البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-11-20
ظلال الرواية

yyy

ما الذي يجعل ظلال الرواية تغطي باقي الفنون الإبداعية المكتوبة؟ أو ما الذي يجعل القارئ يذهب اليوم إلى الرواية دون القصة القصيرة ودون الشعر؟ ما الذي يجده في النص الروائي ولا يجده في القصيدة؟ كتاب للناقد السوداني عمرو منير دهب صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت بعنوان ساخط يقول «تبا للرواية» ولا أعرف مدى حدّة محتواه في الحقيقة، كوني لم أحصل عليه بعد، لكنني قرأت عنه مختصرات على الإنترنت، كلها تذهب إلى أن الكاتب ليس ضد الرواية، بل ضد الإيهام بأنها أفضل الفنون على الإطلاق. وغرابة الأمر ليست هنا، بل في الرواية التي سطت على عظمة الشعر وسحلته سحلا، واستحوذت على أناقة عبارته ومضت في سبيلها بأثوابه الفاخرة، لم تكتف بسرد القصة واختراع بنودها وبناء تفاصيلها، بل تمادت في أخذ عصارة اللغة الشعرية خاصته لتكون السبيل لإغواء القارئ وعزله عن باقي الفنون المكتوبة. في مقالة من بين المقالات التي مرت عليّ قال سعيد الشيخ: «هل الشعر تحت أقدام الرواية؟». وفي استطراده طرح أسئلة أثارت حيرتنا بدون أن نجد لها الأجوبة، قال: «لدينا ما لا يحصى من الشعراء، لكن الشعر يظل قليلا عديما». حتى إنه تحدّث عن نجومية الشعراء، لكنني لم أقتنع بذلك، ففي السنوات الأخيرة بزغت أسماء روائية ملأت سماء المشهد الثقافي، وحجبت الكثير من الشعراء الذين كانوا نجوما. شيء ما جعل الشعر يقف تحت ظلال الرواية، وأعتقد أني كنت مخطئة حين كتبت بإصرار أن الشعر بخير، وأنه سيد الفنون كلها! فهل كان انحيازي للشعر نابع من ميول شخصية؟ حتى هذه اللحظة، أتابع تألق الرواية المستمر واختفاء الشعر كمنسوب الماء أثناء الجزر. مجرد انحسار للخلف، حيث العتمة والأشياء المبهمة غير الواضحة، والصمت المطبق الذي لا يمكنه أن يشبه الشعر أبدا. عشرية مضت، وقد مضت معها أسماء كثيرة إلى مكان ما في تلافيف النسيان، وكأنها تسرّبت عبر ثقوب سوداء رمت بها لعالم آخر غير عالمنا. وهي أيضا عشرية شهدت رحيل قامات عملاقة، تلاحقت في سفرها الأبدي وكأنها اتفقت على مواعيدها تلك، غادرت وبقيت الساحة فاغرة فاها مثل كائن تعرّض لصدمة. محمود درويش، منصور الرحباني، جورج حداد، سليمان العيسى، سميح القاسم، سيمين البهبهاني، سعيد عقل، محمد الصغير أولاد أحمد، سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي، تحضرني هذه الأسماء دون غيرها لأنها تركت بصمة في قلبي، لكنها علامات فارقة في سلم الشعر العربي فعلا. الروائيون الذين رحلوا، بالموازاة كان رحيلهم أقل وقعا على النفوس، حتى أسامة أنور عكاشة الذي تربع على عرش الكتابة الدرامية التلفزيونية، وسكن قلوب جماهير غفيرة غادر كما يغادر أي شخص عادي، كتبت عنه بعض الأسطر استحضارا لمسيرته وانتهى. روائي مثل الطاهر وطار الجزائري، دخل قبره مثل النساك بعد رحلة بلا أمل لفرنسا، لكن شاعر السهل الممتنع منصور الرحباني فتح سجالا على مستوى المنابر الإعلامية، أمّا سعيد عقل فقد فاق تأبينه الملوك والأمراء والشخصيات المرموقة. محمود درويش يبقى حكاية فريدة من نوعها، فقد أوقف قلوبنا بغيابه، هرع القراء بحثا عن كتبه، سجل نسبة مبيعات كبيرة وهو ممدد في تابوته، احتل خبر وفاته الصفحات الأولى لجرائد عربية من الخليج إلى المحيط، كادت تنكس الأعلام بسبب رحيله، مع أنها في قلوب محبيه والمتأثرين به نُكِّست بالفعل. غياب الشعر كان مفجعا، كذلك النبيل الذي يموت ولا يترك وريثا لاسمه وثروته، أما الروائيون وكتاب القصة والمسرحيون والتشكيليون فقد اختلف ثقل غيابهم، هناك من غادر دون أن نشعر بغيابه، هناك من سجلناه ميتا قبل أن يموت، وجاءت الصدمة حين عرفنا أنه مات لاحقا. في أي صف سأقف الآن؟ في صف الشعر الذي يتهاوى عظيما؟ أم في صف الرواية التي أنجبت ورثة لها انتشروا في الفضاء الثقافي مثل فراشات الربيع وإن كانت أعمارهم قصيرة؟ في الغالب هناك ما يشبه العاصفة نعيشها اليوم، ستحيي البعض وتقتل البعض، وبعدها لن يبقى سوى الأقوياء في كل الفنون، فاليوم حين يولد عشرات الروائيين كل عام، من بينهم شعراء تخلوا عن الشعر مع سبق الإصرار والترصد، بقرارات اندفاعية لا تشبه العمل على مشاريع روائية بقدر ما هي مغامرة للبقاء على قيد الحياة. هل أنا مخطئة؟ فما معنى أن يطوي شاعر مرموق صفحة تاريخه الشعري، وكأنه مخذول بقارئه وناشريه ومناصري الشعر، ويكتب رواية ينافس بها أصحاب «الحرفة» الجديدة مجـــتهدا بكل علاقاته في الأوساط الثقافية للبروز على قائمة الروائيين؟ ما معنى أن يترك الشعر في «جوارير» مكتبه، بدون أن يعترف أن ناشره ما عاد مستعدا لمغامــــرة بإصدار مجموعة أخـــــرى له؟ وأن اسمه الكبــــير بكل بريـــقه «لا يبيع» حتى في حفلات التوقيع للأحبة والأصدقاء. مأساة أن يختبئ الشاعر اليوم خلف ستارة شفافة تكشف ضعفه، والمأساة ربما حين يزاحم أعلام الرواية الجدد اليوم وهم في عمر الزهور، بعضهم لمع نجمه مع أول إصدار له.. صحيح أن لا قانون يمنع الشاعر من خوض تجربة السرديات الطويلة، لكن هل ما قام به شعراء القرن العشرين كان تجديدا أم بداية نهاية الشعر بالتخلص من الأوزان والأقفال والقضبان والخروج نحو الفضاءات التعبيرية الحرة؟ أليست الرواية اليوم هي أكثر الفضاءات الأدبية شساعة، واحتضانا لكل الفنون التعبيرية كتابة؟ ألم يكن شعر المجددين مجرّد ذيل لما تبقى من الشعر الحقيقي؟ ألم يكن نهاية عاشت قرابة القرن ثم انحسرت؟ ألم يجعل هذا الأمر اليوم كهول الشعر يقفون تحت ظلال الروايات الشابة وهم يشعرون في أعماقهم أن نجاحهم ليس كافيا، وأن شعرهم ليس مؤثرا كما يجب؟ وغير ذلك ألم يتحرّك بهم الزمن سريعا نحو عمر خاوٍ من المشاعر، لا يُغوون فيه ولا يُغوى بهم. زمن لا يناسب التغزل بالنساء الجميلات، ولا بالطبيعة الخلابة، ولا حتى بالثورات. الشاعر اليوم، كما غيره من أفراد العالم العربي الجريح، محاط بخراب مرعب، ووقائع عجز تماما عن وصفها، وتشكيلها بصيغة الشعر، إنه بحاجة للثرثرة والصراخ وسرد قصص المعطوبين والثكالى والأيتام، لا شيء يشجعه على بناء لغة مصفوفة بانتظام، ومصقولة مثل أغانٍ تقرأ على إيقاع موسيقى الداخل، ثمة خطب أيضا في تلك الموسيقى التي اجتاحها أنين من دمرتهم الحروب، وقد غمر القلق أماكنها وعبث بالسكينة التي يحتاجها الشعر ليعبث بالمشاعر وأدوات الإصغاء. ثمة أمور كثيرة، أقف عليها اليوم متأملة عمر الشعر الطويل وعمر القصيدة المتينة المتعبة ببحورها، وقوانينها الصارمة، القصيدة التي خرجت للشارع ونزلت إلى المقاهي والعامّة، ورفضت أن تكون «سيدة القصر المؤدبة والمهذبة.. انهيار وقار القصيدة جريمة من؟ هذا البؤس الذي يعيشه الشعر تحت ظلال الرواية ما هي أسبابه؟ هل من مجيب؟ http://www.alquds.co.uk/?p=829695




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307016 :: Aujourd'hui : 567 :: En ligne : 5