البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-01-22
ضبط سرعة المواصلات وانعكاسها على البشر

yyy

منذ مطلع القرن العشرين وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، شهد العالم ثورة كبيرة على مستويي الاتصالات والمواصلات تغيّر معها مفهوم المسافة والوقت وعلاقة البشر بالأماكن. من القطار إلى السيارة وحافلات الأنفاق الى الطائرة، اتخذ السفر معنى آخر وكان لسرعة الحركة هذه انعكاسات جوهرية على حركة الأفراد وحريتهم الفردية من جهة، وعلى النمو الاقتصادي من جهة ثانية، إذ إن تسهيل المواصلات يستتبع بالضرورة زيادة إمكانات التواصل داخل البلد الواحد وخارجه. غير أن ثورة المواصلات هذه، وعلى رغم نتائجها الإيجابية الأكيدة، أفرزت، ككل تحول كبير جديد، نتائج سلبية يتوقف على سبل معالجتها ليس فقط مستقبل المواصلات وطرقها وأدواتها، وإنما أيضا مستقبل الإنسانية نفسه. فما نتج من الحركة الهائلة التي أمنتها المواصلات الجديدة لا سيما السيارة، هو ازدياد أزمات السير الخانقة في المدن الكبرى، وبالأخص في ساعات محددة من النهار، ونتجت منها أيضاً نسب عالية من التلوث بسبب انبعاث ثاني أوكسيد الكربون تهدد الصحة العامة، إضافة إلى الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً الأخلاقية والسياسية في شكل عام، فضلاً عن الأسئلة المطروحة اليوم وبحدة عن توفير الطاقة في المستقبل وإيجاد البدائل عن مصادر الطاقة الراهنة لصعوبة توفيرها وكلفة استخراجها. أمام هذه التحديات الكبيرة، كان لا بد من تضافر قوى كثيرة للبحث عن حلول مستقبلية تؤطر هذا الواقع وتحد من انعكاساته وتفتح الآفاق نحو توجهات جديدة تتماشى مع العصر وتأخذ في الاعتبار سلامة الإنسان ووجوده. في هذا السياق أُسّس في باريس منتدى بعنوان «منتدى حياة متحركة» (Forum Vies Mobiles) يضم علماء اجتماع وعاملين في مجال المواصلات ووسائل النقل على أنواعها، كما يضم فنانين ناشطين في مجال الصورة والفيديو والسينما... يجمع ما بين هؤلاء اهتمامهم بما يحصل اليوم في الحياة المعاصرة وكيف ساهمت وسائل الاتصال الرقمية في إعطاء حركة تنقُّل البشر بين الأمكنة والقارات أبعاداً جديدة. ضمن هذا التوجه العام، أسس المنتدى أيضاً مختبراً فنياً لدعم الحوار بين الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ضمن هذا التوجّه العام، تعتبر مديرة المنتدى سيلفي لاندرييف أن للفن دوراً أساسياً في دراسة المجتمعات ولفت نظر الرأي العام والجمهور العريض إلى قضايا إنسانية كبرى. من هنا يعمل المنتدى على إقامة معارض فنية ومنها معرض الفنانة والمصورة الفوتوغرافية الفرنسية سيلفي بونو في «متحف الفن» في مدينة روش سور يون تروي فيه مشاهداتها خلال رحلتها التي امتدت من سيبيريا حتى طوكيو في اليابان. هناك أيضاً المعرض المخصص للصين والذي يختصر التحولات الهائلة التي عرفتها الصين في السنوات الخمسين الأخيرة. وقد اختيرت أكثر من ثمانين صورة جمعها الباحث الفرنسي توما سوفين وهي تبين كيف انتقل الصينيون، وفي مرحلة قصيرة لا تتعدى العشرين عاماً، من زمن الدراجات والعربات إلى زمن السيارات والقطارات. في موازاة الصين تحضر أيضاً الهند مع التحقيق المصور الذي أعده المصور والصحافي الهندي إيشان تنخا تحت عنوان «حيوات دائرية في الهند الغربية» ويختصر ملامح أساسية من الحياة اليومية في الهند اليوم حيث توجد المدن التي تتميز بكثافة سكانية هي من بين الأعلى في العالم ومنها مومباي. ومن خصائص عمله أيضاً أنه يبين التحولات المناخية التي عرفتها الهند في السنوات الأخيرة بسبب التلوث وحركة التنقل بين المدن والأرياف. العالم يتقدّم أكثر فأكثر على مستوى تقنيات التواصل والسرعة، وهناك وعي متزايد لخطورة هذه السرعة غير المضبوطة النتائج، والتي ينبغي أن لا تكون على حساب صحّة الإنسان النفسية والجسدية، وفي هذا الإطار يأتي نشاط «منتدى حياة متحركة».




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2745467 :: Aujourd'hui : 2181 :: En ligne : 18