البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2018-01-20
الطريق إلى الديمقراطية

yyy

ناقش المفكرون والفلاسفة مسألة أنظمة الحكم، واختلفت الآراء والطروحات في مُقاربة ما هو سائد عن أشكال وتركيبة الكيانات السياسية في المُجتمعات، إذن فإنَّ الهدف من وراء هذا المجهود الفكري والتأمل الفلسفي هو معرفة المُحددات التي تساهمُ في ظهور نمط معين من منظومة سياسية في بيئة دون غيرها. بالطبع فإن تطور المُجتمع على المستوى الاقتصادي والفكري يغذي وعياً جديداً، الأمر الذي سيكون له تبديات على الصعيد السياسي، لاسيما في ما يتعلقُ بآلية العلاقة بين السلطة والشعب، ودور الأخير في رسم شكل جهاز الحكُم، وهذا ما يكشفُ عن أهمية النظام السياسي بوصفه عاملاً لترتيب مفاصل المُجتمع، وتحديد وظيفة السلطات. من المَعلوم أنَّ الديمقراطية هي الصيغة التي توجت كل المحاولات في مضمار الفكر السياسي لإيجاد ما يُخفف على المُجتمع مثالب شطحات السلطة، والجنوح نحو الاستبداد وانفراد حفنة بإدارة مصائر العباد والبلاد، وأنَّ ما يعطي الأفضلية للديمقراطية من بين الأنظمة السياسية الأخرى هو مرونة المفهوم الديمقراطي، إذ لا يتوقف في طور مُعين، بل هو في تطور دائم وتقبل إضافات جديدة تدعم أسسها، فلك أن تتأمل ما كانت عليه الديمقراطية في بداياتها، وما وصلت إليه في الوقت الراهن، إذ تدرجت في التطور إلى أن أصبحَ الفضاءُ مُتاحاً لمشاركة الجميع في عملية الانتخابات، كما أن النساءَ وصلن إلى قمة السلطة، علماً بأن المرأة لم يكن لها حق التصويت في السابق، هنا ينبغي أن نفرق بين الجانب الإجرائي والفعلي في الديمقراطية، بدون هذا التفريق سيكون الوعي بمفهوم الديمقراطية ناقصاً، بل قد نقع في مطب التضليل، إذا ساد الاعتقادُ بأنَّ الديمقراطية تختزلُ في مجموعة الإجراءات الشكلية، وغاب عن الإدراك أن الديمقراطية هي نتيجة وليست سبباً، كما يقولُ المفكر السوري جورج طرابيشي، أي لا بُدَّ من وجود دعائم أساسية مُتمثلةً في تطور الاقتصاد والوعي، ونشوء مفهوم المواطنة، الأمر الذي يتطلبُ قيام مؤسساتٍ تحدُ من سلطة الحاكمِ وتتابعُ آلية صناعة القرار، وهذا ما يعني أنَّ الحاكمَ في النظام الديمقراطي لا يمتلك سلطة مُطلقة بمجرد فوزه في الانتخابات وحصوله على الأغلبية الساحقة، ولا يتخذُ قرارات إلا بعد سلسلة من المداولات على مستويات مُختلفة، لإقناع الرأي العام بما يراه في مصلحة البلد ويخدمُ المواطن، إذ قد يستقيلُ الحاكم من منصبه مع أنَّه وصل إلى السلطة بأصوات الناخبين، حالما يدركُ أنَّ بقاءهُ في تلك الوظيفة يُؤَزمُ الأوضاع في بلده، وآخِر من فضّل الانسحاب من السلطة بعد فشل مشروعه هو رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. على ضوء ما ذكرُ سلفاً يمكنُ مقاربة رهانات الديمقراطية في عراق ما بعد سقوط النظام، وفهم المناخ السياسي السائد في هذا البلد، مع الأخذ بنظر الاعتبار تلك الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق على الصعيد الأمني والنزاعات الطائفية، ومن ثُم وقوع مساحات واسعة من الأراضي العراقية تحت سيطرة تنظيم «داعش»، ما حدا بالمراقبين إلى إعلان نهاية العراق وتوزيع إرثه على كانتونات مُستقلة، كل ذلك كان نتيجةً لتراكم الأخطاء المترتبة عن سوء إدارة الحكم ونظام المُحاصصة، الذي يناقض جوهر الديمقراطية، ويرسخُ الفساد في منظومة الحكم، كما يوفر حصانة منيعة للمفسدين، في وقت أعلن فيه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الانتصار على تنظيم «داعش» وتمكن الجيش من استعادة المدن والبلدات التي كانت واقعة تحت إمرة ما يسمى بدولة الخلافة. سوق التحالفات بين الأحزاب والكيانات السياسية، الذي يشهد تسابقاً محموماً، استعداداً لموسم الانتخابات المُقبلة، يفرضُ سؤالا حول مستقبل العملية السياسية في العراق، وما سيتغيرُ في المشهدِ السياسي؟ هل ستتحول الانتخابات إلى لحظة فارقة يتخلصُ فيها العراق من العقلية التي قادته إلى حالة التصادم بين مكوناته، وراهنت على الخطاب الطائفي والثارات التاريخية؟ أو أن العملية الانتخابية ليست أكثر من خدعة لإعادة توزيع الغنيمة بين من شكلوا طبقة سياسية يصعبُ اختراقها، وهم يظهرون في مواقع حساسة بِمُسميات مُختلفة، بالنظر لما أسفرت عنه نتيجة الانتخابات السابقة في كل مناطق العراق، حيثُ تربع عدد من السياسيين على مناصب سيادية وألقموا غيرهم ما تبقى من كعكة السلطة. يتناقصُ منسوب التفاؤل لكن ما يصحُ الرهان عليه هو إدراك المواطن لما حل بالعراق من الكوارث جراء هيمنة العقليات الرثة التي أخذت بتلابيب الحكم على مدار خمس عشرة سنة، وبلورة الوعي لديه بأن بلده لا يقوم من كبواته الاقتصادية والإدارية بدون إقصاء من كان متورطاً في الفساد وَسوّق مشروعه الوهمي باسم القومية أو الدين أو الطائفية. نعتقدُ أن مكمن الداء في العملية السياسية العراقية هو نظام المحاصصة ولا أمل بالخروج من نفق الأزمات المُستعصية، بدون تجاوز هذه الصيغة الخادعة، يقالُ بأن الداء الذي لا يقتلك يقويك، هل اكتسب العراق مناعةً ويصبحُ معافياً من الطائفية والعقليات الضيقة بعد سنوات عجاف عاشها المواطنون في ظل ثالوث الإرهاب والطائفية والفساد، لا تفصلنا إلا أشهر قليلة عن نتيجة الانتخابات المقبلة، حيث سيتضحُ هل العراق يخطو على طريق الديمقراطية؟ أو يتراوح في مربع اعتبارات القومية والطائفية.




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2498972 :: Aujourd'hui : 103 :: En ligne : 11