البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-11-09
قيام المعرفة ومصدرها عند أرسطو

yyy

إِن الاحساس علم بالقوة وقوة تمييزية في خدمة العقل المحض. وهو, في حالات معينة, علم بالفعل, إِذ إِننا ندرك بالإِحساس, لو كنا على سطح القمر وقت الخسوف, لا وجود الخسوف فقط, وإِنما سببه كذلك, أي وضع الشمس من القمر والأرض. والإِحساس, أخيراً, بداية حتمية تنطلق منها المعرفة, ذلك لأن الكلي إِذا كان متقدماً على الجزئي, في مستوى المنطق, فإِن الجزئي متقدم على الكلي في المستوى الحسي الواقعي, ولأن العلم يجب أن ينطلق من الأشياء والموجودات التي هي أقرب إِلى مدارك المرء وأوضح له: أي يجب أن ينطلق من مجموعات الإِحساس الفردي, ليتمكن المرء من الوصول, على طريق التحليل, إِلى التصور الكلي «إِنسان». فالمعرفة القائمة على تجريد الصور من موادها, انطلاقاً من الخبرة الحسية, نقطة جوهرية تميز الفكر الأرسطي من الفكر الأفلاطوني. وإِذا كانت المعقولات, في الفلسفة الأفلاطونية, منفصلة, من حيث هي أفكار, عن المحسوسات, فإِنها, في الفلسفة الأرسطية, متأصلة فيها وملازمة لها. وإِذا كانت الصورة, في نظر أفلاطون, تعني الفكرة, من حيث إِنها واقعة موجودة, بوجه مستقل عن الأشياء الحسية, فإِنها تعني, في نظر أرسطو , كمال المادة, لأنها هي التي تحققها بالفعل على نحو لا تنفصل عنها. فأرسطو ينادي بـ «الإِنسان - سقراط» محل «الإِنسان في ذاته» الذي نادى به أفلاطون. ولهذا, فإِن على العقل البشري, في نظر أرسطو , البحث عن الصور المعقولة في العالم الحسي مستنتجاً بذلك المعرفة من الخبرة الحسية. فالمعرفة الأرسطية, الموجودة بالقوة في الأشياء الحسية, قائمة على الخبرة الحسية والتجريد العقلي. وهكذا حلّ أرسطو مسألة أصل المعرفة. أما أفلاطون فإِنه, بسبب عدم وجود مفهوم القوة عنده, لم يستطع حلها إِلا بالتذكّر. الاستدلال الاستقرائي: الاستقراء مصدر المعرفة ومبدأ القياس, لأنه مبدأ العام والكلي. وهو الذي يقدم مبادئ البرهان القياسي, بوساطة القضية الكلية التي تمنح البرهان القياسي قيمته الخاصة. إِن من المبادئ ما قد «عرف بالاستقراء, ومنها بالحساسية, وأخرى بنوع من العادة, وأخرى تأتي من أصل آخر», أي بوساطة العقل المحض. ومع أن الاستقراء يعتمد على الإِحساس والعادة ويتعاون مع العقل المحض, فإِنه - كالإِحساس نفسه - لا يقوم مقام العلم اليقيني, لأنه يكشف فقط عن فعل الوجود, لكنه يقود, بتأمل حالات فردية متكررة باستمرار وانتظام, نحو العام. وبمعرفة العام, يقود الاستقراء إِلى المعرفة اليقينية للعلة, وبالتالي للذات. فالعام, كما يقول أرسطو, «يبين لنا العلّة». فالعلم, بحسب طريقتي أرسطو في المعرفة (الاستقراء والإِثبات), ينتج, إِذن, عن الفكر الحدسي الذي يقود, انطلاقاً من العمومية التي يقدمها الاستقراء, إِلى الضروري والكلي, وإِلى علل الأشياء ومبادئها, وبالتالي إِلى المعرفة الإِثباتية اليقينية. وهكذا فإِن المعرفة هي معرفة الواقع, أي إِن هناك انسجاماً تاماً بين الوجود والمعرفة. إِذا كانت المعرفة العلمية, أو البرهان, هي معرفة الكليات, فإِن من طبيعة الاستقراء الانتقال من الجزئي إِلى الكلي ومن الخاص إِلى العام. فالاستقراء استكناه الكلي الكامن في الجزئي بوساطة التجريد, وخزنه في الحافظة بالتذكر, ثم خلع الصفة العقلية عليه بالنطق. وهو, بصفته الوسيلة الوحيدة للحصول على المبادئ الأولية, وبصفته قائماً على تعددية الجزئيات, يبين الماهية الثابتة في الجزئيات العديدة. إِنه, في الواقع, الوسيلة الوحيدة للانتقال من الكل إِلى الكلي. وصفوة القول إِن الاستقراء الأرسطي استقراء تام يُتصفح به جميع أفراد الشيء المبحوث عنه فيُحكم على الكل كما يُحكم على أفراده. القياس الإِثباتي والتحديد, الجنس والنوع, المادة والصورة, مفهوم القوة: إِن القياس الإِثباتي, المستند إِلى مقدمات ضرورية, هو القياس الوحيد القادر على إِيصال المرء إِلى المعرفة الحقيقية, لأن الحد المتوسط فيه هو متوسط وعلة معاً. ولكن كيف يمكن إِثبات أن المقدمات ضرورية؟ الواقع أن المعرفة الأرسطية تتحرك بين حدين, سفلي (الأفراد) وعلوي (المبادئ الضرورية), لا يمكن إِثباتهما. فالمعرفة الاستدلالية اليقينية تتوقف, ضرورة, على معرفة حدسية, مباشرة, غير قابلة للإِثبات, وتتعلق بمبادئ حقيقية, مباشرة, ضرورية, ولاسيما بالشيء المراد إِدراكه أو إِثباته, كما أنها تتعلق بالعقل لا بالجدل. وهكذا فإِن المبادئ الخاصة بكل علم, التي يُعطى وجودها وماهيتها معاً ومباشرة من دون التمكن من إِثباتها, هي: البديهيات المنطبقة على الموجودات كقوانين عدم التناقض والثالث المرفوع والعينية التي تؤلف قاعدة الاستدلال, والفرضيات والقضايا التي ينطلق الاستدلال من حدودها, والتحديدات كالتحديد الاسمي والواقعي والذاتي. فعن طريق التحديد (الحدّ), ندرك ذوات الأشياء, وبالتالي عللها, إِذ إِن ذات الشيء وعلته تؤلفان حقيقة واحدة. ولهذا يجب, أولاً, أن يُعرف عن الشيء أنه موجود, وإِلا فسيكون التحديد اسمياً. وهكذا فإِن أولى العمليات التي تستوقفنا هي فعل الوجود, أي إِن الجوهر هو الحقيقة الوحيدة التي ندرك وجودها من دون إِثبات. ففي الجوهر تطابق واتحاد تامان بين التحديد والشيء المحدد, وبين الفكر وموضوعه, حتى إِن العلم وموضوعه واحد. والفكر المحض يتطابق مع موضوعه, وهو, مثله, بسيط لا يتجزأ. وهكذا فإِن التحديد المباشر لا ينطبق إِلا على الموجودات البسيطة التي تؤلف وجوداً واحداً في غاية الجودة. إِن المعرفة الحدسية, أسمى المعارف الاستدلالية, تناسب الموجودات المتحققة بذاتها, والحقائق البسيطة, والجواهر الأولى غير المادية. كما أنها قد لا تنطبق كلياً إِلا على المبدأ الأول, لأن فكره وموضوعه متحدان في حقيقة واحدة. أما الجواهر المحسوسة المركبة التي وجودها متميز من ذاتها وعلتها, فإِنها تدخل ضمن نطاق التحديد, ولذا فإِن على العلم الحدسي المطبّق عليها أن يتشعّب إِلى قسمين: علم الوجود وعلم العلة. والعقل يتوصل إِلى معرفة نسبية, في تحديده الجواهر المركبة, وإِلى معرفة تامة, في تحديده الطبائع البسيطة التي يكوّن وجودها وعلتها حقيقة واحدة. فعندما يدرك العقل وجود الشيء, بوساطة الحدس الحسي والاستقراء, يحاول إِدراك ذاته وعلته. فالتحديد لا يقال إِلا على الأشياء الموجودة بذاتها, أما الأشياء القائمة بغيرها, فلا يمكن إِعطاء سوى تحديد خارجي منطقي لذواتها يشمل أجناسها وأنواعها. ومع أن هذه الذات, موضوع التحديد, مكونة من الفصل النوعي والجنس, فإِنها تقوّم الموجود الفردي وعلته, وتحمُل على إِدراكه, بصفته وحدة متكاملة غير قابل للتجزئة. ولكن كيف يكوّن الموضوع المحدد «إِنسان» في التحديد التالي :«الإِنسان حيوان ذو قدمين», وحدة متكاملة, مع أنه مكوّن من عنصرين :«الحيوان», و «القدمين»؟ أو بالأحرى, كيف تتم بين هذين العنصرين المختلفين نوعياً تلك الوحدة التي من دونها كان على الموضوع المحدد «إِنسان» أن يتلقى محمولات متعارضة معاً؟ ولحل هذه المعضلة, بيّن أرسطو أن الوحدة القائمة بين الجنس والفصول النوعيّة, في التحديد, ليست وحدة عرضية لحدين منفصلين, كوحدة «بياض الإِنسان» القائمة بين «البياض» و«الإِنسان», وإِنما هي وحدة تلازم ضرورية, كالوحدة التي تربط, بذاتها «الفطس» بـ «الأنف». والجنس لا ينفصل, في الواقع عن أنواعه, وإِنما في التصوّر وبصفته مادة لها, فهو لا يوجد إِلا بها ومن خلالها, بل هي التي تحدّده. أي إِن تحديد الشيء هو توضيحه عن طريق أنواعه. أما الفصل النوعي, فإِن علاقته بالذات كعلاقة الجوهر بالموجود: فكما أن الجوهر علة الموجود في وحدته, كذلك يقوّم الفصل النوعي وحدة الموضوع المحدد ووحدة التحديد. إِن علاقة الفصل النوعي بالجنس شبيهة بعلاقة الصورة بالمادة. هذه المادة لا توجد إِلا بالصورة, ولا تنفصل عنها إِلا في التصور, أما في الواقع فإِنها تلازمها وتتحقق بها بالفعل. فالصورة, أو الذات أو الماهية, علة الموجودات في وجودها ووحدتها, لأنها تبيّن لنا حقيقة كل منها, كما أنها علة المادة, لأنها تبيّن لنا سبب وجودها في حالة ما من دون سواها. وهكذا فإِن الصورة هي الذات المتحققة في مادة, والمتكونة من جنس وفصل, أو بالأحرى من مجموعة المحمولات والمقومات الأساسية التي يعبّر عنها التحديد. فالمادة, من حيث هي ممكنة ومتحولة, لا يمكن تحديدها إِلا من حيث اشتراكها مع الصورة وارتباطها معها برباط تلازم هو السبب في وحدتهما, ومن ثم وحدة التحديد. فالصور, باستثناء المبدأ الأول والجواهر المفارقة, لا تنفصل عن المادة إِلا في التصوّر, أما إِذا فُصلت عنها, في الواقع, كما فعل ذلك أفلاطون, فسيستحيل إِيجاد المبدأ الذي يوضح سبب تحول البرونز, مثلاً, إِلى كرة. بيد أن أرسطو أوجد حلاً لهذه المشكلة, بإِدخال مفهوم القوة التي علاقتها بالفعل هي علاقة المادة بالصورة, أو بالأحرى علاقة العنصر الأقل تحديداً بالعنصر الأكثر تحديداً. فالقوة, التي هي مفهوم أساسي في فلسفة أرسطو, ليست فقط إِمكانية بسيطة في الوجود, تحمل الأشياء غير المحددة إِلى أن تكون محددة, وإِنما هي أيضاً إِمكانية قريبة من الفعل, أو بالأحرى هي نوع من الفعل غير التام ومبدأ حركة يحقق المواضيع, الموجودة بالقوة, بالفعل تدريجياً. إِن القوة والفعل مفهومان متطابقان, أي أن هناك استمراراً واتصالاً بينهما, حتى إِنه لا يمكن التفكير بالمادة, من دون التفكير, اضطراراً, بالصورة التي فيها تتحقق هذه المادة بالفعل. والوحدة القائمة بينهما تتحقق بالانتقال من القوة إِلى الفعل, بتأثير من العلة المحركة: غاية الأشياء ونموذجها. وهكذا فإِن وحدة التحديد, في الأشياء المركبة, تستند إِلى وحدة الشيء المحدد, لبيان السبب الذي حدّد المادة على طريق الصورة. وهنا يمكن تلمس الميتافيزيقة الأرسطية, وما يميزها من الأفلاطونية. فبفضل مفهوم القوة, عند أرسطو, يُتوصل إِلى إِدراك الوحدة الداخلية القائمة بين التحديد والشيء المحدد. وهذا ما لم تتوصل المدرسة الأفلاطونية إِلى إِدراكه بسبب إِغفالها الاتحاد الجوهري والضروري بين القوة والفعل, بتأثير من المحرك الذي يحوّل المادة من القوة إِلى الفعل. فلسفة ما بعد الطبيعة الميتافيزيقة, كغيرها من العلوم, معرفة موضوع ما, بمعرفة مبادئه وعلله. ولكنها خلافاً للعلوم الأخرى, تحكم على مبادئ الموضوع وتسند أحكاماً إِلى ذاته ووجوده. وهذا ما يجعلها, بالضبط, جديرة بأن تكون المعرفة السامية و «الحكمة الإِلهية». ولذا لابدّ من تمييز موضوع هذا العلم, الذي يتم انطلاقاً منه البحث عن العلل والمبادئ, من هذه المبادئ ذاتها. يؤكد أرسطو أنّ الموجود هو موضوع الميتافيزيقة والمقصود هنا, بالموجود الموجود في كل أبعاده ومعانيه المختلفة, بيد أن هذه المعاني المختلفة, إِذا لم تؤلف وحدة ما, فستجعل وجود الفلسفة الأولى أمراً مستحيلاً. والجوهر, في نظر أرسطو, هو الذي يكوّن هذه الوحدة, لأن الموجود يقال, في أول معنى له, على الجوهر, وبوساطته, يقال على الكمية والكيفية وغيرهما من المقولات. فالموجود هو, في ذاته, جوهر, وهو, بوساطة الجوهر, موجودات أخرى ليست موجودات إِلاّ لأنّ لها علاقة معه. فالفلسفة الأولى تدرس, إِذن, الموجود من حيث هو موجود, أي بصفته جوهراً أو عرضاً. كما أنها تبحث عن مبادئ الجواهر وعللها, وتتأمل الوضع الأنطولوجي للموجودات جميعها بصفتها موضوعات العلوم الأخرى كالفيزيقا والرياضيات. فالجوهر هو الموجود في أعمق معانيه. وهذا ما عبَّر عنه أرسطو بقوله: إِن ما نبحث عنه دائماً يتمثّل في معرفة مدى تطابق السؤال «ما الموجود»؟ مع السؤال «ما الجوهر»؟. والجوهر مركّب من مادة وصورة: صورة تحمل الوجود إِلى المادة, بفعل محرّك؛ ومادة لا توجد حقيقة إِلاّ لأنها استقبلت الصورة. ومع أنّ أرسطو, بمفهومه الحسي للصورة والمادة, رفض نظرية أفلاطون في الصور المفارقة, مع اعترافه بأنها تدخل ضمن نطاقالميتافيزيقا لا الفيزيقا, فإِنه بقي أميناً على حدس معلمه الأساسي القائل بتفوق الصورة على المادة. إِذا كانت الجواهر جميعها فاسدة, فهذا يفترض أن ليس هناك وجود. ولكن لما كانت الجواهر الحسية موجودة, فلابدّ من وجود جواهر غير فاسدة ومن ثم غير مادية. ولما كان ليس بالإِمكان الذهاب إِلى اللانهاية ضمن إِطار الجواهر المفارقة, فلا بد من التوقف على جوهر أول, أو مبدأ أول, هو مبدأ الحياة والوجود, أو هو الله. أما الفلسفة الطبيعية, فإِنها تدرس الجواهر الحسية, وتبحث عن علل التغيّر والتحوّل وعن الظاهرات التي ترافقهما, سواء في المستوى الجوهري, أو في المستوى العرضي. وهي تشمل الأحياء, وفيها الإِنسان, شريطة أن تُبقي للفلسفة الأُولى دراسة ما هو غير مادي في الإِنسان, أي العقل. فالفلسفة الطبيعية تُبْرز مبادئ الصيرورة, كالمادة والصورة والعدم؛ وتضيف إِليها مبادئ أخرى, كالمصادفة التي تبدو أنها تفلت من الغائية, وهي تتساءل عن طبيعة الحركة وأنواعها, كما أنها, في النهاية, تدرس الجواهر والصّور, من حيث خضوعها للتغيّر والتحوّل. بيد أنّ هذه الصور متعلقة, في نظر أفلاطون, بالديالكتيك, لأنّه لا يعترف بوجود علم متعلق بالطبيعة. والمشكلة الأساسية, عند أرسطو, هي أنّه حدّد موضوع الميتافيزيقة وفق ثلاثة أنماط مختلفة: العلل والمبادئ السامية, والألوهية, والموجودات بصفتها موجودات. وها هنا احتمالان: الأول هو العودة إِلى تطور أفكار أرسطو لحلّ هذه التعددية في موضوع الميتافيزيقة؛ أما الثاني فالقول بالتطابق بين الموجود, من حيث هو موجود, وبين الألوهية, وعدّهما حقيقة واحدة. الاحتمال الأخير مرفوض, لأنّ الموجود الذي يُدرس لمعرفة مبادئه لا يمكن أن يتطابق مع هذه المبادئ. والاحتمال الأول كذلك مرفوض, لأنّه لو كان أرسطو قد أضاف نصاً ليصحّح رأياً لم يعد يقبل به, لكان حذف المقطع المعبّر عن هذا الرأي. والواقع أن شيئاً من هذا القبيل غير ملحوظ في مؤلفاته, لذا لا يمكن الكلام عن تطور في أفكاره. كان موقف أرسطو, في مستهل حياته الفلسفية, قريباً من موقف أفلاطون, عندما اعتقد أنّ موضوع الميتافيزيقة هو الجواهر المفارقة والألوهية. لكنّه ما لَبِثَ أن طوّر, بعد رفضه الصور الأفلاطونية, مفهومه عن الموجودات, من حيث هي موجودات. فبيّن أن الموجود لا ينحصر فقط في الصورة, أي أنّه لا يتطابق معها, بل له عدة مفاهيم؛ وهو ليس بالجنس. وهكذا وسّع أرسطو مفهوم الموجود ليُدخل فيه الجزئيات التي رفضها أفلاطون. إِن الأمور الخاصة التي امتاز بها أرسطو هي تأكيد وجود علم فيزيقي ووجود جواهر مفارقة, ومع أنّ أرسطو أدرك, منذ قراءته لكتاب أفلاطون «الجمهورية», أن هناك علماً موضوعه «الموجود من حيث هو موجود», فإِنه وقف جهوده للقسم الأول من الصيغة «موجود», وليس للقسم الآخر منها «من حيث هو موجود» الذي أشار إِليه أفلاطون. وهكذا ظهرت, في الميتافيزيقة الأرسطية, مرحلتان: مرحلة لاهوتية, وأخرى أنطولوجية. ومع أن أرسطو خصص لكل من هاتين المرحلتين بعضاً من أبحاثه الفلسفية, فإِنّه وفّق بينهما, في المقالة السادسة من كتاب ما بعد الطبيعة, بقوله: إِنّ اللاهوت علم كلّي, لأن الكون يتعلّق بالموجود الذي يدرسه هذا العلم, أمّا علم الوجود فيصب في اللاهوت. فالميتافيزيقة تدرس الموجود بأبعاده ومعانيه الكثيرة, وتكوّن في بدايتها علماً مستقلاً عن اللاهوت, يُطلق عليه الأنطولوجية[ر], ولكنّها عندما تثبت المبادئ الأولى للموجود, ومن ثم المبدأ الأول, أو المحرك الأول, أو اللّه, تتطابق مع العلم الإِلهي الذي يكوّن مع علم الوجود علماً واحداً. والميتافيزيقة تدرس الموجودات جميعها وفيها الموجودات الحسية والرياضية لتحديد مبادئها وشروط كونها موجودات. وهكذا فإِن الموجود من حيث هو موجود, هو موضع العلم الميتافيزيقي الذي هو العلم السامي والعلم الكلي معاً. ولا يمكن تلخيص فكر أرسطو, حول هذه النقطة بالذات, بأفضل من أرسطو نفسه, إِذ قال :»تستند دراستنا إِلى الجوهر, لأنّ المبادئ والعلل التي نبحث عنها إِنّما هي جواهر». اللاهوت الطبيعي الفلسفة الطبيعية (الفيزيقا): يبيّن أرسطو, في المقالتين السابعة والثامنة من كتاب السماع الطبيعي, ضرورة وافتراض وجود محرك أول غير متحرك, فوجود الحركة يفترض وجود علة واقعية موجودة خارجاً عنها, وذلك لعدم وجود شيء في الطبيعة يتحرك على طريق المصادفة, أو ينتقل بذاته من القوة إِلى الفعل, أو بالأحرى لعدم وجود مبدأ أو علة في الحركة نفسها. وانطلاقاً من المقالة السابعة يمكن صوغ البرهان التالي: لما كان ما هو متحرك, متحركاً ضرورياً, بغيره, ولما كان يستحيل الذهاب, في الحركة, إِلى اللانهاية, لذا يجب التوقف على محرّك غير متحرّك. ومن الممكن انطلاقاً من المقالة الثامنة, صوغ البرهان, القائم على أزلية الحركة, على النحو التالي: لما كانت الحركة الأزلية هي منتظمة ودائرية, فإِنها تفترض وجود محرك أول غير متحرك, ولما كان كلَّ متحرّك متحركاً بغيره, يلزم بالضرورة وجود محرّك غير متحرّك, لاستحالة أن تكون المحركات المتحركة بغيرها غير متدرجة إِلى اللانهاية. ويضاف إِلى ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون كل محرّك متحركاً بغيره. إِن التحديد الذي يقدّمه أرسطو عن سرمدية المحرك الأول يستند كلياً إِلى أبدية الحركة التي تنجم بدورها عن أبدية الزمن, لأن كل لحظة حدُّ متوسط بين زمنين: فالحاضر يفترض دوماً وجود ماض ومستقبل ووجود قبلية وبعدية. وإِذا كانت الحركة أبدية, وكل متحرّك يفترض وجود محرّك له, كان لا بدّ, لتوضيح هذه الحركة الأبدية, من فرض وجود محرك أبدي غير متحرّك لا بغيره ولا بذاته: فإِن قيل إِنه متحرّك بغيره, فسيؤدي الأمر إِلى قبول مبدأ التسلسل إِلى اللانهاية, وهذا مستحيل أيضاً. المحركات الأزلية متعددة, وعدد الحركات, إِضافة إِلى الحركة الأولى الصادرة عن المحرك الأول, يراوح بين 47 و55 حركة. وهذه الحركات تفترض وجود مثل هذا العدد من الجواهر غير المتحركة. والفرق بين المحرك الأول والمحركات الأخرى أن المحرك الأول غير متحرّك, لا بالذات ولا بالعرض, وخارج عن العالم؛ أما المحركات الأخرى فإِنّها متحركة بالعرض مع أفلاكها, كالنفس التي تنتقل بانتقال جسمها الذي تحركه, كما أنها قائمة في أفلاكها من دون أن يكون اتصالها بها اتصال الصورة بالمادة, لأنها عقول مفارقة. الفلسفة الأولى, أو فلسفة ما بعد الطبيعة: لم يقل أرسطو, في الفلسفة الطبيعية, إِن المحرك الذي توصل إِلى إِثباته هو الله, بل افترض فقط وجود حقيقة أسمى من الحركة وخارجة عنها. أمّا في الفلسفة الأولى, فإِنه يدرس هذه الحقيقة لتعرّف ماهيتها وخصائصها. وهكذا يؤلف برهان الحركة, في العلوم الطبيعية, قاعدة أساسية انطلق منها أرسطو, في الفلسفة الأولى, ولاسيما المقالة 12, ليثبت وجود علة أولى للوجود, هي الله. يمكن التفريق, في المقالة المذكورة, بين جزأين: يدرس الجزء الأول (الفصول الخمسة الأولى) الجواهر الحسية,والجزء الثاني (ما تبقى من فصول المقالة) الجوهر غير المتحرك. يميّز أرسطو, منذ الفصل الأول, ثلاثة أنواع من الجواهر: جواهر حسية فاسدة, وجواهر حسية سرمدية, وجوهر غير متحرك. تدرس الفلسفة الطبيعية النوعين الأول والثاني؛ أمّا النوع الثالث, موضوع هذه المقالة, فتدرسه الميتافيزيقة. إِن العلاقة بين قسمي هذه المقالة غامضة, مع أنّها ضرورية لتوضيح الصلة بين الله والعالم. إِذا كانت الجواهر جميعها فاسدة, فستكون جميع الأشياء الناجمة عنها أيضاً فاسدة, ولما كان هناك تحديدان, هما الزمان والحركة, وهما غير فاسدين وأبديان, ولا يمكن أن يكون قوامهما إِلاّ في الجواهر, لأنّ الحركة إِِنّما هي المتحرك, إِذن لا بدّ من وجود جوهر أو جواهر غير فاسدة وأبدية. فالزمان, في نظر أرسطو, أبدي, ولا يوجد خارج الزمان لا قبل ولا بعد. وهو لم يبدأ أبداً, ولا يمكن أن يتلاشى, لأنه إِن كان غير ذلك وجب القول بوجود زمان قبل الزمان, وزمان بعد الزمان. والحركة, كالزمان, أبدية, لأن الزمان إِمّا أن يكون الحركة نفسها, وإِمّا أن يكون شكلاً من أشكالها. ومن أبدية الحركة ووحدتها, يستنتج أرسطو اتصالها الذي هو اتصال الحركة المحليّة, بل اتصال الحركة المحلية الدائرية. ويستنتج أرسطو من ذلك أن الجوهر الأبدي وغير الفاسد, هو الجوهر الذي يتحرّك بحركة أبدية ودائرية. وهكذا أثبت أرسطو أنّ هناك جوهراً أبدياً, أو محركاً أول لحركة دائرية أبدية. إِن أول ما يميّز هذا المحرك السرمدي هو نشاطه الدائم, كما أنّه في الفعل بوجه مستمر ولا يعرف القوة مطلقاً. أما المحركات الأخرى فإِنها تنتقل من الحركة إِلى السكون ومن السكون إِلى الحركة, أي من الفعل إِلى القوة, ومن القوة إِلى الفعل. يلجأ أرسطو, للإِجابة عن هذا السؤال, إِلى معطيات نفسية. فلكي يكون المحرّك الأول محركاً لغيره من دون أن يكون هو نفسه متحركاً, عليه أن يكون المرغوب الأسمى والمعقول الأعلى, أي أنّ تحريكه لغيره ناجم عن أنّه موضوع رغبة يتوق إِليها هذا الغير. وهنا يتجاوز أرسطو العلة الفاعلية نحو العلة الغائية, على طريق الرغبة التي تحرّك الإِرادة نحو الخير ونحو الموجود الأول, وعلى طريق المعقول الذي يحرّك العقل نحو الحقيقة ونحو الجوهر الذي هو أول الموجودات. وهذان الطريقان يؤديان إِلى هدف واحد, هو المعقول الأول الذي تتوق إِليه كل الموجودات فتتحرّك نحوه. وهكذا تجاوز أرسطو مستوى المحركات الطبيعية والنشاطات النفسية. فنشاط المحرّك الأول يبقى متأصلاً فيه, لأنّه لا يثير الرغبة, مع كونه موضوع الرغبة والمحبة, كما أنّ موضوعه لا يتجاوز فكره, لأنه لا يعقل إِلاّ نفسه. والواقع أنّ أرسطو ميّز المحرّك الأول من المحركات الطبيعية الأخرى بحركته الدائمة السرمديّة, كما جعل منه محركاً نفسياً وروحياً, بسبب سكونه وعدم حركته, وأبعده أخيراً عن الإِنسان نفسه, لأنّ هذه النشاط الروحي والنفسي متأصل فيه بوجه مطلق. والمحرّك الأول فعل محض, وعقل لا يمكنه إِلاّ أن يعقل نفسه؛ فهو عقل يعقل العقل. فالفكر, في إِله أرسطو, لا يكوّن إِلاّ حقيقة واحدة مع موضوعه. لم يبرهن أرسطو على أن إِلهه علة للصيرورة وللجواهر الحسيّة؛ وإِِنّما برهن على أنه محرّكٌ لحركة دائمة سرمدية. وهذا يعني أن الجواهر الحسية تتكوّن وتزول بغض النظر عن الله, ومن دون أن يكون بحاجة إِليه. فالكون ليس بحاجة إِلى الله, لا في وجوده, ولا في استمرار وجوده. ولهذا فإِِنّ «روس» كان مصيباً, في رأيه, عندما رفض أن يكون إِله أرسطو علة فاعلية للكون, بل هو علّة غائية له. مشكلة قدم العالم وحدوثه عند أرسطو يعدّ البحث في أصل الوجود وطبيعته موضوعاً مركزياً في الفلسفات اليونانية والإسلامية والوسيطة وقد اختلف الفلاسفة في طبيعة الكون ، هل هو قديم أم محدث ؟ فوضعوا نظريات مختلفة حول قِدم العالم وحدوثه . ولكن قبل عرض النظريات ينبغي أن نتعرّف بعض المصطلحات الفلسفية الرئيسة التي تُستخدم في صياغة هذه النظريات وشرحها ومنها : 1- القديم : هو الموجود الذي لا بداية لوجوده ، وهي صفة تُطلق على الله تعالى ؟ لأن الله موجود منذ الأزل ، وليس ثمة زمان سابق على وجوده . 2- الحادث : الحادث عكس القديم ، وهو الموجود الذي وُجِد في زمان ما ، ولم يكن قبل هذا الزمان موجوداً . 3- الحركة : هي كل تبدل أو تغيّر يطرأ على الموجود ، كانتقاله في المكان أو الزمان ، أو تغيّر صورته أو هيئته أو صفاته ، وهي حالة ملازمة لكل الموجودات ، إما داخلية كحركة الإنسان والنبات ، وإما خارجية كحركة العربة التي يجرها الحصان . 4- الزمان : هو عدد الحركة ، فالحركة مرتبطة بالزمان ؟ لأن التغيّر لايكون إلا في زمان . 5- الخلق : وهو نوعان ، إما إيجاد شيء من عدم ، وهو الإبداع ، وإما إيجاد شيء من شيء سابق عليه ، وجاء القرآن الكريم ( وخلقنا الإنسان من طين كالفخّار ). 6- الأزلي : هو الذي ليس له بداية في الزمان . 7- الأبدي : هو الذي ليس له نهاية في الزمان . 8- السرمدي : هو الذي لا بداية له و لانهاية ، وتطلق هذه الصفة على الله وحده . أولاً – مشكلة أصل العالم : 1- تساءل اليونانيون القدماء عن أصل العالم والمبدأ الأول الذي تعود إليه كل الموجودات في الكون . واختلفوا في تحديد أصل العالم ، فأرجعه طاليس إلى الماء ، و أنكسيمندريس قال أن أصله جوهر سرمدي غير محدد سماه ( الأبيرون – أو اللانهائي ) ، وهو مزيج من الأضداد ،ثم جاء أنباذقليدس ورأى أن العناصر الأربعة ( الماء والهواء والتراب والنار ) هي مبادئ كل الموجودات في الكون ، أما ديموقريطس يفترض أن الذرات هي المبادئ الأولى للوجود . 2- ورغم هذا الاختلاف في تحديد أصل العالم اتفقوا جميعاً على أن الكون لم ينشأ من عدم مطلق ، فلا يمكن أن يصدر شيء عن لاشيء ثانياً – قِدَم العالم عند أرسطو : أ - قدّم أرسطو أول نظرية مكتملة في قدم العالم ، وتقوم على ثلاثة مفاهيم فلسفية أساسية هي : المادة والحركة والزمان . 1- المادة : افترض أرسطو أنّ الكون نشأ عن مادة أولية بسيطة ليست مركبة ، ليست متعيّنة في شكل ما ، وليس لها صورة محددة ، ولمّا تحركت هذه المادة اتخذت صوراً متمايزة ، ونشأت عنها أصناف الموجودات المختلفة . 2- الحركة : اعتقد أرسطو أنّ الحركة تحتاج إلى محرك هو الإله ، وهو المحرك الأول اللا متحرك فالله علة الحركة ومسبّبها ، وهي معلولة له ، ويرى أرسطو أن العلة والمعلول يجب أن يكونا متساوقين (لا يسبق أحدهما الآخر ) وبما أن وجود الله قديم منذ الأزل ، فالحركة قديمة وموجودة منذ الأزل . 3- الزمان : الزمان مقرون بوجود الحركة ؟لأن الحركة لا تحدث إلاّ في زمان ، والزمان عدد الحركة ومادامت الحركة قديمة وموجودة منذ الأزل فالزمان قديم وأزلي . 3- مكرر ويبرهن أرسطو على قدم الزمان معتمداً المنطق الصوري والمحاكمة العقلية ، فيفترض أنه لو كان الزمان محدثاَ وليس قديماً ، سيلزم عن ذلك أن يكون قبل الزمان زمن سابق عليه ، ولكن (قبل وبعد ) تصوران يفترضان وجود الزمان ذاته ، فالزمان إذاً قديم لا بداية له ب - انتهى أرسطو إلى أنّ المادة والحركة والزمان مرتبط بعضها ببعض في الوجود ، فلا أحد منها يسبق الآخر ؟ لأنه إذا كانت الحركة فلابد من جسم متحرك ، ولكي يتحرك الموجود فلابد من زمان يتحرك فيه ، ولأن الحركة قديمة ، فإن المادة قديمة ، والزمان قديم أيضاً .




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238551 :: Aujourd'hui : 185 :: En ligne : 9