بأن استئناف النظر في تلك المسيرة الحضارية يجب ان يبدأ من حيث انتهى ابن رشد، وانطلاقا من التراث العقلاني لابن رشد بالتحديد، لأن الامم لا يمكنها أن تضمن قفزات نهضوية من خارج تراثها ولا أن تبني جسورا قوية باتجاه المستقبل من دون الانطلاق من تراثها، او على الاصح من أكثر المكونات عقلانية ضمن هذا التراث. وكان ذلك ردا موفقا على دعاوى ودعاة التغريب السهل الأداتي والشكلاني.
استئناف النظر من حيث انتهى ابن رشد، وليس من حيث انتهى العرافون الذين ناصبوا العداء للعقل وعقلوه في أقصى أقاصي النفوس فأنتج ذلك الاصوليات والدوغمائيات والتزمت.
بتلك المعاني، فإن نقد العقل العربي، وهي المهمة التي نذر لها الجابري حياته المهنية الحافلة هي في نفس الوقت دعوة مفتوحة الى تأسيس الفكر السياسي والممارسة السياسية، على منطلقات معرفية صلبة، وإلا فإننا سنبقى نراوح مكاننا بين أطلال العرفان والجاذبية الخادعة للطوباويات والطابع الشكلاني للمؤسسات.'
وذكر الكاتب محمد ساعف ( رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية) في تصريح أوردته صحيفة 'التجديد'، أن الراحل كان ''إنسانا كبيرا وأستاذا كبيرا، ورجلا مارس السياسة بشكل قوي، مضيفا أن الجابري كان يتميز دائما ببصمة ليست متوفرة في الحقل السياسي والحقل العلمي، وهي نوع من العطاء الغزير والكرم الفكري وتشجيع الأقلام الشابة في مجالات العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية بشكل عام'.
وأشار بالقول: 'الجابري الأستاذ ترك آثارا قوية وعميقة في النظام التعليمي. كان يكتب ويمارس السياسة ويدرس في نفس الوقت، ولكن أبدا ما كانت مشاريعه الفكرية أو انشغالاته السياسية على حساب علاقته بالدرس، كان دائم الحضور في قسمه، يباشر دروســــــه بشكل جدي ومنتظم ويؤطر طلبته كما يجب، حياته كلها كانت في التدريس إلى جانب الإشراف التربوي، والمراجع التي تركها تشهد على المجهود البيداغوجي الكبيــر الذي قام بــه، 'مضيفا' الجابري في الجانب السياسي عاش مرحلة بكل تناقضاتها، وكتاباته تشهد على تلك التناقضات كما عاشها، كما أنه كان رجل أخلاق متشبثا بقيم وخيارات أساسية، أما الجابري في جانب الإنتاج الفكري، فكل مؤلفاته ـ رحمه الله ـ كانت محطات أساسية للفكر العربي يُشهد له بأهميتها، لقد ترك الراحل آثارا قوية في الحقل السياسي الفكري والثقافي والعربي، وفكره لا زال حاضرا معنا وستكون آثاره قوية في المستقبل'.
وفي الإطار نفسه، اعتبر الكاتب عبد الصمد بلكبير (عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي) أن وفاة الجابري خسارة وطنية وعربية وإسلامية، مشيرا إلى أنه كان رجلا له تاريخ في النضال الوطني والديمقراطي، وتاريخه نظيف ومردوديته عالية في الجامعة والبحث العلمي ومردوديته أكبر وإنجازاته ذات وتيرة خاصة عندما ابتعد نسبيا عن أجهزة العمل السياسي واعتكف على البحث العلمي، وأضاف بالقول 'أعظم ما تحقق على يديه هو التقارب على صعيد النظر والعمل، بين من يوصفون بالحداثيين ومن يوصفون بالإسلاميين، وتمكن من بناء صرح للأجيال المقبلة عليه أن تستثمره وأن تمضي فيه، نرجو أن تعوض خسارته بمن يخلفه في الأجيال القادمة'.




http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\11qpt89.htm&storytitle=ffاقتحام%20مجاهل%20جديدة%20غير%20مألوفة%20في%20التراث%20العربي%20الإسلاميfff&storytitleb=في%20أربعينية%20المفكر%20العربي%20الراحل%20الدكتور%20محمد'عابد%20الجابري:&storytitlec=






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807307 :: Aujourd'hui : 1710 :: En ligne : 11