البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-09-29
النزعة التوفيقيّة بين الأصالة والمعاصرة

yyy

نعترف بأن كثراً قد سبقوا الفيلسوف زكي نجيب محمود (1905 - 1993م) على طريق النزعة التوفيقية، غير أن دعوتهم إليها بقيت متناثرة، رهينة تعبير أدبي ما في رواية كما كان الأمر لدى نجيب محفوظ، أو خبيئة نزعة فنية رومانسية أقرب إلى الحدس الصوفي منها إلى التحليل العقلي كما كان الأمر في دعوى «التعادلية» لدى توفيق الحكيم في كتابه الموجز تحت العنوان نفسه، أو قرينة معالجة جزئية كما كان الأمر لدى على عبدالرازق في كتابه الأثير «الإسلام وأصول الحكم»، أو حتى في كتاب إشكالي صادم كما كان الأمر لدى طه حسين «في الشعر الجاهلي»... إلخ. وعلى الأكثر في محاولات أولية لاستيعاب التراث وتجاوز بنائه السلفي على صعيد المضمون والقضايا وطريقة العرض من ناحية، وإلى تقديم الفكر الغربي المعاصر من ناحية أخرى، جسدها الأستاذ أحمد أمين ومن حوله المدرسة الفلسفية النشطة في الترجمة والتصنيف ثم التأليف، والتي ضمت توفيق الطويل، ويحيى هويدي، وعثمان أمين، وزكريا إبراهيم وغيرهم، إذ لم تتجاوز النزعة التوفيقية حد الدعوى العامة لتستقر في مشروع كبير يمتد بعمر صاحبه، مالئاً كل الفراغ بين جلدات كتبه ودفافها، مهيمناً على كل نفسه، وبعمق نافذ إلى التحليل الفلسفي، والتأصيل الفكري لأعماق الشخصية القومية والذات الحضارية، كما استقرت لدى زكي نجيب محمود الذي تمكن من أن يصوغ بدأب وحذق كبيرين منطق هذه النزعة بحثاً عن آليات التفكيك وإعادة التركيب، وكشفاً لمعايير الصدق في شتى مناحي الثقافة العربية ومكوناتها: الأدبية والفنية والعلمية والدينية، فاستحق أن يكون علامة على تلك المرحلة، أو دليلاً على تلك الموجة التي عاشتها الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي صاغ منطقها في قالبه الأثير «الأصالة والمعاصرة»، وألبسه ثياب ذلك المشروع الكبير «تجديد الفكر العربي». يبدأ المشروع بكتاب/ مانيفستو يحمل الاسم نفسه صدر في عام 1970م، وينتهي تماماً بسيرته الذاتية «حصاد السنين» 1993م، وإن كان قد اكتمل موضوعياً بكتاب «عربي بين ثقافتين» 1992م الذي رسم فيه الملامح النهائية لإنسان عربي يجمع بين ثقافة العصر العلمية، والوجدان القومي الخالص، أي بين «الأصالة والمعاصرة». وعلى رغم أن البعض يتصور أن مانيفستو هذه المرحلة يتمثل في كتاب «الشرق الفنان 1960»، فإننا لا نوافق على ذلك في ما سنبيّن أسبابه في حديث مقبل. لكن المهم الآن هو كيف يتم استيعاب التراث في العصر؟ لا شك في ضرورة الفرز والانتقاء، ثم إعادة البناء والتركيب، وهي ملامح الاستراتيجية التوفيقية التي تنهض لدى الرجل على محورين: الأول: أفقي حيث يتجول في مكونات الثقافة الإنسانية ليميز داخلها بين أربعة أنساق أساسية: الديني/ الاعتقادي، ثم الأدبي/ الفني ثم الفكري/ القيمي، وأخيراً العلمي/ التجريبي، تختلف نسب الأصالة والمعاصرة في ما بينها وفق درجة التباين في معايير صدق كل منها على مؤشر نفترض أنه يتحرك من صفر إلى واحد صحيح، فعلى سبيل المثال يمثل الدين، كمكون اعتقادي، وسيلة إدراكه هي الكتاب المقدس و»الوجدان» الحد الأقصى للأصالة والذاتية والهوية، ومن ثم يحق للعقل العربي أن يتمسك إزاءه بخصوصيته الكاملةـ إذ لا سبيل هنا إلى معاصرة اللهم سوى في كيفية قراءة النصوص، وفي القدرة على تأويلها حيث تمكن الاستفادة بالمعارف اللغوية واللسانية والبلاغية الحديثة في الكشف عن باطن النص ومغزاه. أما العلم الطبيعي، فعلى العكس من الدين، يمثل الحد الأقصى من المعاصرة والحد الأدنى من الأصالة، فوسيلة إدراكه هي «العقل» ومن ثم يجسد النسق الأكثر كونية، ومن ثم يتعين ممارسته بموضوعية وحياد من جانب العقل العربي دونما اكتراث بنزعات عبثية من قبيل أسلمة العلوم. وفي ما بين الحد الأقصى للأصالة (الدين) والحد الأقصى للمعاصرة (العلم)، ثمة نسقان وسيطان. الأول وهو الفكر الإنساني باعتباره ذلك الفضاء الذي تمدد واتسع عبر محاولة العقل البشري التصدي للإجابة عن أسئلة الواقع الذي يعيشه، حيث انضوت تلك الإجابات إما على مفاهيم وقيم (كونية) من قبيل الحرية أو العقلانية أو العدالة مثلاً، يمكن الادعاء بأن التاريخ البشري قد تحرك صوبها وسعى إلى ضبط وتنظيم طرق الوصول إليها عبر جهود اندرجت فيها كل المجتمعات المتمدينة. وإما على مبادئ أخلاقية صاغتها أعراف المجتمعات المتمدينة هذه واستقتها على نحو خاص بها سواء من هدى تجربتها التاريخية أو من نصوصها الدينية، ومن ثم ففيها قدر من الذاتية يجعلها تحتل موقعاً تالياً للعلم الطبيعي في سلم المعاصرة. وأخيراً، يأتي مركب الأدب والفن تالياً للدين على مؤشر الأصالة والهوية، كونهما مركباً ينبعث من ذائقة (ثقافية) تنغرس في التجربة الحضارية لجماعة قومية ما وإن تشاركت، في الخبرة الجمالية مع غيرها بقدر ما تنتمى للمشترك الإنساني، فالملاحظ على سبيل المثال أن العربي يعيش الغناء على إيقاع الموسيقى أكثر من الموسيقى الكلاسيكية، بينما يميل الغربي إلى الموسيقى الكلاسيكية أكثر، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مؤشراً الى اتهام هذا الطرف أو ذاك بضعف الذائقة الفنية، فلا معايير حاكمة هنا يمكن القياس عليها بدقة، والأحكام هنا أحكام تفضيلية وذوقية. وعلى هذا تصبح الهوية العربية هي حصيلة اجتهادنا الذاتي في فهم الدين، ومستوى إبداعنا الجمالي في الفن والأدب، ومدى مساهمتنا الفكرية في التطور الإنساني، ومحض مشاركاتنا في النشاط العلمي الكوكبي. كما تصبح أصالة العربي ومعاصرته نتاجاً تلقائياً لنشاطه سواء حينما يخضع لواقع العالم كما يثبته العلم، أو حينما يتجاوب مع ذاته الداخلية كما تصوغها ذائقته الثقافية. أما الثاني فرأسي، حيث تجول الرائد التوفيقي في شتى طبقات تراثنا الذي هو «عالم أوسع من المحيط، يشتمل على جميع ما أبقت عليه الأيام بعد أن فعلت عوامل الفناء فعلها»، مثبتاً الوقفات العقلانية فيه، لأنها تجسد منهجاً للنظر يبقى صالحاً للعصر، ونافياً الوقفات اللاعقلانية التي تجافي روح العصر. فعلى صعيد النفي، يرفض أولاً «أن يكون صاحب السلطان السياسي هو في الوقت نفسه، وبسبب سلطانه السياسي، صاحب «الرأي» لا أن يكون مجرد صاحب «رأي»، لا يمنع رأيه هذا أن تكون لغيره من الناس آراؤهم، حيث طاول هذا القيد كثيرين، منهم بشار بن برد لشعر أنشده لم يعجب الخليفة المهدى فقتله، والحلاج في مأساته الشهيرة حين أمر الوزير العباسي علي بن عيسى بضربه ألف سوط، ثم بقطع يديه، قبل أن يحرقه في النار لقوله بمذهب الحلول. وكذلك الإمام أحمد بن حنبل وما لاقاه من تعذيب في ما عرف بـ «محنة القرآن» لقوله بأن القرآن «أزلي» مع أزلية الله عز وجل، ضد ما كان المعتزلة يعتقدون في كونه «حادثاً» أو «مخلوقاً» من الله. وهو يرفض ثانياً انسداد باب الاجتهاد، وانغلاق أفق الإبداع عندما «يكون للسلف كل هذا الضغط الفكري علينا فنميل إلى الدوران في ما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة. فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين الإنسان وبين ما جاءت به الأيام من تطورات في العلم والمعرفة». ويرفض ثالثاً خضوع المنهج العلمي للخرافة حيث «الإيمان بقدرة الإنسان/ الولي/ صاحب المقام على تعطيل قوانين الطبيعة، فليست الأحداث لدينا مرهونة بأسبابها الطبيعية إلا ونحن في قاعات الدرس بالمدارس والجامعات، حتى إذا ما انصرف كل منا إلى حياته الخاصة في داره أو في المجتمع، أفسح صدره لكل خرافة على وجه الأرض، يقبله راضياً مغتبطاً». وعلى صعيد الإثبات، يؤكد الكثير من الرؤى النقدية المؤسسة لنزعات عقلانية وتحررية ابتداء من المعتزلة في القرن الثاني الهجري، وبالذات في ما يتعلق بمسألة «الفعل الإنساني». وأيضاً لدى الجاحظ في «رسالة المعاش والمعاد» حيث يقول مؤكداً نمطاً من العقلانية العملية: «أعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه، ثم طبعهم على حب اجترار المنافع ودفع المضار، وبغض ما كان بخلاف ذلك، هذا فيهم طبع مركب وجبلة مفطورة، لا خلاف بين الخلق فيه، موجود في الإنسان والحيوان». وعند رسائل «إخوان الصفا وخلان الوفا»، يؤكد موقفهم النقدي من الشريعة التي «دنستها الجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة...». ولدى أبى حيان التوحيدي تفريقه بين العقل والحس، حيث الأول ثابت والثاني متغير، «إن العقل يوصف بشهادة الحس، وكذلك الحس يوصف بشهادة العقل، إلا أن شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولى، وشهادة العقل للحس شهادة المولى للعبد»، قبل أن يختتم وقفته بابن رشد أحد أبرز رواد العقلانية العربية في نهاية القرن السادس الهجري، والذي أثبت مبدأ السببية الطبيعية، ضد إنكار الغزالي لها، ورده على كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة» بكتابه «تهافت التهافت»، فيما جسد إحدى أبرز المعارك الفكرية بين العقل والنقل في التاريخ العربي. http://www.alhayat.com/article/4604957/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A9




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670713 :: Aujourd'hui : 81 :: En ligne : 18