البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-03-09
تزفيتان تودوروف: النشأة داخل الأسوار تشوه المرء

yyy

.حوار: أوليفييه بوستل فيناي 
ترجمة: جيلالي نجاري


هناك جدار وجدار.. الجدار الإسرائيلي ليس كجدار برلين.. والحاجز المرفوع على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة يخضع لمسار آخر: يراد به إنشاء فاصل بين الأغنياء والفقراء. وتتلخص النقطة المشتركة بين هذه العوازل في إنشاء حلّ منيع يهدف إلى درء الخوف من الآخرين. لكن من بين جميع أشكال الحواجز المشار إليها هناك حاجز واحد جديد حقا وهو: الجدار المناهض للمهاجرين.

يعدُّ تزفيتان تودوروف مؤرخا وكاتب مقالات، وهو ناهيك عن هذا المدير الفخري للمركز الوطني للبحوث العلمية [CNRS]. إنه صاحب المؤلف الذي صدر مؤخرا تحت عنوان \"الخوف من البرابرة\" (روبرت لافون، 2008) وصاحب كتاب \"التوقيع الإنساني\" (لوسوي، 2009)، بالإضافة إلى أنه أيضا عضو في لجنة تحرير مجلة \"بوكس - الكتب\" التي أجرت معه هذا الحوار:

* منذ سقوط جدار برلين في عام 1989، ظهرت جدران عديدة في جميع أنحاء العالم جاءت للفصل بين الشعوب، فمنها ما تمّ بناؤه ومنها ما هو قيد التشييد، ألا تمثل هذه الجدران بطريقة أو بأخرى هذا الخوف \"من\" البرابرة\" الذي اتخذتم منه عنوانا لمؤلفكم الأخير؟

- الحقيقة، أنا لست متيقنا من مدى صحة وفائدة توحيد كافة الأسئلة التي تفرزها إقامة شتى الجدران هنا وهناك والتي تفصل بين مختلف الشعوب. الهوية المادية للمسألة تشمل وتغطي مجموعة متنوعة من الوظائف. فجدار برلين - وليكن هو أول ما نبدأ به - ينتمي إلى فئة نادرة. ففي الوقت الذي صُمِّمَتْ فيه معظم الجدران الأخرى لمنع دخول الأجانب إلى البلاد، شُيِّدَ هو خصيصا لمنع المواطنين من السفر إلى الخارج. لقد كان هذا الجدار بمثابة التمظهر المادي القائم للستار الحديدي. إنه سجن أقامته الحكومات الشيوعية لشعوبها حتى لا تتمكن من الهرب. لم يكن ذاك الجدار مستخدما لحماية السكان وإنما لحصرهم وسجنهم في رقعة محددة. هناك فئة أخرى من الجدران وهي تقدم مثالا جليا للأسوار الحدودية الفاصلة بين بلدان كانت في حالة حرب. إنه حال الجدار الذي يفصل بين الكوريتين أو بين الهند وباكستان في كشمير أو في قبرص بين الأجزاء اليونانية والتركية. في هذه الحالات ومع أن الحرب انتهت إلا أن السلام لم يتمكن من الحلول بين الأطراف المتصارعة، لهذا نرى كل طرف يتمترس خلف حاجزه المنيع.

* ألا تمثل – على الرغم من ذلك - جميع الجدران الأخرى الخوف من البربري؟ أو فلنقل الخوف من الآخر؟

- من المؤكد أن أكثر الجدران شيوعا هي تلك التي ترفع تحت طائلة الأمن. لقد لعبت هذه الأسوار دورا بالغ الأهمية في الماضي البعيد... في تلك الحقب التي كان فيها تدمير أي جدار مهمة شاقة للغاية. من أمثلة ذلك جدار هادريان الذي شُيّدَ لحماية الإمبراطورية الرومانية أو سور الصين العظيم أو تلك التحصينات المشيّدة حول مدن القرون الوسطى. لقد كانت هذه الجدران تستخدم كدفاعات عسكرية إلا أن التقدم التقني لصناعة المتفجرات أدى إلى التخلي عنها تدريجيا باعتبار أن تلك المتفجرات أفقدتها فعاليتها.

* فيما يتعلق بالجدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة؟

- لقد ظهرت في العقود الأخيرة فئة جديدة من الجدران وهي تمثل بشكل خاص سمة من سمات عصرنا: إنه الجدار المناهض للمهاجرين والذي يتلخص دوره في منع الفقراء من دخول البلدان الغنية لكسب لقمة الخبز والعيش بشكل أفضل ولائق. إنه الجدار الأكثر إثارة من حيث أنه بني بين الولايات المتحدة والمكسيك وقد أفضى إلى فصل القارة إلى جزأين متباينين. هناك أيضا وبصورة ظرفية الحاجز المرفوع لتسييج إسبانيا من جهة شمال أفريقيا وتحديدا في سبتة ومليلية. وتنضاف لهذه الصورة جدران أخرى صُمِّمَتْ خصيصا لحماية رقعة معينة لأسباب عسكرية (كما هو الشأن مع المنطقة الخضراء في بغداد) أو أيضا بسبب الخوف من مجاورة الأحياء الفقيرة سيئة الذكر، كما هو الحال في بادوفا – Padoue-. هناك أخيرا أسيجة ترفع لحماية بعض الإقامات الفاخرة – وهي فئة مثيرة للاهتمام: إنها محميات ذهبية اختار سكانها سجن أنفسهم عن طواعية.

* ولكن لماذا لم تذكروا الجدار الذي يتحدث عنه الجميع، وهو ذاك الذي أنشأته إسرائيل في الضفة الغربية؟

- لأن هذا الجدار لا شبيه له، على اعتبار أنه يؤدي وظائف عديدة ومختلفة في آن واحد. إنه يشكل أولا ورسميا حاجزا ضد هجمات «المقاتلين» الفلسطينيين. بالطبع يمكننا أن نأسف لعدم إيجاد أي وسيلة أخرى لتجاوز النزاع بين الشعبين ولكن يجب علينا أيضا أن نلاحظ أنه منذ الشروع في بنائه انخفضت الهجمات بنسبة 80 ?. ومع ذلك فهذا الجدار لا يقتصر على هذا الدور فقط. في الواقع، بناؤه لم يتم على الحدود بين منطقتين أو على ما يسمى بالخط الأخضر وإنما حدث على الأراضي الفلسطينية بالاعتداء عليها في بعض الأحيان بعشرات الأمتار وفي أحايين أخرى بعشرات الكيلومترات. وهكذا أصبح هذا الجدار العازل يمثل الحدود السابقة (لم يعد للفلسطينيين من إمكانية الذهاب إلى أراضيهم في الطرف الآخر). أما مهمته الثانية فهي ضم أجزاء جديدة من الأراضي الفلسطينية. هذه ليست آخر مهامه، فبناء هذا الجدار يدخل ضمن سياسة احتلال الأرض والتي تقتضي – من خلال شبكة طرق مخصصة وعن طريق الفصل والمراقبة - إلحاق المستوطنات المتواجدة داخل فلسطين بإسرائيل. أما في الأجزاء المختلفة والمتبقية من الأراضي الفلسطينية فالسكان يجدون داخلها صعوبة بالغة للتواصل فيما بينهم. الآن، أصبحت أوضاعهم شبيهة بتلك التي كانت قائمة في البانتوستانات التي أوجدها نظام الميز العنصري بجنوب إفريقيا. إن الجدار الذي كان هدفه توفير الحماية أضحى – من وجهة نظر الفلسطينيين – جدار خنق وسور سجن. إضافة إلى هذا، للجدار وظيفة سياسية: جعل تشكيل دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة إلى جنب إسرائيل أمرا مستحيلا.

* يعدُّ أي جدار في بعض الأحيان الجزء المادي لجدران أقل إثارة (مثل الحدود) وقد يمثل جدارا افتراضيا. ومن وجهة النظر هاته يعتبر الجدار المقام في الجيوب الاسبانية في سبتة ومليلية نقطة تثبيت أو ما يطلق عليه سكان أوروبا الشرقية \"سور شينغين\" الذي يعتبر إجراء لمراقبة الهجرة في أوروبا. ألا تلعب الجدران الافتراضية دورا أكثر أهمية من الجدران الظاهرة؟

- تمثل الجدران الخفية حدودا مستحيلة العبور: إنها أكثر فاعلية من الجدران المبنية بالطوب أو بالحجارة أو بالفولاذ. لقد شكّل جدار برلين ذات الحالة مع الكتلة السوفيتية قبل سنة 1989، فجدار برلين لم يكن سوى شظية من الجدار الحديدي والذي لم يكن سدّا بأتم المعنى من حيث التسربات التي كانت تحدث من خلاله. في تلك الفترة كنتُ في بلغاريا (1963) حيث لم يكن لأي مواطن عبور ذلك الجدار دون رخصة: لقد كانت الدوريات لا تتورع في إطلاق النار دون روية. كل المعلومات التي كانت تأتي من الجهة الأخرى كانت مراقبة. لم يكن من الممكن إجراء مكالمة هاتفية للخارج و لم يكن متاحا قراءة الصحافة الغربية إلا الشيوعية منها، أما محطات الإذاعات الغربية فلقد كانت مشوشة في بلغاريا.أما الأسوار الصغيرة التي تحيط بسبتة و مليلية، فلها امتدادات عبر وسائل أخرى. فلأي هدف تقيم حاجزا حين يحدُّك البحر؟ ونفس الشأن مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي لا تنشئ جدارا مضاعفا مادام هناك الريو غراندي وصحراء آريزونا الذين يثبطان عزيمة مرشحي الهجرة. الأفارقة الذين يرغبون الالتحاق بأوروبا أضحوا يتخذون من الجزر محطات أولية: جزر الكناري، مالطا، لامبيدوزا. وإضافة لهذه العوازل أصبح الأوروبيون يستثمرون في أجهزة المراقبة والطائرات والبواخر المزودة بالرادارات وكاشفات الأشعة ما فوق الحمراء. حتى إجراءات التفتيش المتخذة بمطار رواسي هي الأخرى تساهم في هذا الجدار الافتراضي. وفي حال توافد أعداد كبيرة من المهاجرين من الناحية الشرقية لأوروبا، من خلال تركيا وأوكرانيا وبيلاروسيا حيث لا وجود لبحار فاصلة فإني لا أستبعد أن تقام جدران فعلية وحقيقية بها أسلاك شائكة.

* ألا تعتقدون بأنه من غير المعقول إقامة هذه الجدران في الوقت الذي نحيا فيه العولمة؟

- ضمن كافة الفئات التي ذكرنا من الجدران هناك فئة فقط تنتمي لعصرنا الحديث: الجدران المضادة للمهاجرين. وهذا النوع متأصل في العولمة وهذا يخلق تناقضا. ففي السابق لم يكن الفلاح المالي يخطط للسفر إلى باريس وفلاح الهندوراس لم يكن يحلم بالإقامة في لوس أنجلس. لم يكونوا على علم بوجود هذه الأمكنة. لقد أفرزت علاقات الترابط الحالية والمذهلة بين مختلف أطراف العالم هذا الحلم. في أيامنا هذه أصبحت المواد المصنعة في الشمال تتجول بحرية في الجنوب وبشكل أكثر كثافة المعلومات والصور. أعتقد أن إقامة الجدران المضادة للمهاجرين هو رد فعل الأثرياء إزاء تداعيات العولمة على الفقراء.إن رد الفعل هذا أو الشعور الجديد من \"الخوف من البرابرة\" لأمر مؤسف حقا. إنه خوف لا فاعلية له من حيث أنه يجابه الآثار و لا يهتم بالمسببات. المسببات هنا واضحة تماما: إنها الفروقات الحاصلة في تعويضات العمل والتي تتراوح من 1 إلى 10 أو من 1 إلى 100. وما لم تسو هذه الوضعية، سيستمر الفقراء بكل الوسائل في محاولة المجيء نحو الأثرياء لأن ذلك هو سبيل خلاصهم الوحيد. إنهم مستعدون لتحمل كل المخاطر كالمشي لأسابيع في الصحارى الملتهبة أو البقاء لأيام وأيام يتهادون بين الأمواج داخل قوارب متهالكة... سيما وأنهم يضعون في هذه المسألة قضية الشرف لأنهم يشعرون بمسؤولية إيجاد ما يمكن أن يغذي زوجاتهم و أبنائهم ببلادهم. حين لا تنجح طريقة ما فإنهم يجربون أخرى قد تكون أكثر خطورة بالنسبة لهم ولنا. وفي المحصلة، ينتج عن هذا الوضع شعور بالكراهية.لهذا يجب أن نفعل كل ما في وسعنا من أجل رفع مستوى المعيشة عندهم لأن ذلك يصب في مصلحتنا: شئنا أم أبينا فنحن نعيش في عالم واحد. الأمر لن يكون سهلا لأنه يوجد دوما مرتشون بين النخب القيادية في الدول الفقيرة و لكن المحاولة تستحق فعلا عناءها. إن الأموال التي تهدر في مراقبة الحدود وبناء الأسوار يمكن استغلالها واستثمارها في الشراكة. بالإضافة إلى هذا، يجب أن نتغير في علاقاتنا مع الأجانب. فلو كانوا أحرار في تنقلاتهم لكان بمقدورهم العودة مرارا إلى بلدانهم الأصلية وبهذا الشكل يمكن أن يفيدوا بما تعلموا من معارف تحصلوا عليها في أماكن أخرى. أما الباقون فلن يهددوا بقاءنا على قيد الحياة. ثم، إن الهوية الثقافية للشعوب لم تكن أبدا ثابتة، فالحضارات الميتة هي التي لا تتغير. إن أوروبا الآيلة للشيخوخة في حاجة لمقدم جماعات بشرية أكثر شبابا وحيوية.من الضروري إن يتم جهد هام ضمن الشراكات مع الآخرين وهم في بلدانهم وكذلك في حال تواجدهم بيننا من خلال الإدماج لأن العولمة حركة لا رجعة فيها. من الواجب أيضا الانخراط في عمل مشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي حتى لا ينصاعوا للأصوات اليمينية المتعالية هنا وهناك. الأمر يعني فرنسا التي يريد وزيرها المعني بالهوية الوطنية تحويل عدم الاتهام والكرم إلى جريمة.

* حين نطالع التاريخ نكتشف بأن مآل الأسوار السقوط، مثلما كان الأمر مع جدار برلين، ونكتشف أيضا بأنه بالإمكان التحايل عليها مثلما كان الشأن مع خط ماجينو وكذلك بالإمكان أن تفقد سبب وجودها كما حصل مع سور الصين. هل ينتابكم شعور بالتفاؤل حيال الجدران الحالية؟

- إن إدراك مآل سقوط كافة الجدران لا يشكل إلا قدرا ضئيلا من العزاء للذين يعانون منها اليوم. يجب تقدير مدى تأثيرها على حيوات الناس وهم أحياء و ليس على مستوى التاريخ وبدرجة أقل فيما يتعلق بتآكلها الطبيعي. لقد سقط جدار برلين أربعين عاما بعد تسييج الاتحاد السوفيتي لمناطق نفوذه بعد الحرب العالمية الثانية. أربعون سنة من الاختناق داخل سجن مفتوح في الوقت الذي لا يملك أحدنا سوى حياة واحدة. إننا لا نستطيع غض الطرف عن وجود السجن ونحيا بانتظار التغيير، سيما بالنسبة لنا الذين كنا نعاني من الوضع ونشعر وكأنه سيدوم لقرون. هذا ويجب أن ننتبه إلى أن النشأة داخل الأسوار تشوه المرء من الداخل وفي أحسن الأحوال يتشكل لدى المعنيين بالأمر إحساس بالكره يدمر الذات مما يجعل الواحد يفقد قدرة تمييز الألوان فلا يرى إلا الأبيض والأسود. ولذلك لا يجب أن نطمئن لأن الأسوار حتى ولو ماتت تبقى حية أبعد من حياة البشر.

* تمثل جميع الجدران التي ذكرنا – سواء كانت حقيقية أم افتراضية – الخوف من الآخر.. أليس هذا الأمر مسألة إنسانية بحتة؟ ثم هل قدر الإنسانية أن تعلي أبدا الأسوار؟

- ما يميز الجماعات البشرية والحيوانات الراقية هو قدرتها على إقامة علاقات مع المجموعات الأجنبية تكون من نفس جنسها. والخوف رد فعل ممكن في هذه الحالات ولكنه ليس رد الفعل الوحيد. فحين تتصل جماعة بشرية بأخرى ويحدث أن تختلف مصالحهما يمكنها اختيار الانفصال عن بعضهما أو الهروب أو إقامة جدار عازل. يمكنهم أيضا – وهذا فظيع حقا – أن يدخلوا في حرب تدمر الخصم أو تفرض عليه الانصياع (فرض علاقة تراتبية يسمح بإيقاف الحرب). ولكن ومن خلال ذات الاختلاف المصلحي يمكنهما الانخراط في عملية مفاوضات وهذا يستدعي تنازلات من الجانبين. يأخذ التفاوض عدّة أشكال هدفها النهائي تجنب القطيعة والحرب والانصياع. أكثر من الخوف من الآخر فإن التفاوض طبيعة إنسانية لأننها تدفع إلى استخدام الحوار وعنصر الوقت، الماضي كما المستقبل. هذا ما أسمته المؤرخة والأنثربولوجية الفرنسية المرموقة جيرمان

تيللو\  سياسة المحاورة\". وهو ذات الأمر الذي ينافح عنه الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، الذي نأمل أن يتبع تصريحاته بالأفعال.

الرابط

http://www.iwffo.org/index.php?option=com_content&view=article&id=12098:2010-03-08-03-33-42&catid=7:2009-05-11-20-56-39&Itemid=8






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809447 :: Aujourd'hui : 1051 :: En ligne : 13