البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-04-27
الوجودية بين الأدب والفلسفة

yyy

 


د. بُرهان شاوي

?-1-
في العام 1909 صدر في موسكو كتاب بعنوان ( دستويفسكي ونيتشة) للمفكر الروسي والباحث الأدبي ( شيستوف) الذي اطلق فيه، ولأول مرة، صفة ( الوجودية) على دستويفسكي، مؤكدا بأن فلسفة دستويفسكي هي الرفض المطلق للعالم وعدم الثقة بالمستقبل، مثلما هي فلسفة المأساة والقسوة، كما أكد نظرته إلى ( دستويفسكي) باعتباره (وجوديا) في كتابه الثاني الذي صدر بعنوان( تأمل وإلهام)، فهل كان دستويفسكي (وجوديا) حقا؟
- 2 -
في مقالة (الفلسفة والشعر) للفيلسوف الألماني (هانز.ج.غادامر) هناك ملاحظتان متميزتا الأهمية، أولهما: إن الفلسفة لاقت تحديات متعددة خلال مسيرتها، لاسيما من قبل بعض الفلاسفة العظام أمثال: كيركيجورد ونيتشة، وغيرهما، ممن تمردوا على الروح الأكاديمية للفلسفة التي تاهت عندما توغلت في مجالات البحث التاريخي، وفي أروقة المشكلات المعرفية، فأغتربت عن ذاتها، على الرغم من أن التحدي الأكبر واجهها حينما سطعت نجوم جديدة وكبيرة في سماء الفكر فحجبت أضواء الفلسفة، وكانت هذه النجوم قد سطعت في سماء الأدب، ومن مدار الرواية بالتحديد، وهذه النجوم هي: ستندال، بلزاك، زولا، جوجول، دستويفسكي وتولستوي.
وتعقيبا على هذه الملاحظة تأتي الملاحظة المهمة الثانية والتي تؤكد بأن الفلسفة لم تسترد عافيتها ومصداقيتها إلا حينما اقترب فلاسفة (الوجود) أمثال: هايدجر،نيتشة، كيركغورد، ميرلوبونتي، ياسبرز، بجرأة من حدود اللغة الشعرية.




? هاتان الملاحظتان المهمتان تؤكدان على أن (نجوم الرواية) حجبوا أضواء الفلاسفة، ومن بين هاتيك النجوم نجد (دستويفسكي)، الذي نتوقف عنده في هذا المقال. إلى جانب تأكيد عودة العافية إلى الفلسفة حينما اقتربت من اللغة الشعرية، بحيث تداخلت الفلسفة واللغة الشعرية فصار النص حمال أوجه، فمرة هو نص فلسفي، ومرة هو نص أدبي. ولنا في ( هكذا تكلم زرادشت) لنيتشة المثال الأبرز. إلا أننا أردنا هنا، من خلال هاتين الملاحظتين، أن ندخل إلى إشكالية الفلسفة ( الوجودية) وحدودها بين ( الأدب) و(الفلسفة).
- 3 -
حينما يتم تقويم (سارتر) أدبيا، مثلا، فان الفلسفة (الوجودية) هي الفنار والدليل ومفتاح الحل لفهمه وفهم عالمه الأدبي، من حيث أن سارتر فيلسوف وجودي، بالمعنى الأكاديمي والإصطلاحي لهذه الكلمة. وقد جسد فهمه للوجود من خلال نصوصه الفلسفية الصريحة، وفي مقدمتها ( الوجود والعدم)، أما أعماله الأدبية، مسرحياته ورواياته وقصصه، فهي ترجيعات وأطياف ونبضات لتلك الفلسفة التي كان يؤمن بها.
وكذا الأمر مع (كامو)، فلا يمكن التعامل مع روايات (الغريب) و(الطاعون) و(الموت السعيد) أو مسرحياته (كاليجولا) و( العادلون) دون الاعتماد على كتاب (أسطورة سيزيف)، الذي هو نص فلسفي اقترب إلى حدود التماهي من اللغة الشعرية والموضوع الشعري، وبالتالي ليس غريبا أن يتم التعامل مع (سارتر) و(كامو) كفيلسوفين (وجوديين)، لكن كيف التصقت صفة ( الوجودية) بدستويفسكي وهو لم يكتب أي نص فلسفي مباشر، ولم يبشر بالفلسفة الوجودية!!
- 4 -
تسللت (الوجودية) إلى الثقافة العربية المعاصرة ك(فلسفة) من بوابة (الأدب) أيضا، عبر ترجمات أعمال (سارتر) و(كامو) و(جبريل مارسيل) و(ميترلنك)، وغيرهم، بل حتى (هكذا تكلم زرادشت) لنيتشة تم التعامل معه كنص أدبي وجودي فائق الشاعرية أكثر مما تم تفحصه كنص فلسفي، ولم يتم التعامل المباشر مع الفلسفة (الوجودية) من خلال نصوص كبار فلاسفتها، فحتى الكتب التي ترجمت إلى العربية كانت تبحث في شرح تيارات الفلسفة الوجودية وليس ترجمة نصوصها مباشرة، ناهيك أننا تعرفنا على (الوجودية) من خلال النقد( الماركسي) الدوغمائي الرافض لها باعتبارها تعبيرا عن أزمة الفكر البورجوازي الغربي، وباعتبارها حركة مشبوهة أنتجتها دوائر الإستخبارات الغربية لحرف الشبيبة عن خط النضال السياسي ضد الرأسمالية!!!!
فحتى الآن لم تترجم إلى العربية النصوص الفلسفية (الأساسية) لكيركيغورد، هايدجر، ياسبرز، هوسرل، وغيرهم، ومن هنا فان (وجوديتنا) هي وجودية (أدبية)، أي أنها تعتمد على رؤى أدبية، وليس لها أساس فلسفي نظري صلد، وربما يكون( عبد الرحمن بدوي) إستثناءً، فقد تعرف على المصادر الأساسية لهذه الفلسفة بلغاتها الأصلية. علما أن التراث العربي تعرف على الوجودية بهذا المفهوم الأدبي من خلال بعض أبيات معلقة (طرفة بن العبد) وخطبة (قس بن ساعدة) وأشعار المتنبي والحلاج!
- 5 -
إن مفهوم ( الوجودية) في علوم الأدب له علاقة بالملامح الشعرية، والعزلة، والنبرة المأساوية، والتوحد بالوجود، والاغتراب، ومن هنا فهي مفهوم فضفاض، بينما (الوجودية) فلسفة نظرية مؤسسة، وتوجه، وأسئلة، وموضوعات تحتضن جوهر الوجود، بالرغم من أن الباحث (باول تيلخ) يؤكد على أن (الإحساس الوجودي) بالعالم سبق (الثورة الوجودية) التي (بدأت) في الأدب والفن من خلال التمرد على ثنائية الذات والموضوع، وكرد فعل على الحتمية التاريخية، أي من خلال المواجهة بين القلق الوجودي والنظريات الباردة.
إن القاسم المشترك بين (الوجودية) الفلسفية هو مفهوم (الإنسان)، حيث تطرح الفلسفة(الوجودية) مصير الإنسان الفرد، بل ومعنى الوجود البشري ككل، كقضية مركزية ومحورية. ومن هنا كان التقارب بين (دستويفسكي) و(الوجودية)، بل إن الحديث عن (وجودية) دستويفسكي يُقصد به تناوله لمسألة أزمة الوجود البشري، ومن هنا يرى الباحث (فالتر كوفمان)، وهو من المفكرين المتخصصين بالفلسفة الوجودية في كتابه (الوجودية من دستويفسكي إلى سارتر) بأن أعمال دستويفسكي هي مدخل إلى الفلسفة الوجودية، وبالتحديد تيار (الوجودية المؤمنة)، ويضعه إلى جانب جبريل ملرسيل وبرغسون.
-6-
بعض المتخصصين بالفلسفة الوجودية يرفض اعتبار دستويفسكي (وجوديا)، والكثير منهم لا يرفض لكن يتردد في القبول، ومن بين الرافضين لاعتباره (وجوديا) هي الباحثة الأدبية الروسية (آ. لاتينيا) التي ترى بأن كل قضية لدى دستويفسكي يمكن بسهولة إيجاد نقيض لها ، وعند دستويفسكي نفسه. فبطل (الجريمة والعقاب) المدعو (راسكولنيكوف)، المتطرف إلى أقصى حدود الحرية، والمتمرد بعنف، والمشحون بالقلق الوجودي، ليس بطلا (وجوديا)، فهو ليس مثل (ميرسو) بطل رواية (الغريب) لكامو، فهو يتألم ويتعذب، لا من ظلم المجتمع، وإنما لأنه عُزل روحيا عن الإنسانية، كما أنه لا يشعر باللامبالاة التي يتسم بها أبطال سارتر وكامو، إذ أن أبطال دستويفسكي (مأساويون) لأنهم يعون أن تمردهم لا جدوى منه، فالمصير معد سلفا، كأبطال التراجيديا اليونانية.
هذه الملاحظة أكدها الباحث الأدبي (غوس) في كتابه المهم (دستويفسكي وتولستوي)، فهو يرى بأن تولستوي كاتب (ملحمي) يذكرنا بهوميروس، بينما دستويفسكي كاتب (تراجيدي) يذكرنا بكتاب التراجيديا اليونانية أمثال سوفكليس وإسخيلوس ويوربيدس، إذ أن أبطاله يتمردون على مصيرهم الذي لا يستطيعون أن يغيروه، لأنه أُعد لهم سلفا من قبل قوى الغيب.
- 7 -
هناك ملاحظة مهمة للمفكر الروسي (نيقولاي بردياييف) يؤكد فيها بأن الفكر الفلسفي الروسي بشكل عام، والمعرفة الفلسفية بشكل خاص، هما فكر ومعرفة روحية يتحد فيهما العقل والإرادة والعاطفة، وتخلو من التمزق العقلاني، وأن دستويفسكي هو أعظم من جسد هذه المعرفة الروحية، ومن هنا فقد كان يعتبره أعظم ميتافيزيقي روسي، وأكبر وجودي، بل إنه يؤكد بأنه مع دستويفسكي يبدأ عصر جديد في تاريخ إكتشاف أعماق الإنسان، فلم يعد تاريخ الأعماق الإنسانية كما كان قبل دستويفسكي، وأن (نيتشة) و(كيركغورد) وحدهما يمكن أن يشاركا دستويفسكي مجد ريادة هذا العصر الجديد.
جوهر اكتشاف دستويفسكي كما يرى (بردياييف) هو أن الإنسان كائن متناقض، مأساوي، تعيس وشقي، وهو ليس معذبا وحسب، وإنما هو يحب الألم والمعاناة أيضا، رغم أن ارسطو في كتابه (فن الشعرية) توصل إلى هذه القضية قبل انتباه (بردياييف) لتناول دستويفسكي لها، لاسيما حينما نتوقف عند عملية (التطهير) لحظة مشاهدة (التراجيديا).
- 8 -
المفكر والباحث (شيستوف) كان يرى بأن الفضيلة الكبرى للفلسفة (الوجودية) هي أنها وضعت الإنسان في مركز الفلسفة، وطرحت قضية المصير البشري الفردي بصراحة مرعبة ويأس كبير، كما أعطت الجواب عن هذه القضية في أن موقف الإنسان من العالم هو موقف عبثي، ولا مخرج من مأساة الوجود، كما أن التطور الاجتماعي والتكنولوجي لا يحل هذه الإشكالية، وإنما يواجه الإنسان مع هذه المأساة أكثر، وأن الأخلاق عاجزة عن حل هذه الإشكالية أيضا، رغم أن (شيستوف) ينتبه إلى قضية مهمة عند (دستويفسكي)، ألا وهي انهيار النزعة الأخلاقية، وما موقف ( إيفان كارومازوف) المتجسد في التمرد على الأديان والنبؤات المسيحية بقيام مملكة المسيح على الأرض، ورفض النظريات الطوباوية في التقدم الإجتماعي والإنساني، إلا مواجهة بين الأخلاق المسيحية المتجلية في شخصية الأخ الأصغر (اليوشا) وبين عجز الأخلاق عن مواساة الإنسان، مما دفعه لتفجير مشاعر القسوة والكراهية ضد الإنسان الفرد، أو البشرية جمعاء.
الباحثة (لاتينيا) ترد على طروحات (شيستوف) مؤكدة على أن دستويفسكي قدّم نقدا للعقل وللوجود الإنساني، لكنه لم يجد الحل في العبث الوجودي ولا في الانتحار. صحيح أن بعض أبطاله ينتحرون هربا من الظلمات الباردة في الأعماق، ومن اليأس، فالحياة بالنسبة إلى هؤلاء هي ألم وخوف، لكن دستويفسكي كان يحتضن هذا الألم المدمر لدى أبطاله بكل حنان وتعاطف وشفقة وسمو إنساني.
- 9 -
في الأدب العربي يمكن التوقف بإمعان عند بعض التجارب الإبداعية الشعرية المشحونة بالقلق الوجودي مثل تجارب محمود البريكان، صلاح عبد الصبور، خليل حاوي، إيليا ابو ماضي، وقبلهم
كما أسلفت في التراث: طرفة بن العبد، المتنبي، الحلاج، وابن عربي، والنفري، وابن الفارض، وغيرهم، والتي تضعنا أمام خط التماس بين ( الفلسفة الوجودية) وبين (اللغة الشعرية) التي تحدث عنها (هانز غادامر) في مقالته ( الشعر والفلسفة)، وربما نجد حشدا من (الأبطال الوجوديين) في الرواية العربية أيضا، لاسيما عند نجيب محفوظ، فؤاد التكرلي، وغيرهم.
وإذا ما كانت (نجوم الرواية) قد حجبت أضواء الفلاسفة في الثقافة الغربية، حسب طروحات (غادامر)، فإن نجوم الرواية العربية لم يحجبوا النور عن أي فيلسوف في طول البلاد العربية وعرضها لأنهم غير موجودين أصلا!!!
وإذا ما كانت عظمة (الرواية الأوربية) قد أتت من خلال الأسئلة التي طرحتها حول المصير الإنساني، ومعنى الوجود، ودور الفرد في التاريخ، فمهدت بذلك الطريق أمام الفكر الفلسفي اللاحق، وأمام الفلسفة الوجودية خصوصا، فأن الرواية العربية بشكل عام لم تصل إلى هذه المرحلة بعد أو بشكل أدق، لم تمهد بعد لظهور فلسفة أو فلاسفة أو حتى لأية حركة فكرية، بل ولا حتى لأية حركة نقدية أدبية متجذرة وواضحة المعالم، وكأنما المجتمعات العربية والثقافة العربية قد قدت من حجر، فالنقد الأدبي في الثقافة العربية يراوح ضمن مدار التجارب النقدية والفكرية الفردية، وربما تكمن (العلة) في مستوى الرواية العربية وعمقها، أو في (سكونية) الفكر العربي المعاصر، وفي (تخلف) البنى الإجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات العربية، ولسطوة التراث، وهيمنة الدين، أو ربما لم يحن الوقت لذلك بعد !!
عن الاتحاد
الرابط
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=print&sid=13851






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809548 :: Aujourd'hui : 1153 :: En ligne : 11