البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-03-25
المناهج الحديثة في قراءة النص الشرعي

yyy

. سليمان الضحيان

ـ منهج نصر أبو زيد ينتزع القداسة من النصوص الدينية
ـ الصدام مع الحضارة الغربية شكّل أكبر محرض على إعادة قراءة التراث

ليس فهم الدين بمعزل عن الواقع ومتعالياً عليه كما يفهم بعض المتديّنين، بل فهم الدين معطى بشري ناتج من جدل النص الشرعي والواقع، ولا يمكن أن تُفهم أسباب نشأة الفرق الدينية ومقولاتها وتحولاتها من دون القراءة الواعية للواقع الذي نشأت فيه؛ لأنها في محصلتها النهائية من إفراز ذلك الواقع، وبناء على هذه المقدمة البدهية في (علم الأفكار) فإن المشروعات الفكرية الحديثة في قراءة النص هي استجابة للتحدي الحضاري الذي فرضه الصدام مع الحضارة الغربية بمقولاتها ومنتجاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تحولت إلى مكون رئيس من مكونات فكرنا العربي الحديث، وإذا أردنا البحث عن بداية لتلك المشاريع فيجب أن نعود إلى لحظة الاحتكاك بالحضارة الغربية. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت محاولات العلماء والمفكرين لإعادة قراءة التراث وطرح مشروعات فكرية للنهوض بالأمة والانعتاق من أسر الحضارة الغربية، فكانت أطروحات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ومحاولاتهم التوفيق بين النص الشرعي وبعض المنتجات الفكرية للحضارة الغربية وظلت أطروحاتهم في قراءة النص الشرعي داخل محيط التداول الإسلامي للنصوص، محتفظة بطريقة الاجتهاد المتعارف عليه في السياق المعرفي الإسلامي، وذلك بإعمال آليات (التأويل) و(وإعمال المصلحة) و(التحسين العقلي)، وغيرها من آليات الاجتهاد المعرفي الإسلامي، ثم في الخمسينيات من القرن العشرين بدأت موجة أخرى من المشروعات الموجهة للتعامل مع النص الشرعي، ومع هذه الموجة بدأت منهجية قراءة النص الشرعي بوساطة المناهج الحديثة وخاصة قراءة القصص في القرآن الكريم كما في أطروحات طه حسين، وأمين الخولي، ومحمد أحمد خلف الله، مستخدمين في قراءتهم لتلك القصص آليات العقل الإنساني التاريخي (1) ، وبداية من نهاية الستينيات وبعد النكسة العربية بدأت الموجة الثالثة؛ إذ اتجهت الجمهرة الكثيرة من المثقفين العرب إلى إعادة قراءة التراث مما شكل ما يشبه الظاهرة، وهو ما دفع جورج طرابيشي إلى تسمية تلك الظاهرة بـ(العصاب الجماعي)، هذه الظاهرة تتكون من عدة تيارات؛ منها ما كانت قراءته على ضفاف النص الديني، ولم تتعامل مع النص الديني مباشرة كالجابري، والعروي، وحسين مروة، وجورج طرابيشي، ومنها تيارات أخرى كانت مجال قراءتها النصوص الدينية نفسها وهي على قسمين: منها ما كانت قراءته ضمن منهج التداول الإسلامي اعتماداً على (التأويل)، كجمال البنا (2) ، ومحمد العشماوي (3).
وقسم آخر من المفكرين كانت مشاريعهم تستمد آلياتها من خارج نطاق التداول الإسلامي للاجتهاد؛ فهي تعتمد على مناهج حديثة في قراءتها للنص؛ فمن المغاربة برز محمد أركون الجزائري، وهو ينحو منحى القراءة التفكيكية للنص الديني والكشف عن (اللامفكر فيه) في ذلك النص - حسب تعبير أركون– مستعينا بمنهج الحفر الأركيولوجي (4)، والقراءة السيميائية (5)، والتاريخية للنص الديني (6)، ومنهم أيضاً عبد المجيد الشرفي التونسي، وهو يعتمد في قراءته للنص على نتائج منهج دراسة الأديان الذي أصبح علماً مستقلاً استفاد من المباحث السوسيولوجية، والأنسنة، واللسانية، والتاريخية الجديدة، إضافة إلى المنهج الظواهري، وعلم الدلالة، والتحليل النفسي (7)، وفي مصر برز حسن حنفي حيث طرح مشروعه الضخم (من العقيدة إلى الثورة) وهو محاولة لإعادة تفسير المقولات الكلامية عن (الله، والغيب، والدين) بتفسير جديد لبث روح عصرية تحمل روح الثورة والتغيير (8)، وحامد نصر أبو زيد ومشروعه الفكري إعادة قراءة النص الديني قراءة تاريخية مستعينا بمنهج الهرمنيوطيقا (الـتأويلية) (9)، وفي الشام برز الطيب التيزيني في مشروعه إعادة قراءة النص الديني من خلال الوضعية الاجتماعية المشخصة المرافقة لنزول النص وتاريخه، مستمداً من خلفيته الماركسية منهجها في قراءة المجتمعات من خلال الصراع الطبقي (10)، ومحمد شحرور واعتمد في قراءته للنص القرآني على المنهج اللغوي المعجمي في تفسير المفردات، دون النظر إلى سياقات الكلام، وذلك بإعادة تفسير الكليات الدينية (الدين، الإسلام، الرسول، النبي) بتفسير لغوي جديد، يحيل إلى معان جديدة، ثم توليد معاني جديدة من هذه الكليات لتفسير فرعيات الدين، واعتمد على المنهج التاريخي في قراءته للسنة (11).
هذه – تقريباً– مجمل المحاولات الحديثة لقراءة النص الديني في أطروحات المثقفين العرب، ومن الاستحالة الوقوف عند كل قراءة في هذا البحث المختصر، ولهذا سنقف عند قراءة حامد نصر أبو زيد، وذلك لأنها – من وجهة نظري- أهم القراءات الحديثة التي طُرحت لقراءة النص الديني في المحيط الثقافي العربي، وهي قراءة تتسم بالعمق والجدة والثراء والتماسك، والخطورة في الوقت نفسه، فقد استطاع حامد نصر أبو زيد تسويق مشروعه الأيديولوجي (العلمانية) من خلال تلك القراءة، ولعل ما يميز حامد أبو زيد – غير مقدرته الفكرية - وعيه العميق بالشروط الموضوعية (سياسياً واجتماعياً وثقافياً) لنجاح المشروعات الثقافية، ولهذا فهو طرح قراءة نقدية لمشروعات التنوير منذ عصر النهضة الحديثة مروراً بطه حسين وانتهاء بزكي نجيب محمود، فيرى أن إصلاحيي النهضة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أخفقوا في إحداث نقلة نوعية في تجديد فهم الإسلام، ويعزو ذلك لعدم مقدرتهم على تجاوز الرؤى السائدة وسط أغلب المسلمين، بأن القرآن يجب أن يطبق في كل الأماكن والأزمنة، وفي سبيل التوفيق بين نصوص القرآن والمعضلات الفكرية التي طرحتها الحضارة الغربية آثر أغلب الإصلاحيين –من وجهة نظره- التعامل مع القرآن بطريقة برجماتية؛ فهم يستحضرون فقط الآيات التي تلائم مقاصدهم، ويتجاهلون تلك التي لا تتلاءم مع هذه المقاصد، ويرى أن هذا التوجه قد هيمن على أغلب التيار الإصلاحي الإسلامي إلى الآن، ومن هنا فهو ينادى بمشروع ينقل الإصلاح الديني إلى داخل (النص القرآني نفسه)، وذلك بإعادة قراءة النص قراءة تاريخية، وقبل أن نتحدث عن فكرته حول تفسير النص، نُعَرِّف بمدلول مصطلح (التاريخية)؛ التاريخية كما يعرفها آلان تورين هي (المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به ووسطه التاريخي الخاص به أيضاً). ويضيف آلان تورين: (ما سوف أدعوه بالتاريخية هو إذن الطبيعة الخاصة التي تتميز بها الأنظمة الاجتماعية التي تمتلك إمكانية الحركة والفعل على أنفسها بالذات وذلك بوساطة مجموعة من التوجهات الثقافية والاجتماعية) (12).
التاريخية بهذا المعنى هي النظر إلى النصوص الثقافية على أنها إنتاج ثقافي محكوم بالحقل الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع وفق ظروفه التاريخية والجغرافية، هذه الرؤية الثقافية للنص هي نفسها التي دعا إلى إعمالها نصر جاد أبو زيد في التعامل مع النصوص الثقافية عامة (كل النصوص تستمد مرجعيتها من الثقافة التي تنتمي إليها) (13)، فهو لا يفرق بين النص البشري والنص القرآني، فهما عنده متساويان من حيث قوانين التكون والبناء وإنتاج الدلالة (النص القرآني يستمد مرجعيته من اللغة... وإذا انتقلنا إلى الثقافة قلنا إن هذا النص منتج ثقافي) (14) منتج ثقافي باعتباره محكوماً بالقوانين الداخلية البنيوية والدلالية للثقافة التي ينتمي إليها (ليست النصوص الدينية نصوصاً مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال والمصدر الإلهي لتلك النصوص لا يلغي إطلاقاً حقيقة كونها نصوصاً لغوية بكل ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي) (15)، وهو في الوقت الذي يرى أن مصدرها إلهي إلاّ أنه يرى أنها بخضوعها لقوانين الثقافة الإنسانية فهي قد تأنسنت من هذه الحيثية (إن النصوص دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهي لا يخرجها عن هذه القوانين؛ لأنها تأنسنت منذ تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدد، إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير؛ فالنصوص ثابتة في المنطوق متحركة متغيرة في المفهوم، وفي مقابل النصوص تقف القراءة محكومة أيضاً بجدلية الإخفاء والكشف) (16)، وإذ قرر أن القرآن في محصلته النهائية منتج ثقافي مفارق لمصدره الإلهي، فهو يخضع – شأنه شأن أي نص ثقافي – للمناهج الحديثة في قراءة النصوص كـ(الهرمنيوطيقا)، و(السيموطيقا)، وغيرها من المناهج؛ وذلك لأن النصوص القرآنية (دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءًا منه يجعل من اللغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل) (17).
وقد حاول أبو زيد تسويق نظرته التاريخية للنص القرآني من داخل التراث وذلك بالاتكاء على القول بخلق القرآن عند المعتزلة؛ فهو يرى أن القول بتاريخية النص القرآني فرع عن النظر إلى الأفعال الإلهية وفعلها بالعالم المخلوق المحدث ولهذا فالقرآن (ظاهرة تاريخية من حيث إنه واحد من تجليات الكلام الإلهي) (18)، وهذا الصنيع من أبي زيد مغالطة معرفية؛ فالمعتزلة قالوا بخلق القرآن مبالغة منهم في تنزيه الله؛ لأنهم يرون أن القول بأن القرآن ليس مخلوقاً الحكم له بالقدم وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء، فلجؤوا إلى القول بخلقه لتنزيه الله وتقديسه، وفي الوقت نفسه ينسبون القرآن لله على جهة الخلق، ونصوصه عندهم لها قدسيتها، ورؤية أبي زيد مضادة لتلك الرؤية تماماً، فقوله في محصلته النهائية التسوية بينه وبين كلام البشر، وذلك أن هذا المنهج الذي يطرحه أبو زيد لقراءة النص الديني يؤدي – من وجهة نظري – إلى أمرين، أحدهما نزع القداسة عنه وتحويله من نص ديني مقدس له خصوصيته إلى نص قابل للنقد، والأمر الثاني: نزع ثبوت الدلالة عن النص نهائياً، وتحويله إلى نص متغير الدلالة حسب الظروف التاريخية للقارئ، وإذا كنا نتفق معه أن ثمة نصوصاً متغيرة الدلالة، فإن الحكم على جميع النصوص الدينية بأنها متغيرة الدلالة تحيل في محصلتها النهائية إلى نسخ الدين مع تعدد القراءات وتغير الوقائع التاريخية، والدين – بصفته ديناً- لا ينفك عن صفة الثبات في أصوله، وفي كثير من تعاليمه وأحكامه (19).



--------------------------------------------------------------------------------
(*) عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
(1) انظر: حامد نصر أبو زيد، نقد الفكر الديني:62-63 ).
(2) انظر كتبه: تثوير القرآن / الإسلام والعقلانية / الإسلام وحرية الفكر
(3) انظر كتابه: أصول الشريعة.
(4) انظر: علي حرب، الممنوع والممتنع ص 117، ونقد النص 69 وما بعدها.
(5) انظر: محمد أركون الفكر الإسلامي قراءة علمية: 32 فما بعدها.
(6) انظر كتابه: تاريخية الفكر العربي الإسلامي.
(7) انظر كتابه: الإسلام بين الرسالة والتاريخ 13، المقدمة: 13-15.
(8) انظر كتابه: العقيدة إلى الثورة، ونقد الخطاب الديني لنصر حامد أبو زيد: 140 فما بعدها.
(9) انظر كتبه: مفهوم النص دراسة في علوم القرآن/ النص والسلطة والحقيقة / نقد الخطاب الديني إشكاليات القراءة وآليات التأويل:13 فما بعدها.
(10) انظر كتابه: رؤية جديدة في الفكر العربي/ الجزء الرابع: النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة.
(11) انظر كتابه: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة/ وانظر: تفسير القرآن الكريم بين القدامى والمحدثين لجمال البنا: ص 202 فما بعدها/ النص والسلطة والحقيقة لحامد نصر أبو زيد: 136 فما بعدها.
(12) محمد أركون الفكر الإسلامي قراءة علمية: 116.
(13) نصر أبو زيد، النص السـلطة الحقـيقة، الفكـر الديـني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة: 8
(14) المرجع السابق 87
(15) المرجع السابق: 92
(16) نصر أبو زيد، نقد الخطاب الديني: 118-119.
(17) نصر أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية: 198.
(18) نصر أبو زيد ، النص السـلطة الحقـيقة، الفكـر الديـني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة: 75
(19) أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين: 225
http://208.43.234.219/bohooth/artshow-86-10336.htm






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807440 :: Aujourd'hui : 1845 :: En ligne : 20