البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-05-14
من وهم المحاكاة إلى سيمياء النص

yyy

عابد اسماعيل
تتخطى نظرية النص حدود الرؤية التقليدية للأدب، وتتجاوز مضمون الخطاب الأدبي، لتذهب إلى تحليل مكوناته الجمالية والبلاغية واللغوية، وتتناوله ككينونة بنيوية ولغوية مستقلة، مؤلفة من منظومة سيميائية متراصّة، يتمّ سبر أغوارها في سياق تداولي، عبر تفكيك شفراتها المضمرة والظاهرة، واحترام كثرتها وتعدّدها وتناقضها. هنا يطرح النص نفسه كإشكالية نقدية معقّدة، تجعله يتمايز ويختلف عن مفهوم الأدب كما طرحه سارتر في نهاية الأربعينيات، والذي استند إلى رؤية أيديولوجية للعمل الأدبي، تطورت مع الناقد رينه ويليك إلى ما أسماه نظرية الأدب، التي حاولت الابتعاد عن الفكر التقليدي، المثالي، لكنها ظلت مشروطة بفهم معرفي وثقافي راسخ للظاهرة الأدبية.
ويشير الناقد الجزائري حسين خمري في كتابه الجديد (نظرية النص)، الصادر عن الدار العربية للعلوم (2007)، إلى أن نظرية الأدب ظلت ردحاً من الزمن أسيرة مقولات الفلسفة اليونانية، وعلم الجمال الكلاسيكي، ممثلاً بكانط وكروتشه، ولم تستطع أن تتخلّص من النظرة المثالية للفن، حتى أتت بداية السبعينيات، وأسّس الناقد فان دايك ما يُسمّى بعلم النص، الذي يقدّم الأدب «بوصفه منظومة نصّية داخل نموذج ثقافي محدد»، خاضعة لمنطق داخلي قوامه علامات وإشارات لغوية تفرزها ثقافة معينة. وكان تحوّل النص من السياق النفسي والاجتماعي والثقافي إلى السياق السيميائي واللغوي والبلاغي، بمثابة نقلة نوعية في تاريخ النقد الحديث، وبات يُنظر للأدب بوصفه حقلاً من علامات لغوية متفاعلة، تتناغم وتتقاطع في تنسيق وتنظيم مختلف عن الواقع. أي ان نظرية المحاكاة سقطت، ولم تعد وحدها صالحة لتفسير النص وعلاقته بالعالم. وقد تأثرت هذه النظرة كثيراً باللسانيات البنيوية التي تقوم على تحليل مظاهر العلامة الأدبية ونشاطها السيميائي، ومنها استمدّ علم النص استراتيجيته وأدواته. ويميز خمري بين نظرية النص، التي هي تأمل في الخطاب الأدبي، وبين علم النص، الذي هو قراءة للقراءة، يأخذ من نظرية النص مجالاً لنشاطه، ويقوم بتفكيك الأسس التي ينهض عليها المعنى في غيابه وحضوره. وهذا يعني أنّ أي نص هو، في الواقع، قراءة سيميائية، بلاغية، للواقع، مثلما هو قراءة للنصوص الثقافية الموجودة في الحقل الثقافي العام.
التركيب والانسجام
ويعرّف خمري مفهوم النص بأنه نظام إحالي، يتجاوز الدلالة المعجمية، وهذا يجعل منه مفهوماً إشكالياً لسببين: الأول عدم استقراره والثاني محاولة كل حقل من حقول المعرفة استغلاله لأهداف إجرائية. إنّ ما يجعل النص نصاً ميزتان اثنتان هما «التركيب» وهذه تتم على مستوى الشكل، أي العلاقات بين الكلمات؛ و«الاتساق» وهذه تمثّل الخيط المعنوي الذي يربط بين الكلمات، وتتعلق بمستوى الدلالة. والتركيب في مستوى البنية يعني «التماسك» (cohesion)، وهذا يتم لوصف علاقة الوحدة على مستوى البنية الصغرى للنص، في حين أن الاتساق يشير إلى مفهوم «الانسجام» (coherence) وهذا يتم لوصف الوحدة على مستوى البنية الكبرى. ويؤكد خمري أن سمة انسجام النص ليست مجرد عنصر زخرفي، بل تتوزّع على كامل مساحة النص ونسيجه. من هذا المنظور، وبسبب إسهامات رولان بارث، الذي نجح بتقديم «النصوصية»، كبديل للمحاكاة، عبر قوله إن الكتابة لم تعد مجرد تسجيل لأحداث تجري، أو فضاء للتعبير الذاتي الوجداني، فإنّ النص نجح بتقديم نفسه كسلسلة من الاقتباسات والإحالات التي تكمن وظيفتها في الاختلاف الدائم عن الواقع. وهذا ما يفسّر مقولة ديريدا الشهيرة أن «لا شيء يقع خارج النص». ويميز خمري بين النص الحي والنص الميت، مشيراً إلى أنّ النص الذي يفتقر إلى كثافة ثقافية، ويتساوى فيه الدال مع المدلول، مثل رسالة شخصية أو خطبة سياسية، هو نص مقفل أو ميت، له وظيفة نفعية محددة.
ويسهب خمري في تحليل وظائف النص، مشيراً إلى أنّ للنص وظيفة تنظيمية باعتباره علامة تتحرك داخل فضاء ثقافي، وله وظيفة اجتماعية تتمثل في أخذ النص للتجربة الحياتية واستثمارها ضمن دلالة معينة، وله وظيفة تناصّية تحددها الجدلية القائمة بين الذات والآخر، وله وظيفة تأثيرية مرتبطة بالأثر الذي يتركه في وجدان القارئ، وله وظيفة جمالية مرتبطة بالمتعة الخالصة التي يولّدها، وله وظيفة سيميائية كونه يشتغل بواسطة الرموز والعلامات لإنتاج المعنى، وله وظيفة ثقافية لأنّ كل نص هو في حقيقته حدث ثقافي، فضلاً عن الوظيفة التواصلية التي تجعل من النص معبراً لاستمرار الحوار بين الكاتب والمتلقي. وهذه الوظائف تتقاطع وتتكامل في لحظة إنتاج النص. من هنا يركز خمري على كيفية وشروط إنتاج النص، فيؤكد أن النص لا يولد من فراغ، بل يتم إنتاجه من خلال النصوص السابقة أو المتزامنة معه، فتارة يقتبس منها، وتارة يضيف إليها. طوراً يشرحها وطوراً يفسّرها ويؤولها، كما هو الحال مع النص القرآني، الذي أنتج منذ نزوله، وعلى مدى خمسة عشر قرناً، عدداً لا يحصى من التفاسير، بمختلف توجّهاتها الفقهية والمعرفية والتاريخية والبلاغية، والتي بات يُنظر إليها كنصوص موازية، باعتبار أن التفسير هو كتابة عن الكتابة، وتأويل للتأويل. ومن النصوص التي أنتجت نصوصاً أخرى أيضاً شروح مقامات الحريري، وشروح ديوان الحماسة، على سبيل التمثيل لا الحصر. وتلعب الترجمة دوراً مفصلياً في تشكيل النصوص وتكاثرها، خاصة أن نقاداً كباراً أقرّوا باستحالة الترجمة الدقيقة، ومنهم من اعتبرها خيانة للنص، فالجرجاني لاحظ أن بنية الجملة تختلف من لغة إلى أخرى، والفرنسي لاكان رأى أن لكلّ مفردة لاوعياً خاصاً بها يجعل ترجمتها شبه مستحيلة، وطرح الجاحظ فكرة استحالة الترجمة، في حين أشار ابن قتيبة إلى صعوبة ترجمة القرآن إلى الألسن الأخرى، وذلك بسبب طبيعة اللغة العربية واتساعها في المجاز. من هنا تتعدّد وتتنوع الترجمات، مثل ترجمة رباعيات الخيام إلى العربية، التي ظهرت في نسخ مختلفة قام بها مترجمون كبار من أمثال وديع البستاني ومحمد السباعي والسيد الهاشمي وجميل صدقي الزّهاوي وأحمد رامي.
فضاء النص
ويتصدى خمري لمفهوم فضاء النص، ويرى أن تتابع الكلمات والجمل على الصفحة البيضاء يشكل فضاءً معيناً، يعكس الفضاء الأوسع للثقافة الذي تتحرك فيه النصوص. وبالنسبة للنصوص ذات البنية الخطية التسلسلية كالحكاية الشعبية، تكون الحركة في شكل سهم، لأنّ النهاية مرسومة منذ البداية. ويحلل خمري كيف أن البداية والنهاية تمكّنان القارئ من العبور من العالم الواقعي المحسوس إلى عالم النص، مشيراً إلى أن فضاء النص لا يتوقف عند النص الواحد، فثمة الهوامش المرفقة التي تدخل في تشكيل فضائه كالإهداء والعنوان والاستهلال والحواشي والرسوم، وسواها. بل إن بداية النص غالباً ما تكون مؤشراً على وجوده وهويته، وهي مرعبة وخطرة، لأنّ النص، حسب ما يذهب إليه يوري لوتمان، منظّم، «ومتّجهٌ ليس باتجاه نهايته، ولكن باتجاه بدايته». ونعلم أنّ الشعر الجاهلي وضع معايير للقصيدة، فالبداية يجب أن تنطلق من الوقوف على الأطلال، ثم التغزل بالحبيبة، فوصف الرحلة، ثم الصحراء. وقد ثار أبو نواس على البداية الطللية، واعتبرها عُرفاً عقيماً كما يوحي بيته الشهير «قل لمن يبكي على رسم دَرَس». وتقول كتب التاريخ أن امرأ القيس هو أول «من وقف واستوقف وبكى واستبكى». ويستنتج خمري أن البداية في العمل الأدبي «تعتبر بمثابة المولّد للعديد من الدلالات التي تمتدّ على مستوى فضاء النص». في حين أن «نهاية» النص تمكننا من رسم حدوده وانغلاقه على ذاته، رغم أن نهاية الرواية مثلاً لا تعني عجز الروائي عن مواصلة السرد، بل تعكس رغبته بوضع إطار عام للحبكة. وإذا كانت البداية مفزعة للكاتب، فالنهاية لا تقل عنها رعباً، لأنّها آخر الكلام ونهاية كلّ خطاب، وآخر ما يبقى في الأسماع، كما يقول ابن رشيق.
ويركّز خمري على أهم النظريات التي ساهمت بتشكيل مفهوم النص في الثقافة العربية الإسلامية، فالنص، تراثياً، جاء ضمن «منظومة مفاهيمية متكاملة ومتداخلة»، وهنا يستعرض الناقد مفهوم النص معجمياً لدى ابن منظور في لسان العرب؛ وفقهياً لدى منشئ الأصول الإمام الشافعي؛ ثم يعرض لآراء أبي حامد الغزالي؛ ويعرّج على موقف السجلماسي، الذي يرى عدم وجود تناقض بين المجازية والنصوصية؛ ويحلل آراء ابن حزم، الذي يسمّيه خمري بشيخ الظاهرية، الذي زاوج بين مصطلحي النص والظاهر، لكي ينسجم مع اتجاهه الفكري، الرافض لكل تأويل باطني. وكان النص القرآني في كل هذه القراءات يتجلّى كمركز استقطاب للتأمل، فكان أن أدخل التراثيون مفهوم النص ضمن منظومة مفاهيمية تتوزع على محورين: محور «الوضوح» الذي يشير إلى خصائص أربع هي: الظاهر/ النص/ المفسر/ والمحكم؛ ومحور «الغموض» الذي يشير بدوره إلى خصائص أربع هي: الخفي/ المشكل/ المجمل/ والمتشابه. وهذه الخصائص ارتبطت بالتفاسير المتعددة للنص القرآني، ويبرز اسم أبو بكر بن أبي سهل السرخسي (توفي 490 للهجرة) كأحد أهم المنظرين لقيم الوضوح والغموض في النقد التراثي العربي، وقد اعتمده خمري أساساً للبحث والمعاينة في مبحث أصول النص.
واستكمالاً للبحث في الأصول، يدرس الناقد مفهوم دلالة النص ضمن السياق اللغوي والسياق التداولي، مركزاً على المكانة التي يحتلها اللفظ داخل كل سياق على حدة، وخاصة فهم الجرجاني لعلاقة الألفاظ بعضها ببعض، وكيف أن اللفظ ليست له دلالة ثابتة، «إنما تتغير دلالته بتغير مواقعه داخل النسق الجملي». ويستنتج خمري أن الدلالة عند نقاد الأصول تتحرك دوماً ضمن حقل معرفي واسع، ابتداءً من علوم العربية إلى المنطق إلى علم الكلام، وذلك في سعي للقبض على المستويات المختلفة للدلالة. وفي تحليله لسياق النص في المفهوم التراثي يرى أن النقاد القدامى اعتبروا النص القرآني نموذجاً أعلى تتم مقارنته دوماً بما سبقه من بلاغة، وخاصة الشعر الجاهلي، ويسوق خمري رأي أدونيس في النظرة إلى القرآن الذي قُرئ في سياقين، الأول في ضوء البيانية الشفوية الجاهلية، والثاني في ضوء ما يسمّيه أدونيس «شعرية الكتابة»، المتأثّرة بنظرية النظم عند الجرجاني، والتي كان مهّد لها أبو بكر الصولي في كتابه «أدب الكتاب». أما عن مفهوم بنية النص تراثياً، فيلاحظ خمري أنّ العرب في نقدهم لبنية القصيدة اهتموا بالبيت الواحد، وأجزائه ومطالعه ومقاطعه وعلله وزحافاته، وقرروا أن أحسنه ما استقلّ بذاته وانفرد بمعناه، وساقوا ذلك على فهمهم لبنية النص القرآني، فحدّدوا بنية الآية، باعتبارها نصاً قصيراً، يقابلها في الشعر البيت الواحد، فالآية تتكوّن من بداية تُسمّى رأس الآية وخاتمة تسمى فاصلة الآية، والتي قارنها علماء الشعر بالقافية. وتميّزَ تراثياً بدر الدين الزركشي في إضاءة بنية النص القرآني، وابن قتيبة في إضاءة بنية النص الشّعري.
إن أهم ما يلفت الانتباه في كتاب خمري، القيم والشيّق حقاً، والذي تجاوز الخمسمئة صفحة من القطع الكبير، هو أسلوبه السلس والمتماسك، الرّهيف والرصين، الذي يصقله فهم الكاتب العميق لنظريات النقد الحديث، ودرايته الموسوعية بقضايا التراث ونصوصه المؤسّسة. فالكتاب يدمج بين جماليات الأصول وقيم الحداثة، مقدماً قراءة نقدية شاملة لأصول نظرية النص وتطورها، وأهم المنعطفات الفكرية التي مرّت بها، قديماً وحديثاً.
(دمشق)
http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=824&WeeklyArticleId=32588&ChannelId=4344&Author=%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807326 :: Aujourd'hui : 1730 :: En ligne : 12