البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-09-29
العمارة ... تراث المصطلح وحداثة المفهوم

yyy

شاع منذ أوائل القرن العشرين إطلاق لفظ «العمارة الإسلامية» على الموروث المعماري لحضارة الإسلام، الممتد زمنياً بين القرن السابع والقرن التاسع عشر الميلاديين، وجغرافياً للتعبير عن مجمل المباني التي تحفل بها الأقطار التي حكمها المسلمون في ثلاث قارات، امتدت من أواسط آسيا والجزيرة العربية شرقاً، إلى المحيط الأطلسي وجنوب أوروبا غرباً. ويدفعنا الجدل المُستحدث في شأن اصطلاح «العمارة الإسلامية» – المسمى الأكثر تداولاً للتعبير عن المعالم المعمارية في البلاد الإسلامية - لتوصيف المصطلح، ومراحل تطوره في الدراسات الاستشراقية، لتفسير مفهوم «إسلامية العمارة» ومدلوله في الخطاب المعماري الراهن. إن كانت»العمارة الإسلامية» من المسميات الحديثة في لغة التعبير المعماري المعاصر؛ فقد وردت - بحسب دراسة إدهام حنش الباحث العراقي في تاريخ العمارة والفن الإسلامي الموسومة «نظرية الفن الإسلامي: المفهوم الجمالي والبنية المعرفية» - مصطلحات عدة للدلالة على عمارة الإسلام، مهدت لظهور مسمى «العمارة الإسلامية» في كتابات المستشرقين الغربيين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وأهمها: «العمارة المُحمدية»، نسبة إلى شخص رسول الإسلام ونبيه الأكرم «مُحّمد» (صلى لله عليه وسلم). وهو اللفظ الذي عبّر عن عمارة المسلمين منذ أواخر القرن التاسع عشر، مثل الكتاب الذي وضعه مارتين بريجس بعنوان «العمارة المُحمدية في مصر وفلسطين». كما عُرف هذا الإرث المعماري بعمارة العرب، أو العمارة العربية - الإسلامية، لشيوع ارتباط كل ما هو إسلاميّ بالجزيرة العربية، باعتبارها مهد الدعوة الأول. وقد أشار إليه بعض المنظّرين الأوروبيين في طيات دراستهم عن عمارة الشرق، ومنهم المؤرخ الفرنسي غوستاف لو بون في كتابه «حضارة العرب» الذي استعرض خلاله نتاج الحضارة العربية وإرثها المعماري. وقد أبت طائفة من الباحثين الاعتراف بهذا المفهوم، لما تضفيه صفة العروبة واختصاصها بأهل جزيرة العرب والناطقين بالعربي، من اختزال يُغْفِل تراث العمارة في بلاد فارس والهند والصين وجنوب أوروبا على سبيل المثل. ونزعت دراسات أخرى إلى تسمية عمارة ديار الإسلام باسم العمارة المُسلمة أو «عمارة المسلمين»، وهو أقرب المصطلحات إلى المفهوم المعاصر للعمارة في البلاد والعصور التي سادها المسلمون، والذي تغير في غضون سنوات قليلة للمُسمى المعروف بـ «العمارة الإسلامية». ويعد المستشرق ومؤرخ العمارة الإنكليزي كيبل كربزويل أبرز من استخدم مصطلح «عمارة المسلمين». وهكذا، كان لحداثة الظهور التاريخي لمفهوم «العمارة الإسلامية» دور معنوي مهم في توظيف المصطلح لترسيخ الاعتقاد بارتباط المنُجز المعماري للشعوب الإسلامية بدين الإسلام، هذا الاصطلاح الذي يحمل تأويلات متباينة عدّه بعض الباحثين تعريفاً قاصراً، لا يتسم بالدقة والشمولية، ويحمل في طياته أيديولوجية واضحة، ولنا بذلك أن نسأل ما صلة الإسلام بالعمارة؟ حين نشرع في تفسير صفة «الإسلامية» المرتبطة بالمعالم المعمارية المنسوبة إلى الحضارة الإسلامية، نلتمس مدى الشتات في تحديد المقصود بالعمارة الإسلامية، ونواجه فيضاً من التساؤلات المهمة التي ما زال جانباً منها بلا إجابة واضحة، ومنها: ما هو المضمون الذي تستدعيه صفة «الإسلامية» حين ترتبط بالعمارة؟ وما هو مدى ارتباطها بعقيدة الإسلام؟ هل نعني بذلك العمارة الدينية التي شيدها المسلمون مثل المساجد والزوايا؟ أم العمارة التي بُنيت في الأقطار الإسلامية بعامة؟ وما الحال إذا كانت تلك العمارة شُيدت بأيدي معماريين غير مسلمين ممن قطنوا ديار الإسلام، وشاركوا في المنتج الحضاري لأوطانهم الذي حكمه سلاطين المسلمين؟ وإذا كانت «الإسلامية» ليست صفة تعكس قيمة دينية؛ فهل يُفهم من مصطلح «العمارة الإسلامية» أنه يحدد نمطاً معمارياً يمتاز بسمات تظهر القيم الثقافية للحضارة الإسلامية؟ تقترن عبارة «إسلامية» عموماً بمظاهر ثقافة أو حضارة الشعوب التي عاشت في الدول التي سادها الدين الإسلامي. وفي ما يختص بتاريخ العــمارة، درج الباحثين على اعتبار مفهوم العمارة الإسلامية توصيفاً للدلالة على التراث المعماري المرتبط بعقيدة الإسلام، والمتعلق بجوهر تعاليمه، وهو ما أضفى «نزعة مثالية غير حقيقية» على تلك العمائر المشيدة في أرجاء الأرض. اكتسبت العمارة في البلاد الإسلامية نمط بنائها من روافد جغرافية وسياسية وتاريخية واجتماعية وثقافية متعددة، وارتبطت بصرياً بحضور مجموعة من المفردات المعمارية، كان لها دور وظيفي أو جمالي في الإفصاح عن الهوية الإسلامية لتلك العمارة، مثل العقود والقباب والمآذن والمشربيات وغيرها. فالشروع إذاً في تصنيف نمط معماري باعتباره «إسلامياً» هو إثبات لحضور رمز يُمثل سمة جوهرية للثقافة الإسلامية، وليس «دين الإسلام». إن التقيد بمصطلح «إسلامية» العمارة، يُحتم نمطية التزام تلك المنشآت في بنائها بتعاليم الإسلام، وينطبق تعريف العمارة الإسلامية في تلك الحالة على المباني المقترنة بخدمة العقيدة فكراً وممارسة لغرض ديني وحسب. ووفقاً لوجود «عمارة إسلامية» يتبادر إلى الذهن أن هناك عمارة أخرى «غير إسلامية»، وهي العمارة التي خالفت بعض أحكام الشريعة الإسلامية، وبذلك تنتفي عنها صفة «الأيدولوجية الدينية الإسلامية»، مثل الإسراف والبذخ في زخرفة العمائر، وعمارة الأضرحة التي نشهدها في مناطق كثيرة من العالم، ومن أبرزها ضريح «تاج محل» في الهند. وتساهم نظرية «إسلامية العمارة» في اختزال المساهمات الإنشائية والعمرانية التي أنجزتها مختلف القوى الفاعلة في المجتمعات الإسلامية، ما حصر دراسة المنتج المعماري لديار الإسلام بالامتدادين التاريخي والجغرافي لرقعة الإسلام، والعنصر البشري المُمثل في المسلمين، وحددها بمصطلح استشراقي ضيق، لا يعبر عن المفهوم الحقيقي للعمارة في الفكر الإسلامي إبان العصور التي شُيدت فيها تلك العمائر. إن العمارة الإسلامية ليست بالضرورة العمارة التي تُجسد عقيدة دين الإسلام وحسب؛ بل هي العمارة الناطقة بهوية الحضارة الإسلامية، والمعبرة عن العلاقة بين العقيدة والمجتمع من منظور مدني واجتماعي وسياسي، والملبية حاجات المسلمين سواء العمائر الدينية كالمساجد والزوايا، أو العمارة المدنية والخدمية مثل المنازل والأسبلة والكتاتيب في البقاع المختلفة، وبمعالجات معمارية متنوعة، فاكتست تلك المنشآت - على تشابه وظائفها وتكرار عناصرها المعمارية - ببصمة مميزة من إقليم لآخر، ومن عصر لعصر. وإذا كان مصطلح «العمارة الإسلامية» يُوحي باكتساب نزعة دينية إسلامية؛ فقد ذهبت بعض الدراسات المعاصرة لنسبة العمارة إلى عصور محددة في حضارة الإسلام، مثل العمارة في العصر الفاطمي أو المملوكي أو العثماني، ما ينطبق على أبنية ذات خصائص معمارية تميز الهوية الإسلامية لتلك العمائر في حقبة بعينها، فتتصف العــمارة الملوكية على ســـبيل المثل بمفردات معمارية متطابقة في مصر والشـــام، وتتسم العمارة العثمانية كذلك بعناصر وزخارف متمايزة حيثما وُجدت في تركيا أو اليونان أو مصر أو الجزيرة العربية. وتجمع عمارة العصور الإسلامية بين عالمية دين الإسلام عبر الأزمان وفي جميع البقاع، وتأخذ في الاعتبار الهوية الثقافية للمنشآت في الأمصار الإسلامية في العصور المتعاقبة، إذ لم يظهر طراز ثابت للبناء يمكن وصفه بـ «الطراز القومي لعمارة المسلمين»، ولم يوص الإسلام بإنشاء نمط معماري بعينه؛ بل تأثر فن العمارة في الأقطار الإسلامية بالبيئة التي نشأ فيها، وبمقوماتها الحضارية المتباينة. كما يشمل هذا المفهوم مختلف الأبنية المشيدة في ظل حضارة الإسلام الوارفة؛ ما كان منها ملتزماً بالشريعة الإسلامية، وما خرج عنها بفعل بعض المسلمين غير الملتزمين بأحكام البنيان في الإسلام، ويضم كذلك ما شارك به أهل الأديان الأخرى في حركة الإعمار والعمران، باعتبارهم جزءاً من نسيج الحضارة الإسلامية. http://www.alhayat.com/article/4604953/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%84%D8%AD-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670712 :: Aujourd'hui : 80 :: En ligne : 16