البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-11-30
الاسلام من وجهة نظر مستنيرة

yyy

اليسار الإسلامي هو مركّب فكري في الفكر العربي المعاصر، يحاول تأويل العلوم الإسلامية، وخاصة جوانبها السياسية والاجتماعية من منظور ماركسي أو اشتراكي. وأهم العوامل التي دعت لوجود هذا التيار هي هزيمة العرب أمام إسرائيل، وظهور فشل القومية العربية، والاشتراكية، والعلمنة العسكرية، وارتداد الجماهير إلى الإسلامية، فحاول المفكرون فهم لماذا انتشرت الحركات الإسلامية كبديل للقومية العربية المنهارة ولم يثبت اليسار في الاختبار؟ ورأى بعض المفكرين أن اليسار ظهر كسياسة دولة وكفكر النخبة المثقفة في الدول العربية، لكنه لم يصل إلى مستوى القواعد الشعبية، وأنه لم يصل إلى هذا المستوى؛ لأن الجماهير مرتبطة بتراثها، ولا يمكن لفكرة أن تنتشر ما لم ترتبط إيجابًا بتراث الجمهور. وبالتالي حاول بعض المفكرين العرب المعاصرين قراءة التراث الإسلامي من منظور مادي-تاريخي، وتحويل العلوم الإسلامية إلى أيديولوجيات يسارية، ترتبط بضرورة تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية، وتخدم مصالح الطبقات الفقيرة، وتتمتع بجانب اجتماعي واضح، وتقاوم التبعية والتخلف والاستبداد من جهة، كما تقاوم احتكار الحقيقة الذي يقوم به الإسلاميون التقليديون من جهة أخرى. وأهم من قدم تنظيرًا لهذا الاتجاه هو المفكر المصري حسن حنفي، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة. ويعد كتابه "التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم" البيان التأسيسي والتخطيط العام لمشروعه. ويتكون مشروع حسن حنفي باختصار من جبهات ثلاث: جبهة بحث وتأويل التراث الإسلامي (التراث القديم) من منظور المادية التاريخية، من أجل تحويل العلوم الإسلامية التقليدية: أصول الفقه، وأصول الدين، والتصوف، والفلسفة الإسلامية، والعلوم النقلية كالحديث والتفسير، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والعلوم الطبيعية عند المسلمين، وجبهة بحث التراث الغربي من أجل تحجيم تأثيره لتخليص الفكر العربي المعاصر جزئيًا من التبعية الفكرية والانبهار بالنموذج الغربي-أو ما سمي علم الاستغراب-، وأخيرًا جبهة قراءة الواقع وهي نظرية التفسير، كمحاولة لتقديم تفسير للنص القرآني فيما أسماه بال(منهاج). وقد قام مشروع حنفي على أساس النظر إلى التراث كمصدر للفعل، لا قيمة لذلك التراث إذن-من منظوره-إلا في تأثيره النفسي، صحيح أن التراث يوجد على عدة مستويات، ولكن المستوى الفاعل هو المستوى النفسي في تأثيره الجماهيري الجمعي الشعوري أو اللا شعوري، فهناك المستوى المادي، على هيئة الكتب المخزونة، وهناك المستوى الصوري، وهو المحتوى النظري للكتب، وهو لا يعدو كونه متحفًا للأفكار والنظريات كأنما هي عقائد سماوية، ولكن المستوى النفسي هو الأبقى والأصدق والأوقع. وهو ما يظهر في عقائد وعادات وتصورات مستمرة في الحاضر وناشئة عن نصوص الماضي ونظرياته، كعقائد القضاء والقدر، والتصور الثنائي أو الهرمي للعالم، والمنهج الكلامي الدفاعي، والمنهج الفلسفي التبريري التوفيقي... إلخ. يحدد حنفي معنى التراث فهو "كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عدة مستويات" (التراث والتجديد). يعتمد المشروع على تعريف التراث بوصفه المعطى الماضوي والحاضر الذي ما يزال يشكل الواقع، وتصير مهمة المفكر المهموم بقضية التغيير أن يهتم أولًا ببحث التراث وإعادة تشكيله. وهو تعريف شديد الاتساع فقد وصل لنا الشعر الإباحي كما وصلت لنا آيات تحريم الإباحية، ووصل الفكر الإلحادي كما وصلت الردود عليه، ووصل التأويل ووصل التنزيل، ووصل الجدل ووصل البرهان، وصلت لنا في النهاية مادة بالغة التناقض والتركيب، ومن هنا يمكن اعتبار المادية جزءًا منها، والشيوعية جزءًا ثانيًا، والعلمانية جزءًا ثالثًا، إلى جوار نقائض هذه الأجزاء جميعًا، وهو الباب السري-من وجهة نظره-لتغيير الواقع دون قطيعة مع التراث؛ لأن القطيعة معه قطيعة مع الجماهير. ولا تغيير للواقع بدون تغيير الجماهير. وبذلك يحاول المشروع الجمع بين التراث من جهة والتغيير من جهة أخرى عن طريق التجديد، ويصبح الواقع هو المتغير المستقلّ الذي يجذب من التراث ما يتفق معها من بدائله ونقائضها، وهذه الاختيارات هي التي تجذب معها الجماهير، وطبقًا للمسار تنجذب الحضارة ككل إلى الإمام في حركة تقدم مستمرة. القيمة الكلية الكاملة لهذا التراث-من هذا المنظور-إذن لا تعدو كونه مصدرًا حاضرًا للقيمة والفِعل؛ لأن الهدف من البداية هو التقدم، وليس الحقيقة، وإلا تم تحديد التراث بناء على مرجعية أخرى غير الواقع، وهو ما يعني سقوط الثوابت المعرفية، وظهور الثوابت النفسية والأيديولوجية. وقد قام مشروع حنفي بالإضافة إلى هذا الموقف النفعي من التراث على موقف نقدي من مناهج المستشرقين التي انتشرت في الأكاديميات العربية. وقد قامت مناهج المستشرقين بشكل عام بمحاولة رد الظواهر الفكرية التي تدرسها إلى عوامل تاريخية (القرآن مثلاً ناتج المجتمع العربي آنذاك، بشرائعه المختلفة، وهكذا)، فجردت الظاهرة الشعورية-في منظور حنفي- من محتواها الشعوري. وبرغم أن هذا النقد يتناقض مع اعتماد حنفي على المادية التاريخية بدوره لدراسة التراث، فإنه رفض مناهج المستشرقين على هذا الأساس، وأسس لمنهجية جديدة للتعامل مع التراث، على أساس نفعي، يحاول تأويله وتجديده للوصول إلى غايات اجتماعية وسياسية، وليس مجرد تفسيره. إذا كان ماركس رائد التحول من التفسير إلى التغيير في الفلسفة الغربية، فإن حنفي قد حاول القيام بهذا الدور في سياق المشروعات العربية الفلسفية المعاصرة. وتتنوع اتجاهات اليسار الإسلامي، فإذا كان حنفي يمثل اليسار الإسلامي النظري المباشر بالإضافة إلى مفكرين آخرين مثل محمود طه السوداني، وعلي شريعتي الإيراني، فهناك اتجاهان آخران يمكن أن نطلق عليهما: اليسار الإسلامي السلبي، واليسار الإسلامي المساعِد. حاول اليسار الإسلامي السلبي أن يكتشف العوامل المادية التي شكلت التراث العربي-الإسلامي، وبذلك قدّم مادة ثرية لفهم هذا التراث على أسس اجتماعية وتاريخية، وبالتالي فتح الباب لمحاولة تأويله لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية معاصرة، ولهذا هو اتجاه سلبي، غير مباشر، يقوم على وجود هذه العوامل الاجتماعية والسياسية في تشكيل التراث، لكنه لا يحاول القيام بدور إيجابي لتأويله على أساسها. ويتمثل هذا الاتجاه في أعمال مفكرين مثل: الجابري، وعبد المجيد الصغير (تلميذ الجابري)، والطيب تيزيني، وأدونيس، وحسين مروة، وغيرهم. وعلى أية حال فإن هذه المنهجية في دراسة التراث على أساس العوامل المادية والاجتماعية والسياسية قد صارت شائعة في الفكر العربي المعاصر إلى حد بعيد. أما اليسار الإسلامي المساعِد فهو الذي عاون اليسار الإسلامي المباشر على القيام بمهمته، عن طريق توفير آلية التأويل ذاتها، والمشروع التأويلي الجذري في الفكر العربي المعاصر هو مشروع المفكر الراحل، تلميذ حنفي، نصر أبو زيد. وبالإضافة إلى أعمال نصر أبو زيد فهناك أعمال كل من الجابري في التفسير (مدخل إلى القرآن الكريم، فهم القرآن الحكيم) لتفسير القرآن تفسيرًا ديناميكيًا تطوريًا حسب أسباب النزول اعتمادًا على منهج تكويني ومنهج بنيوي، وكذلك "الجليّ في التفسير" لأبي يعرب المرزوقي الذي حاول فيه إعادة تأويل القرآن ليؤسس رؤية اجتماعية-ميتافيزيقة مركّبة كمذهب إسلامي تقدّمي في إدراك العالَم والعمل فيه. وهو يرى أن العلمانيين قد أهدروا علاقة النص بالتاريخ حين زعموا أن دور النص انتهى وبدأ دور العقل بانقراض العصر، بينما أهدر السلفيون التاريخ حيث حاولوا فرض النص على كل لحظات الزمن وزعموا أن النص صالح بإطلاق، كليًا وجزئيًا، لكل زمان ومكان، فأهدروا حقيقة أن النص ناسب في نزوله وقائع التاريخ. وبالتالي فهو ينطلق أيضًا من الأساس النقدي الذي انطلق منه حنفي في رفض العلمانية التقليدية والسلفية، كليهما، ومحاولة شق طريق ثالث. (نُشر بجريدة البديل الورقية) 2-5-2014




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2306998 :: Aujourd'hui : 548 :: En ligne : 5