البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-03-19
رضوان السيد وأسئلة الدين والدولة

yyy

تركي علي الربيعو

من موقعه كباحث عن الطريق من داخل الغابة لا من خارجها بحسب تصنيف الجابري لخطاب المثقفين العرب، راح رضوان السيد يحث الخطى بتأن يقطع مع الخطاب الأيديولوجي السائد ونزعته التحزبية السجالية، ويدفع باتجاه مزيد من الاستدراكات التي من شأنها أن تحد من هاجس الأسئلة الزائفة التي تطبع خطابات المثقفين العرب بشأن العلاقة بين الدين والدولة، وأن تضع حداً للقراءة الانتقائية التي تعود إلى استنطاق النصوص التاريخية وتسويرها بمزيد من الأسئلة المعاصرة التي من شأنها أن تدفع إلى إجابات آنية وغير ملائمة، وهذا ما طبع أغلب نتاجاته، و دفعه إلى تعديل موقفه أحياناً بشأن الدين والدولة وإشكالية الوعي التاريخي بهما.

عمل السيد في هذا المجال بتواتر كبير وعلى مدى عقود عدة من القرن المنصرم، من خلال أبحاثه في هذا المجال أو من خلال ترؤسه لمجلة الاجتهاد التي اعتبرها محمد جابرالأنصاري "أبرز علامة متميزة في انعطافة الفكر الإسلامي المعاصر"، فقد سعى رضوان السيد وعبر منهجية جادة ومن داخل الإيمان الإسلامي على حد تعبير الأنصاري إلى رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي وأضاف عبر مؤلفاته في الدولة والسلطة رؤية جديدة لا يمكن إغفالها في مجال إعادة تأسيس النظرة الإسلامية الجديدة للذات والآخر".

في بحثه عن "الدين والدولة وإشكالية الوعي التاريخي" يُقرر رضوان السيد بأن ماهية العلاقة بين الدين والدولة تعود لتحتل الصدارة في وعي الجماعات الإسلامية المعاصرة " وأنها تمثل عودة لإشكالية قديمة وليست بالجديدة. من هنا فهو يتوجه إليها وعبر أبحاث عديدة وعبر حفريات غير مسبوقة في إشكالية الدين والدولة في هذا المجال.

يتفق رضوان مع الأنصاري بقوله: ان التاريخ السياسي لأمتنا لم يكتب حتى اليوم "ومن وجهة نظره، ان الدعوة الملحاحة الى اعادة النظر في علاقة الدين بالدولة كما يعبر عنها الخطاب العربي المعاصر، هي شاهد على أزمة، فالدعوة هذه تتم عادة في أوقات الأزمات الخانقة. ومن وجهة نظره أنها طرحت في العقود الأخيرة من القرن المنصرم للأسباب التالية: فقد طرحت في مواجهة الدعوة المتصاعدة لعلمنة الدولة والمجتمع، و طرحت أخيراً في ظل نظرية الحاكمية عند المودودي وسيد قطب والإمام الخميني. وما يلمحه رضوان وكما يعبر عنه واقع الثلث الأخير من القرن العشرين، أن الدعوة إلى أن الإسلام دين ودولة، قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم وذلك من موقع نموذج بديل للسلطة والحاكم. المرحلة التي تنامت مع عولمة الحركات الإسلامية الراديكالية وظهورها على صعيد عالمي. ولعل ما يثير الاستغراب هو أن الاتجاه التقدمي الرامي إلى علمنة المجتمع والدولة يقف بدون وعي منه على نفس الأرضية التي تقف عليها الحركات الإسلامية الراديكالية منها والمعتدلة والتي ترى في الإسلام ديناً ودولة. فالاتجاه التقدمي الذي يستعير معظم بواعث التعبير عن نفسه من التجربة الاشتراكية، يرى في الدولة حارساً لدين البروليتاريا، وهذا ما انتبه إليه رضوان السيد.

في محاولة منه لتجاوز المأثور الأيديولوجي السائد حول الدين والدولة، يسعى رضوان السيد إلى إثارة المزيد من الأسئلة حول إشكالية الدين والدولة، وذلك بهدف الرد عل القائلين من الإحيائيين الإسلاميين بأن الإسلام دين ودولة، والذين يعتقدون بأن وظيفة الدولة هي حراسة الدين كما جاء في المأثور الفكري للماوردي. فمن وجهة نظر رضوان السيد، أن كون الدين الإسلامي يتضمن ديناً وسياسة، فهذا شأن سائر الأديان، ولكن السؤال المهم كما يرى هو: هل الدين والدنيا أو الدعوة والدولة تتضمنهما مؤسسة واحدة أو مؤسستان؟ وما مدى صحة الاعتقاد و" الصورة " السائدة بين الباحثين العرب المعاصرين من أن عصر النبي والراشدين شهد توحد الدعوة والدولة في مؤسسة واحدة؟ والأهم من كل هذه الأسئلة: هل صحيح أن الشريعة كانت تحتاج للدولة من أجل تطبيقها، ثم: هل صحيح أن الدولة أو الإمامة حرست الشرع أو الدين؟

ما يطمح إليه رضوان السيد هو، فك الاشتباك بين الدين والدولة، فعلى مسار تاريخي طويل كان لكل منهما مؤسسته الخاصة، غير أن الأهم من ذلك أن الدولة الإسلامية لم تكن حارسة للدين كما نذرها الماوردي، وكما ينذرها الاحيائيون الإسلاميون الذين يطمحون إلى الاستيلاء على الدولة لتطبيق الشريعة، وهنا يلفت نظرنا السيد إلى أن مقولة الماوردي عن الإمامة كحارسة للدين وسائسة للدنيا، مستعارة بالجملة من التراث الساساني، فقد كانت الزرادشتية كديانة تدين بوجودها للدولة الساسانية، وما أن انهارت الساسانية حتى انهارت الزرادشتية، أما واقع الإسلام فمختلف عن ذلك، فعلى مسار تاريخي طويل ظلت الدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها. وأن السلطة السياسية في الإسلام لم تحرس الدين بل إن الدين هو الذي حرسها، وضاعت الدولة ولم يضيع الدين.

ما يخلص إليه رضوان السيد في حفرياته الدقيقة في تراث الدين والخلافة وعبر تحقيقاته العديدة لأهم الكتب " أن تاريخ السلطة الإسلامية مع الشريعة وممثليها (وليس مع الدين) هو تاريخ صراعي أو نزاعي أفضى إلى انفصال السياسة عن الفقه وأحياناً عن الشريعة، وقيام مجالين أحدهما سياسي والآخر شرعي. وقد سلم كل من الطرفين للآخر بمجاله، واستمر التجاذب على أطراف المجالين حسب توازن القوى والظروف. فالصورة التاريخية السائدة عن أن الانفصال حديث مع الدخول الغربي إلى العالم الإسلامي، وظهور القوانين المدنية، والدول القومية، هذه الصورة تحتاج إلى تعديل كبير.

على أن ظهور حركات " الصحوة الإسلامية " الداعية - بأساليب مختلفة - لقيام الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، يدل على أن مسألة الدين بالدولة في مجالنا الثقافي والسياسي ما تزال تبحث عن مستقر لها، مستقر ما مكنتنا تجارب القرون الماضية من الوصول إليه".

ويضيف بكثير من الحصافة: الأخطر من ذلك كله اهتزاز فكرة الدولة أو السلطة في وعينا الثقافي وليس في تاريخنا. فالصورة السائدة لدى الفقهاء والمؤرخين، وكتاب نصائح الملوك، أن السلطة كانت دائماً منقوصة الشرعية، إما لخروجها على مقتضيات الدين أو مقتضيات العرف أو هما معاً، لكنها كانت ضرورية لمنع الفوضى وسقوط المجتمع فانتشر مبدأ "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم".

أدى ذلك إلى تعمق "طوبى" الخلافة الراشدة أو أفكار المهدية، وأدى في الحقبة المعاصرة إلى ظهور فكرة تطبيق الشريعة أو الدولة الإسلامية. فلابد من الالتفات إلى تيارات هامشية في القديم والحديث، كانت وما تزال ترى إمكان الدولة العقلانية، دولة الحزم والسياسة، أو الدولة المدنية.

عن جريدة الغد






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809560 :: Aujourd'hui : 1165 :: En ligne : 13