البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-01-26
غياب العقل النقدي

yyy

استكمالا لموضوع الأسبوع الماضي، حول غياب العقل النقدي في المجتمعات العربية الإسلامية، أود الإشارة إلى كتاب ذي قطع صغير ومحتوى خطير، لكاتبه الياباني نوبوأكي نوتوهارا بعنوان: «العرب .. وجهة نظر يابانية». يقدم الكتاب تجربة لكاتبه الذي تخصص في الدراسات العربية، بجامعة طوكيو، ثم أصبح مدرسا فيها للأدب العربي المعاصر، حيث يشير الكاتب في مقدمة كتابه الى تجربته الفريدة في السفر للعواصم العربية والأرياف والبوادي، متأملا في الثقافات العربية المختلفة. يتحدث الكاتب بشكل مباشر وصريح وموثق برؤاه وتجاربه حول غياب العدالة الاجتماعية والديمقراطية، في المجتمع العربي، اللتين بغيابهما استتب الأمر للقمع، واستبدت الرقابة بالناس، ما أثر بشكل مؤلم في استقلالية الفرد العربي، الذي تجده يفضل دائما أن ينتمي لنمط واحد: قيمة واحدة، دين واحد، حاكم واحد، شكل واحد ورأي واحد. والرأي الواحد هذا؛ هو أحد أهم آثار غياب العقل النقدي، وفي تحليل آخر هو المتسبب في غيابه، ولكن بعيدا عن نقاش الدجاجة والبيضة، تبقى المشكلة المعضلة في وجود «حقائق جديدة لا بد أن نواجهها» كما يقول نوتوهارا، والتي يصعب جدا التعامل معها برؤية موحدة وإستقاء من مصدر وحيد. يحلل نوتوهارا السبب قائلا: «بالنسبة للرأي السائد لدى معظم المسلمين، فإن القرآن الكريم يحتوي على الحقائق كلها جاهزة كاملة! إذا كيف يواجه الناس الوقائع الجديدة؟» مضيفا إن «عندنا في اليابان مثلا؛ الناس يستنتجون أفكارهم من الوقائع الملموسة التي نحياها كل يوم، وفي مجتمع كمجتمعنا نضيف حقائق جديدة. بينما يكتفي العربي باستعادة الحقائق التي قد اكتشفها في الماضي البعيد. يستدرك الكاتب بعدها قائلا: «هناك أفراد عرب يتعاملون مع الواقع والحقائق الجديدة، لكنهم أفراد فقط، لا يشكلون تيارا اجتماعيا يؤثر في حياة الناس» (10 ـ 11). وحيث أن الأغلبية المسلمة تعتقد أن كل المعلومات الحياتية والتشريعية، بل العلمية كذلك، قد وردت في القرآن الكريم وذكرت في الدين، فإن الحاجة للتفكير النقدي والتحليل الفلسفي تنتفيان بكل تأكيد بالنسبة لهذه الأغلبية، فلا مجال للتفكير وتدبر شؤون الحياة، إذا كانت قد أُقرت وفُصلت وكُتبت منهاجيتها كاملة منذ ألف وأربعمئة سنة، هي عمر الدين الإسلامي. في هذا المجال يحكي الكاتب عن تجربته مع الدكتور حسن المسني الذي عرفه معلما للغة العربية في جامعة طوكيو، ليصبح لاحقا زميله وصديقه، حيث يشير الكاتب للدكتور على أنه «كان دائما مسلما متدينا مستقيما ينفذ ما جاء في القرآن الكريم، في طعامه وعلاقاته وحياته الخاصة والعامة» (60). يحكي الكاتب عن تجربة له مع الدكتور حين زارا معبد «توجي» في كيوتو الذي هو «معبد قديم مشهور «بالباغودا» ذات الخمس طبقات الجميلة للغاية». يقول الكاتب إن الدكتور في عارض إبداء إعجابه بالمبنى، أصر على أن الله هو من أنشأه قائلا: «كل شيء عظيم أو جميل هو من خلق الله». ثم إن الدكتور المسني رأى الكاتب ذات يوم يقرأ «بين القصرين» لنجيب محفوظ فسأله حول قراءته «للروايات التافهة» ناصحا له أن «إقرأ القرآن، لأن كل الكتب التي كتبها البشر تافهة». يعلق نوتوهارا قائلا: «لقد تابعت حياة ذلك الصديق ـ رحمه الله ـ أكثر من عشرين سنة وكان في مكانه لا يتقدم. لقد بقيت حياته وأفكاره ثابتة لا تتغير ولا تتقدم. هل هي صورة مسلم فرد أم صورة عامة للمسلم المتدين؟» (60). يقيس الكاتب البوذيين المتدينين بصورة صديقه المسلم المتدين حيث يؤكد أن «الكاهن البوذي يتقدم وقد يصل الى مكان بعيد عال. نحن نعطي الدين مكانا خاصا، ونتوقع شيئا فريدا من تجربة التدين الشخصي الطويلة» (60 ـ 61). إن هذا «الشيء الفريد» هو تحديدا ما يفتقده العالم العربي الإسلامي، كنتاج لتجربة الإنسان المتدين فيه، حيث المطلوب المتوقع من الإنسان عموما والمتدين خصوصا في عالمنا هو أن يبقى في حيز الماضي وأن يفكر اعتمادا على مصادر ماضوية، وأن ينظر لكل حداثي بعين الشك، وبروح من نفور. في عالمنا، نحن نمتدح هؤلاء المتمسكين بالسنن الماضوية، الذين يعتمدون الملبس والمأكل وحتى المنظر الماضويين، نعظم هؤلاء الذين يستخدمون اللغة الأقدم ونبجل من لا يحيدون عما «كان عليه آباؤنا.» في الواقع نحن ننتظر من الشخص المتدين إيغالا في الطبائع والفكر القديمين، حيث أن أية محاولة تحديثية أو خطوة تغييرية منه ينظر لها بعين التشكك والارتياب، ويتم تقويمها على أنها محاولات اختراقية وتخريبية وتغريبية للدين. وهكذا، بغياب العقل النقدي والرؤى التجديدية تحت سطوة الماضي الخارق القوة والعظيم السيطرة، تغيب الحياة الحديثة بصورها الجديدة المختلفة، تقمع الثورات الفكرية وتلوى أذرعة الأفكار التجديدية، حيث ينظر لكل خارج عن الصف المنتظم الممتد منذ ما يزيد على ألف سنة على أنه خائن مارق، والأخطر والأهم على أنه متربص شرير متؤامر على الدين. لربما وضعنا لا يختلف عن مسيحية القرون المظلمة والوسطى إلا أننا لا نمتلك الألف سنة التي كانت لهم، لنغير الحال ونبدل الأوضاع. الزمن يتسارع ولن ينتظرنا أحد، حان الوقت لكي نتوقف عن الخوف ونبدأ التفكير.




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2597166 :: Aujourd'hui : 532 :: En ligne : 6