البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-10-06
عن عنصريتنا وبؤس هذا العالم

yyy

يهبط الفيلم المصري «يوم الدين» إلى العالم السفلي لانتشال بطله من أكوام القمامة وقسوة الوجود، فيسافر به إلى العالم العلوي في رحلة بحث عن الجذور، سائراً بخطوات ثابتة حيناً ومتعرجة أحياناً بين عالمين لا يلتقيان، في محاولة لتعرية النفس البشرية وفضح ما فيها من آثام وشرور. رحلة لن تكون سهلة بتاتاً، لا بالنسبة إلى البطل الرئيسي لهذا العمل الذي يمكن اعتباره الفائز الأكبر في ختام مهرجان الجونة السينمائي الأسبوع الماضي، ولا بالنسبة إلى المتلقي الذي دخل الفيلم بسقف توقعات مرتفع بعد اختراق هذا الأخير أبواب مهرجان» كان» في دورته الأخيرة ومنافسته أفلام سينمائيين كبار على السعفة الذهب. فالأول سيجد نفسه أمام حلم يتلاشى على صخرة الواقع الزاخر بالخوف والكراهية، والثاني سيواجه اختباراً مرّاً لإنسانيته. وفي كلا الحالتين، سيحرّك الفيلم شعوراً دفيناً بالأسى المتبادل بين هذا وذاك... بل أكثر، سرعان ما تنقلب اللعبة ويجد مستوطن العالم السفلي نفسه مشفقاً على مستوطن العالم العلوي بعدما جرّدته الأحكام المسبقة والخوف من الآخر من الصفة التي يحمل اسمها... فيهجر المنبوذ عالمنا الذي تمنى لو ظل صورة جميلة عالقة في خياله، ويعود إلى «مستعمرته» التي رغم قباحتها تبقى أجمل وأنقى في نظره. إنه «بشاي» (راضي جمال) الرجل الطيب الذي تعرّف إليه المخرج أبو بكر شوقي قبل 10 سنوات تقريباً خلال إعداده فيلمه الوثائقي «المستعمرة» عن مستعمرة الجذام في أبو زعبل، فقرر أن يقدم من خلاله تحية لأولئك الذين يعيشون على الهامش. فهو، رغم شفائه من مرض الجذام ما زال يحمل آثاره بجسده، ما يفسّر عدم مغادرته المستعمرة التي يقطنها قط. ولكن حين تتوفى زوجته، يحدث ما لم يكن في الحسبان، إذ تتحرك المياه الراكدة تحت قدميه، ويتعزز داخله الشعور بالانتماء، فيقرر أن يبحث عن جذوره، ويغادر على حماره بصحبة «أوباما»، الصبي النوبي اليتيم الذي يأبى أن يفارقه، فيتذوقان طعم الحياة الحقيقية خارج أسوار المستعمرة. ولكن، كيف يمكن نظرة واحدة منا أن تحطم الآخر، المختلف عنا، وتقتل فيه أي حب للحياة؟ سؤال سيشكل محور فيلم «يوم الدين» الذي يدخل به المخرج أبو بكر شوقي عالم المنبوذين، راسماً صورة قاتمة عن ذواتنا، محاولاً أن يفضح عنصريتنا وعدم تقبلنا الآخر... لتأتي صرخة «بشاي»: «هو أنا مش بني آدم؟»، كالصفعة المدوية على وجوهنا. صراع في النيل «خوف... كراهية... اشمئزاز»، مشاعر يحرّكها «يوم الدين» في محاولة لمخاطبة الحسّ العاطفي داخل كل واحد منا من خلال قصة مؤثرة تجعلنا في صراع يضع على المحك إنسانيتنا مع بطل لا يشبه الأبطال في شيء. إنه بطل سلبي يأتي من عالم تحتي لا يوفّره فقر أو جوع أو مرض. بطل يصدم المشاهد للوهلة الأولى، بتشوهاته الكثيرة وشكله الخارجي غير المألوف. ولكن ومع مرور الدقائق، يكتشف المتفرج رجلاً طيباً لا يريد شيئاً من هذه الدنيا إلا الاعتراف بوجوده. هو رجل لا ذنب له في ما وصلت إليه حاله، بعد أن ظلمته الحياة، وقست عليه كما لو أنه ارتكب إثماً كبيراً. وقد نجح أبو بكر شوقي في أن يعبر بنا إلى جوانيات الرجل من خلال نسجه خيوط علاقة أبوية جميلة بينه وبين «أوباما» وهما في رحلة عبورهما من أرض المنبوذين إلى الجانب الآخر، الأكثر إشراقاً وسعادة... الجانب الذي يلفظ أمثالهما بعيداً كي لا تصل لوثتهم إليه. وقد تكفلت الكوميديا الخفيفة بين الحين والآخر في ترطيب الأجواء والتخفيف من قتامة الواقع الذي يرتسم أمام أعيننا في فيلم طريق يسافر بمتفرجه من الصحراء إلى النيل وصولاً إلى الصعيد، بما تحمله رحلة العبور هذه من دلالات. لكن المفارقة أن «الحياة» التي سيكتشفها «بشاي» على طريق النيل، رمز الحياة، هي بمثابة «إعلان موت» له ولأمثاله. فـ «الآخر» المختلف غير مرحب به بيننا، ونظراتنا الخائفة، الساخطة، المشمئزة، لن ترحم... عندئذ، فقط يفهم بطل «يوم الدين» قرار والده الذي تركه طفلاً في عدم الرجوع إليه مطلقاً، رغم الوعد الذي قطعه له بأن يعود، لا خوفاً منه بل خوفاً عليه من حكم الإعدام الذي تصدره في حقه وحق أمثاله أحكامنا المسبقة. هنا لا بد من أن نفتح قوسين حول أحد أبرز عيوب «يوم الدين»، والذي لخصه بعض من شاهد الفيلم في الحوارات التفسيرية غير المبررة التي تأخذ مساحة على حساب الجانب البصري، مثلما حدث مثلاً في الحوار السالف الذكر بين الأب والابن. أضف إلى ذلك مشاهد غير مبررة أيضاً مثل «المصادفة» التي جعلت «أوباما» يصل إلى الدار التي كانت ملجأه الأول قبل أن يهجرها، و «المصادفة» التي جعلته يجد الأوراق التي تحمل اسمه الحقيقي واسمي والديه بمساعدة أحد المنبوذين الذي يتحدث ساخراً عن إيجابيات البيروقراطية بصورة غير مقنعة وإن تعذر عليه لفظها جيداً. نحن والآخر مفهوم «الآخر» الذي أشبعته الفلسفة الأوروبية الحديثة دراسة واستخدمه علم الاجتماع لفهم المنهجية التي تقصي فيها المجتمعات بعض فئاتها ممن يتصفون بصفات دونية، يبدو المحرك الأساسي لحبكة «يوم الدين» التي أراد بها أبو بكر شوقي تسليط الضوء على علاقة المجتمع بالمهمشين... لكنه يفعل هذا، وهنا الأهمية، من دون فلسفة أو تصنع، بل بالاتكاء على قصة إنسانية لشخصيات من لحم ودم عانت من الإقصاء والـــحرمان وقاست الأمرّين في هذه الدنيا من دون أن يكون لها أي ذنب في ما هي عليه. وهنا، يبرز أيضاً مفهوم العدالة الاجتماعية بكل تجلياته، فنرى أبو بكر شوقي يمعن في إظهار الفوارق التي تشكل في عصرنا هذا أبرز الحواجز بين البشر، مثل الدين واللون والطبقة. فـمثلاً «بشاي» القبطي لا يجد حرجاً في أن يرد «اسمي محمد» على سؤال جماعة من المتشددين المسلمين... و «أوباما» صاحب البشرة الداكنة، تجده ينحاز إلى جماعة المنبوذين. أما حثالة المجتمع التي يصادفها «بشاي» في رحلته، فيصورها الفيلم مفعمة طيبة وخدوم خلافاً للبشر العاديين الذين يبدون وحوشاً آدميين. وقد وفّق أبو بكر شوقي في فيلمه الروائي الطويل الأول في الاعتماد على ممثلين غير محترفين للتأثير في المشاهد وإيصال الرسالة التي أراد تناولها، بخاصة إدارته للعم راضي الذي استطاع من خلال دور «بشاي» أن ينقل للمتفرج الإحساس بالثقل الكبير الذي يحمله على كتفيه لمجرد أنه مختلف ولا يشبه بقية البشر لناحية شكله الخارجي. «يوم الدين» الذي منحته الدورة الأولى من مهرجان الجونة دعمها، لم يكن غريباً أن تحتفي به الدورة الثانية التي يأتي شعارها «سينما من أجل الإنسانية». أضف إلى ذلك أنه مثّل مصر وحيداً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، وقد اختير لتمثيلها أيضاً في الترشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بغير الإنكليزية... وها هي الدورة الثانية تكافئه بمنحه جائزة أفضل فيلم عربي روائي طويل وجائزة «سينما من أجل الإنسانية»، فضلاً عن جائزة مجلة «فارايتي» لأفضل موهبة صاعدة. الجونة - فيكي حبيب | منذ 21 ساعة في 5 أكتوبر 2018 - اخر تحديث في 4 أكتوبر 2018 / 19:53 http://www.alhayat.com/article/4605863/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7/%D8%B9%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A8%D8%A4%D8%B3-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670744 :: Aujourd'hui : 112 :: En ligne : 12