البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-12-21
قيمة الحريات الفردية في ظل هيمنة الروح الجماعية

yyy

" شيمة أي إنسان هي الحرية التامة والتمتع بجميع الحقوق الطبيعية دون قيد أو شرط" جون لوك/ في الحكم المدني روح التكافل مع المجموعة ضروري في عصر العولمة لأنه يؤدي الى الإحساس بالآخر والتعاطف مع الانسان والمشاركة في قضايا المجتمع في زمن قلت فيه الأخوة وتراجعت الصداقة وغابت المودة وتقلصت الألفة وساد التنازع وعم التباغض وتفشى العنف والإقصاء والانعزال بالانطواء على الذات. لكن يمكن أن تتحول هذه الروح الجماعية الى دغمائية تسحق الفرد وتمنعه من تطوير قواه وتنمية قدراته والتمتع بحرياته ويمكن كذلك أن تخدم الأنظمة الشمولية وتمرر المشاريع الاختراقية لإمبراطوريات العولمة وتبرر الإيديولوجيات العنصرية المغلقة. ان الطفيليات المزروعة في البدائل الفكرية المهيمنة على الساحة العربية والتي لا تتفق مع طموح الشخص الى التمتع بالحريات الفردية هي التعصب الى الرأي الواحد وإهمال أفكار الآخرين وهي كذلك ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ورفض استعمال العقل وتفويت نعمة الحرية من أجل الفوز ببعض المنافع المادية والخضوع لسلطة التقاليد والاحتكام لقيم الجماعة طلبا للسلامة. ان التخلص من هذه الدغمائية يتوقف على القيام بنقد جذري للثقافة الكلانية التي تسحق الفرد وتضحي به من أجل الانتصار الى المجموعة ويقتضي انجاز حوار عقلاني جاد بين مختلف هذه الاتجاهات من أجل انجاز تفاعل تواصلي تنتج عنه تكون كتلة تاريخية يمثل الإيمان بالحريات الفردية حجر الأساس الأول لها، لكن ماذا نعي بالحريات الفردية؟ تتعلق الحريات الفردية بالفكر والتعبير والإعلام والعقيدة والانتماء والتنظم والفعل والتملك وهي حقوق حيوية لا يجوز مصادرتها أو التحكم فيها أو حرمان الناس من التمتع بها لأن غيابها يؤدي الى عواقب وخيمة وينتج عنه الضعف والهوان. *حرية التفكير هي شرط أساسي للتعبير عن حق الانسان في النظر والاعتبار والتفلسف والتأمل في الكون دون وصاية أو تضييق وينتج عنها الإبداع والخلق والتجديد والابتكار ودونها يرزح الفكر في التقليد والتكرار وتظل دار لقمان على حالها. *حرية التعبير تعني القدرة على النقد والمحاسبة وإبداء الرأي واتخاذ موقف وهي تكريس للتعدد في الحكم على الأشياء والاختلاف في تقييم الأفعال والتنوع في زوايا النظر الى نفس الأمر واذا غابت حرية التعبير سادت النظرة الضيقة وهيمن الرأي الواحد وانتصرت الدغمائية أما اذا توفرت فان الثقافة تتطور ودرجة التحضر تزيد. *حرية الإعلام تعني السرعة والشفافية في نقل الأخبار والتزام الصدق والتحري في التعامل مع الوقائع واطلاع الناس على كل ما يحدث مع التثبت من وجاهة المادة واحترام المتلقي والكف عن التلاعب بعقله وإثارة غرائز وذلك بصنع رأي عام ايجابي وتفادي الاعتماد على الإشاعة وعلى الأكاذيب وينصح بتخفيف أشكال الرقابة على وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية وتمكين الناس من ممارسة حقهم في التأليف والنشر والترويج. *حرية العقيدة تعنى ترك أمور الإيمان من مشمولات كل إنسان وعدم التدخل في قناعاته ومعتقداته وترك المجال له واسعا لكي يغير عقيدته ويختار الديانة التي تناسبه دون ضغط أو إكراه ودون تكفير واتهام بالردة والخروج عن الملة لأن الانسان حر في الاعتقاد وحتى في اللااعتقاد. *حرية الانتماء تعني تمتع كل إنسان في الحق الكامل في التجول والسياحة والهجرة وتبديل مقر إقامته وتمكينه من الانتماء الى أي دولة وتبديل جنسيته اذا ما طلب ذلك دون تضييق أو منع وينصح في التساهل في هذا الحق طالما أن الأرض هي أمنا والوطن الحقيقي لكل إنسان، بل هي الإطار المشترك الذي يتواجد فيه جميع الناس على قدر المساواة فنحن خلقنا منها ونعيش فيها ونعود إليها عند النهاية. *حرية التنظم تعنى حق كل الانسان في أن يكون أو يشارك في نشاط أي منظمة مدنية تعتني بالشأن العام سواء كانت حزبا سياسيا مدنيا أو نقابة أو هيئة حقوقية أو جمعية ثقافية أو نادي تربوي ولا ينبغي نهيه عن ذلك ومعاقبته بل حفزه وتشجيعه لأن وجود هذه الهيئات التي تنتمي الى المجتمع المدني ليس إضعافا لسلطة الدولة وتهديدا لها بل علامة نضج بالنسبة الى المجتمع السياسي ومصدر قوة للدولة. *حرية التملك وهي مطلب طبيعي نصت عليه الشرائع والقوانين وتعرض الى الانتهاك من طرف دعاة ملكية الدولة لوسائل الإنتاج باسم المساواة والمقصود هنا إلغاء الملكية الخاصة لحساب الملكية العامة وصودر مرة أخرى ولكن باسم الملكية الخاصة خاصة في ظل التفاوت بين قلة من الأثرياء والأغلبية من المعدمين ونتيجة واقع الاستغلال والحيف من طرف الذين يملكون كل شيء لمن لا يملكون حتى شيئا واحدا، وينصح هنا بتجاوز الخطأين معا وهما اللاملكية والملكية المفرطة والتشريع لملكية متوازنة ومعقولة وبالتالي فجميع الناس أحرار في ممتلكاتهم بشرط ألا يؤدي ذلك الى الاعتداء ومصادرة ممتلكات غيرهم. *حرية الفعل هي أيضا حق انساني وجودي لأن اعتماد سياسة الباب المقفل في وجه الطبقة الناشئة واللجوء الى أساليب الصد وقمع المواهب وشل القدرات ينتج عنه العزوف واللامبالاة والاستقالة الجماعية وموت الفرد وذوبانه في أشكال التنظم التقليدية والمتخلفة ولذلك لابد من إتاحة الفرصة للإنسان لكي يفعل وينتج ويمارس حتى يضرب في الأرض وينقح الأفق. هناك العديد من المجالات الأخرى التي ينبغي أن يتمتع بها الانسان بحرية الاختيار والتي وجدت منذ أقدم العصور وهناك مجالات جديدة وقع استحداثها عن طريق التطور العلمي والتقني والتي تمس الحياة الشخصية للفرد ونذكر منها حياته الشخصية الحميمية وكذلك حقه في التصرف في نفسه جسدا وروحا وقد طرحت الآن مسألة تحويل الجنس والتبرع بالأعضاء والموت الرحيم وحرية الانسان في الإقبال على هذه الأشياء أو الامتناع عنها وينصح بأن يترك الأمر الى الانسان نفسه وأن تظل هذه الأمور مجرد قواعد شخصية Maxime وألا تتحول الى قانون Loi عام يتخذ طابع الإلزام والكلية. الغريب أن البعض من نشطاء المجتمع المدني والحقوقيين والمنتمين الى أحزاب ونقابات يرفضون حتى الحديث عن الحريات الفردية ويصادرون حريات الآخرين في التفكير والتعبير والاعتقاد ولا يقبلون الاختلاف ولا يعترفون بالغيرية وذلك تحت تأثير بعض الإيديولوجيات التي تقدس روح المجموعة وتدنس كل دفاع على الفردانية. في نهاية المطاف يبدو حصول الناس على الحريات الفردية غير متعارض ولا يهدد الروح الجماعية بل بالعكس تستمد الجماعة قوتها من قدرة الأفراد على الفكر والفعل ومن حسن استغلالهم لحرياتهم. بيد أن الإشكاليات التي لا تزال تطرح في الواقع العربي اليوم هي: ماهي وضعية الفرد في هذه المجموعات؟ بل من يقودها ويسير كل جماعة؟ ألا تخضع هذه المجموعات الى هيمنة عدد قليل من الأفراد؟ ثم ماذا عن دور المبادرات الفردية في تقدم الثقافة وتطور الشعوب؟ ألم تحدث تحولات كبيرة في التاريخ بفضل مجهودات ثلة صغيرة من المبدعين الأحرار الذين تبنوا الثورة منهجا والتغيير مقصدا؟ فمتى نرى العرب يقدسون الفرد ويبجلونه على الجماعة؟ لماذا تزهق أرواح عدد كبير منهم على مرأى ومسمع الجميع ولا أحد يحرك ساكنا وكأن الذين يموتون ليسوا بشرا؟ أليس ذلك دليلا قاطعا على أننا لا نحترم قيمة الفرد ولا نقدس الانسان؟ أليس إيمان العرب بقدسية الحريات الفردية هي شرط الإمكان الأول لاحترام قيمة الانسان ولميلاد الفرد عندنا في حضارة اقرأ؟ * كاتب فلسفي




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2563657 :: Aujourd'hui : 266 :: En ligne : 14