البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-03-20
حوار شامل مع المرجع فضل الله حول قضايا المرأة

yyy

بمناسبة يوم المرأة العالمي، نقدم هذا الحوار الشامل مع سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، الذي أجرته صحفية فرنسية، وتناول موضوعات عديدة عن نظرة المجتمعات العربية والإسلامية إلى المرأة، وحقّ المرأة في الدفاع عن نفسها إذا اعتُدي عليها، وحول مسألة الإرث وإمكان تولي المرأة قيادة الأمة، وفي ما يلي نص الحوار...

نظرة المجتمع إلى المرأة:

* هناك رأي عند شريحة في المجتمعات العربية والإسلامية، بأن دور المرأة محصور في المنـزل، وبتربية الأطفال وتعليمهم، وأنه لا دور لها في الخارج،. فهل تشاركون هذه الفئة رأيها؟

ـ رأينا أن المرأة هي إنسان كامل الإنسانية، وهي، كما تتكامل مع الرجل في مسألة إنتاج الإنسان من ناحية جسدية، تتكامل معه أيضاً في تطوير الطاقات التي ترفع من مستوى الإنسان في الحياة. ونحن نؤمن بأن الأمومة رسالة، وأن لها الدور الكبير في صنع الإنسان وتنميته وتأهيله ليكون إنساناً فاعلاً منتجاً، تماماً كما هي الأبوّة رسالة ومسؤولية، وكما أن الأبوة لا تحاصر الأب في دائرة علاقته بالأولاد، كذلك الأمومة لا تحاصر المرأة في دائرة علاقتها بالأولاد، وإن كانت مسؤوليتها أكثر ارتباطاً بالولد من حيث الإرضاع والحضانة وما إلى ذلك.

ولذلك، فإننا نرى أن من حق المرأة أن تتعلم وأن تحصل على الشهادات العليا، وربما كانت أمومتها تفرض عليها أن تأخذ نصيباً متقدماً من العلم حتى تكون تربيتها للأولاد تربية منهجية، كما أنها يمكن أن تشارك في تطوير العلم من خلال أبحاثها ودراساتها، ومن خلال قيامها بمسؤولية التعليم، لا على المستوى الأكاديمي فحسب، بل على مستوى المجتمع كله.

ونحن في تراثنا الإسلامي نروي أن فاطمة بنت رسول الله محمد(ص) كانت تتعلم عند أبيها(ص)، فكانت تفكر في تطوير ما تعلمته، وكانت لها حلقة واسعة في المدينة المنورة تعلّم الناس ما تعلمته من رسول الله(ص)، لأنها كانت تنطلق من أن الإسلام يعتبر العلم قيمةً تؤصِّل إنسانية الإنسان، وأنّ الإنسان كلما ازداد علماً ارتفعت إنسانيته وارتفع وعيه. حتى إن لدينا نصاً دينياً عن الإمام علي بن أبي طالب(ع) يقول: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، بمعنى أن قيمته هي فيما يملكه من علمٍ وخبرة. والعلم في الإسلام ينطلق في مصادره من دائرتين؛ دائرة التأمل العقلي، ودائرة التجربة الواقعية. ولذلك فالعلم يتحرك في خطين: خط داخلي من خلال المعادلات العقلية التي ينطلق بها الإنسان، وخارجي من خلال حركة البحث والاستقرار والتجربة.

ولذلك، فإننا نعتقد أن من حقّ المرأة، كما من حق الرجل، أن تأخذ بأسباب العلم في أعلى درجاته، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {وقل ربِّ زدني علماً} [طه:114]، فعلى الإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأةً، إذا وصل إلى درجة من العلم، مهما كانت عالية، أن لا يقتصر عليها ويتوقف عندها، بل أن يرتقي في الدرجات حتى يبلغ أعلى مستوى. والعقل تتساوى فيه المرأة مع الرجل، فالمرأة ليست عقلاً ناقصاً، كما يعتقد بعض الشعوب البدائية، بل إن عقلها كعقل الرجل، وكما أن الرجل ينمو عقله بالقراءة والتأمل والتجربة، كذلك المرأة ينمو عقلها بهذه العناصر، وربما تتفوق على الرجل في عقلها عندما تتحرك في تنميته وتقويته بالمعلومات والتفكير.

ولذلك، فإن المرأة هي بنت تتكامل مع أفراد الأسرة في ظلّ أبيها وأمها، وزوجة تتكامل مع زوجها في بناء الأسرة، وأم تتكامل مع أولادها في تنميتهم وتحويلهم إلى عناصر فاعلة، وإنسان تتكامل مع كل الطاقات الإنسانية في إثراء الحياة بما يرفع مستواها.

ولذلك، فإن الأمومة لا تحبس المرأة في سجنها، ولكنها تمثِّل أحد عناصر العطاء والتضحية والبذل والحركية التربوية إلى جانب العناصر الأخرى التي تكمل إنسانيتها.

وهناك نقطة أحبُّ أن أشير إليها، وهي أن العقد الزوجي لا يجعل المرأة ملكاً للرجل، فالمسؤولية التي يفرضها هذا العقد على المرأة هي نفسها التي يفرضها على الرجل، وهي مسؤولية العلاقة الجنسية، فالعقد يلزم الرجل بأن يفي بالتزاماته في تلبية حاجات المرأة الجنسية في الحالات الطبيعية، ويلزم المرأة أيضاً بذلك، والعقد الزوجي لا يفرض على المرأة من الناحية القانونية أن تقوم بأشغال البيت أو بتربية الأولاد أو بإرضاع الأطفال، بل عمل المرأة في البيت من الناحية القانونية هو عملٌ تستحق عليه الأجر، حتى في مجال تربية الأولاد.

ولكن الإسلام يتوجه إلى المرأة بأن تعطي من نفسها لبيتها وزوجها وأولادها، على أساس أن الجانب الإنساني في العلاقة الزوجية يتقدم على الجانب القانوني، لأن الله تعالى يقول: {وجعل بينكم مودةً ورحمة} [الروم:21]، فالمودة والرحمة هي التي تحكم طبيعة العلاقة الزوجية بعيداً عن المسألة القانونية في الحقوق والواجبات، لأن الإسلام يؤكد أن العلاقات الإنسانية تتحرك في دائرتين؛ دائرة القانون الذي يحدد الحقوق والواجبات بالنسبة إلى علاقة الإنسان مع الإنسان الآخر، والدائرة الإنسانية التي تنطلق من الحالة الأخلاقية التي يعطي فيها كل شخص الآخر ما لا يجب عليه قانوناً.

بعض الناس قد يتساءل عن معنى قوله تعالى: {الرجال قوّامون على النساء} [النساء:34]، فقد يفهم من هذه الآية أن الرجل هو المشرف على المرأة، وكما ورد أيضاً في التعاليم المسيحية أن الرجل هو رأس المرأة وتاجها. ولكنّ القوامة في الإسلام تعني الإدارة، بمعنى أنّ الرجل هو الذي يتحمل مسؤولية الإنفاق وإدارة البيت الزوجي، ولكن من الطبيعي أن يتشاور مع المرأة، لأن الله تعالى يقول: {وعاشروهنّ بالمعروف} [النساء:19]، والمعاشرة بالمعروف تعني احترام إنسانية الطرف الآخر، واحترام عقله ورأيه في الأمور المشتركة بينهما.

حق المرأة بالدفاع عن نفسها:

* هل هذا ينطبق على مضمون الفتوى التي أصدرتها من أنه يحقّ للمرأة أن تردّ على الرجل وتدافع عن نفسها في حال اعتدى عليها؟

- نحن أثرنا في الفتوى مسألة حق الدفاع عن النفس الموجودة في القانون الإسلامي، فالآية القرآنية تقول: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194]، فإذا حاول الرجل أن يستغل ضعف المرأة أو عدم وجود وسيلة يمكن أن تمنعه من الاعتداء عليها، فلها الحق في أن تواجهه بالمثل لتدافع عن نفسها وتحمي نفسها من عدوانه، لأن الرجل قد يعيش عنفوان الذكورة والفحولة، فقد يكسر لها يدها أو رجلها أو يفقأ عينها أو يصيبها ببعض الأشياء الدامية، عندها يحق لها أن تدافع عن نفسها بالطريقة التي يعتدي فيها عليها. ومن المؤسف أن بعض رجال الدين اعترضوا علينا في هذه الفتوى، وقالوا: إنها تؤدي إلى اهتزاز الحياة الأسرية والزوجية، وقلنا لهم إن الذي يؤدي إلى هذا الاهتزاز هو عدوان الرجل.

ونحن نقول للمرأة إنّ من الأفضل لها أن تحافظ على الجانب الأسري، ولكن عندما تضطر إلى الدفاع عن نفسها، بحيث لا يكون هناك وسيلة أخرى تردّ اعتداءه، فإن لها الحق في أن تتدرّب لتملك القوة التي تستطيع من خلالها أن تدافع عن نفسها.

إننا نعتقد أن حق الدفاع عن النفس هو حق إنساني، فكما أن للمرأة الحق في الدفاع عن نفسها إذا اعتدى الرجل عليها، فللرجل أيضاً الحق في الدفاع عن نفسه إذا كانت المرأة أقوى منه، كما إذا كانت المرأة مدربة تدريباً قتالياً مثل الجودو والكاراتيه أو غير ذلك، لأن حق الدفاع عن النفس هو حقّ إنساني للرجل وللمرأة معاً. ونحن نوصي النساء بأن يتدربن على وسائل القوة، وخصوصاً أن الرجال، حتى في البلدان الغربية المتحضّرة وغيرها، يستغلون الضعف الجسدي للمرأة من أجل اغتصابها أو الاعتداء على حقوقها في الإدارات. لذلك فإنّ للمرأة الحق بأن تملك عناصر القوة حتى تدافع عن نفسها أمام هذا الجو العدواني الذي يبلغ أرقاماً كبيرة جداً حتى في الغرب.

عالمية العنف ضد النساء:

* مثلاً في فرنسا، كل يوم تموت امرأة من جرّاء العنف والعدوان الذي تتعرض له من الرجل. ما تعليقكم على ذلك؟

ـ نحن نشجب هذا العنف من الناحية الإسلامية الدينية، ونعتبر أن هذا العنف خطيئة يعاقب عليها الله تعالى، وهناك أيضاً حالات موجودة في المنطقة العربية أو في الشرق بشكل عام، وهي ما يسمى بجرائم الشرف، حيث تُقتل المرأة لمجرد اتهامها بعلاقة جنسية غير شرعية مع أي إنسان، حتى لو كانت المسألة على مستوى التهمة فقط، فقد يقتلها أبوها أو أخوها أو زوجها. ولقد أصدرنا فتوى بأن هذا العمل محرم، لأن مثل هذه الأمور لا بد من أن تخضع للقضاء، ولا بد من دراسة الظروف دراسة واقعية، لأنه ربما لا تكون التهمة حقيقية في هذا المجال.

ولذلك أصدرنا فتوى قوية وصارخة ضد كل الدول العربية التي تخفف عقوبة القاتل في جرائم شرف، ونحن نؤكد أيضاً في فتاوانا، أنه ليس للأب ولا للأخ ولا لأي شخص من الأقرباء أن يفرض على المرأة زوجاً لا تريده، ولو فُرض عليها ذلك بفعل الضغوط الاجتماعية، فإنّ هذا الزواج يعتبر باطلاً، ومن حقها أن تقوم من جلسة العقد لتتزوج أي شخصٍ تريده، لأن عنصر الاختيار أساسي في إجراء العقد بالنسبة إلى المرأة، كما هو أساسي للرجل.

ونؤكد أيضاً في الفتاوى الشرعية، أن المرأة إذا كانت بالغة رشيدة، فإنها تستقل في كل أمورها المالية، بنتاً كانت أو زوجةً، فليس لزوجها ولا لأولادها الحق في أن يصادروا شيئاً من أموالها، ولا لأخوتها ولا لأبيها أيضاً، فهي مستقلة مالياً مئة في المئة في هذا المقام، كما أنها مستقلة بزواجها أيضاً مئة في المئة، فلها أن تتزوج من تشاء، ولكن نحن ننصحها بأن تستشير الذين يملكون الخبرة والمعرفة والإخلاص لها، حتى لا تُخدع عاطفياً من خلال بعض الناس الذين قد يخدعون الفتيات. فالمرأة إذاً حرة في تصرفاتها المالية مما تملكه من عملها أو من إرثها، سواء من ناحية الإنتاج أو من ناحية تحريكه في مصالحها، فليس لزوجها أن يفرض عليها مصرفاً معيناً، وليس لأهلها أن يفرضوا عليها ذلك إلا إذا كانت هناك بعض الأحكام القانونية تفرض عليها مساعدة أبيها وأمها.

التساوي في الإرث بين المرأة والرجل:

* هناك فتوى للسيد الخوئي تقول إنه لا يحقّ للمرأة أن ترث من الأرض ومن البناء؟

- أنا رأيي أن المرأة ترث كما يرث الرجل، فبعض الفقهاء يستثني الزوجة، لكن المرأة البنت والأخت لا يفرق الفقهاء في الإرث بينها وبين الرجل، غاية ما هناك أن الآية تقول: {للذكر مثل حظّ الأنثيين} [النساء:11]، باعتبار أن الرجل يتحمل مسؤولية المهر ومسؤولية الإنفاق على الزوجة، فهو يعطى هذه الزيادة من أجل أن يكون هناك توازن في أصل الإرث.

وعندنا أيضاً أنه لو فرضنا أن شخصاً ترك بنتاً واحدة، فإنها ترث المال كله، إذا لم يكن هناك أب أو أم أو أولاد، كذلك الأمر لو ترك أختاً. لكن هناك تحفظات فتوائية عند كثير من الفقهاء بأن الزوجة ترث من كل شيء إلا من الأرض، أما إذا كان هناك بناء، فإنها ترث من قيمة البناء لا من البناء، لكن رأينا الفقهي، أنه لا فرق بين الزوج والزوجة في هذه المسألة، فكما يرث الزوج حصته من الزوجة كاملةً غير منقوصة، أرضاً كانت أو غير أرض، كذلك ترث المرأة من الزوج حصتها الإرثية، سواء كانت أرضاً أو غير أرض.

مشروعية القيادة السياسية للمرأة:

*هل تؤيّدون عمل المرأة في المجال السياسي والتعليمي، بمعنى أن تطوّر المرأة نفسها؟

ـ نحن نعتبر أن المرأة كالرجل، يمكن أن تمارس العمل السياسي، فمن حقها أن تنتخب من تشاء، وليس لزوجها أو لأبيها أو لأخيها أن يفرض عليها شخصاً معيناً لتنتخبه، لأنها مستقلة في قرارها السياسي، وفي اختيارها الشخص الذي ترى أنه صالح للوطن، كما أن من حقها أن تُنتخب، بمعنى أن تُرشح نفسها لتكون في موقع النيابة عن الشعب إذا حصلت على أصواته بشكل طبيعي، ولها الحق، إذا كانت تملك الخبرة السياسية، في أن تعطي رأيها في المجلس النيابي، ولها أن تتولى الوزارة والإدارة ورئاسة الوزارة وكل المسؤوليات العامة.

هناك فقط تحفّظ من قِبَل الفقهاء عن تولّيها الرئاسة العليا للأمة، ولكن هناك رأي نتبنّاه، بأنه لا مانع من ذلك إذا كانت عندها الخبرة التي تستطيع من خلالها إدارة شؤون الدولة، بينما هناك من لا يرى ذلك. كما أن لها الحق في أن تشارك في الأعمال الاقتصادية والأعمال الهندسية، وفي كل فروع المعرفة العملية إذا كانت تملك الخبرة في ذلك كله.

فللمرأة شخصيتان: شخصية الأنثى وشخصية الإنسان. أما شخصية الأنثى، فإن إطارها هو الحياة الزوجية أو الحياة النسائية، وهو الإطار الذي تستطيع فيه المرأة أن تلبس ما تشاء، وأن تتزيّن بما تشاء، ولكن خارج هذا الإطار، ليس لها أن تخرج إلى المجتمعات المختلطة كأنثى، لأن ذلك قد يسيء إلى الجانب الإنساني في النظرة إليها، كما يحصل الآن، وخصوصاً في مجال الإعلام، الذي ينطلق في إعلاناته من اعتبار المرأة موضوعاً للإثارة. وهناك الشخصية الإنسانية، وهي التي يمكن من خلالها أن تقوم بمسؤوليتها في كل شؤون الحياة. وهي في هذه المسألة كما الرجل تماماً، فالرجل له شخصية الذكر، وشخصية الإنسان، أما شخصية الذكر فدورها، خصوصاً في الجوانب الجنسية، محصور في الحياة الزوجية، أما دور الإنسان، فهو يشمل الحياة كلها.

التاريخ: 26 ربيع الأول 1431 هـ الموافق: 12/03/2010 م

http://arabic.bayynat.org.lb/nachratbayynat/idaaat/idaat_361_4.htm






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2623080 :: Aujourd'hui : 1089 :: En ligne : 8