إن الحديث عن الكتابة هو الحديث في أساسه عن الكلمة، والتي هي أساس الخلق والإبداع، ففي الديانات السماوية نجد أن الكلمة تساوي الخلق.
فالكون كلمة الله "في البدء كانت الكلمة" وهو يقول للشيء كن فيكون وعيسي كلمة الله وأول آية نزلت من القرآن "اقرأ باسم ربك الذي خلق" فنجد هذا الترابط القوي ما بين الكلمة والخلق، والإشارة واضحة لضرورة الكتابة والحث عليها، لأن القراءة تكون لما هو مكتوب، إذن فالآية حث على الكتابة قبل أن تكون حثا على القراءة.
فلِتُثبِت الكلمة جدواها وتحدث فعاليتها لا بد من متلقٍّ، والعلاقة إما أن تكون مباشرة أو تحتاج إلى وسيط، فلما كان التلقي عن طريق الراوي، وباختلاف الألسنة وتباعد الأزمنة وتعقد المعارف أكثر، مع تراكمها، أصبحت كفاءة هذا الوسيط غير ذات ثقة، فتحتم الاستعاضة عنها بوسيط سموه الكتابة ضمن عملية تابعة سموها القراءة، وهذا الوسيط أكثر ثقة وأمانة من الراوي.
ولا يمكننا تصور القراءة بدون كتابة وما يكتب هو الكلمة، إذن فالقرآن لما جاء في أول آياته ليقرن ما بين الكلمة والخلق، وهو الإبداع، جعْل ما لم يكن كائنا موجودا، وهو يستمر قائلا "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" أي أنه يعلمه الجديد عن طريق الكتابة التي ارتقت من كونها "كلمة" منطوقة إلى نسق مادي جديد يتوزع بين البشر حاضرهم وغائبهم، والنقل لا يكون إلا بالقلم أداة الكتابة.
وإن ضربنا المثال بشبه الجزيرة العربية فقد بدأت تعرف انتشار الكتابة، ولو بشكل محصور في بعض الدوائر الاجتماعية، في زمن سبق مجيء الإسلام، ومن ثم نجد أن كتابة المعلقات فوق ستائر الكعبة، بمثابة محاولة الارتقاء بالشعر من الشفاهي إلى المكتوب، وعدم الثقة في أمانة ذاكرة الراوي، فحاولوا أن يحفظوا ما رأوا قمة إبداعاتهم من الضياع والتشويه.
وقد كان يكتب القرآن عند نزوله مباشرة، على ما توفر آنذاك من أدوات، هذا دون أن يُهمل عامل الحفظ، ارتباطا بالشفاهي القريب ملاءمة لبيئة العربي المتعود على حفظ الشعر عن ظهر قلب، وعلى كل حال فإن الكتابة بدأت تأخذ مكانتها، وتعمل على أن تكون البديل عن الذاكرة، فقد كان لا بد أن يُحفظ المخزون التراثي للجماعة بالكتابة، تلافيا للتأثيرات الخارجية، ولاسيما وأن العرب سوف يخرجون إلى العالم مبشرين بدين جديد، فبدلا مما كانوا عليه من انطواء وعزلة داخل أسوار قبيلتهم، يحمون قلبها بالحروب المستمرة مع الروم والفرس، لعدم قدرتهم على المواجهة، فإنه تحتم عليهم الآن تحصين الذاكرة الجماعية بالكتابة، وصياغة صورة الذات العربية في تشكلها اليومي عن طريق الكتابة.
فليس من الغريب أن تجعل الكلمة قرينا للدواء، ومن الرقية التي تتلى فيها الكلمات يشفى المريض، والساحر لا ينفذ سحره إلا بالتمتمات التي تصحب كل حركاته وكأن كل شيء مرتبط بالكلمات التي يطلقها ألفاظا قد تفهم أو قد تنغلق حتى على ناطقها، ينتقل الإنسان إلى الاستيعاض عنها بالطلاسم المكتوبة، ليكون للكتابة أيضا نفس مفعول الكلمة ، فهو انتقال من الشفاهي إلى المكتوب.
إن هناك مثل مشهور يقول: "العلم صيد والكتابة قيد". العلم هنا يقصد به كل ما هو معرفة إنسانية تختص بفئة من الناس دون غيرهم يسمون العلماء، والعالم في الدين أو في الطب أو في الفلسفة أو في الآداب، ومن ثم فهذا مفهوم للدور التسجيلي للكتابة، وفي نفس الوقت دورها في نقل المعرفة الإنسانية.
غير أن هذا المفهوم المنحصر في كونها صورا أو حروفا متلاصقة تدلنا على كلمة ما تقودنا إلى معنى معين، دون الخوض في الكلام عن اللغة، إلى أن أصبحت كلمة "الكتابة" دلالة على الإبداع في فن القول. وابتدعت كلمة "الكاتب" بمعنى الذي يمتهن الكتابة المبدعة حتى ولو انحصر أول الأمر في موظف الدواوين الذي امتهن كتابة الرسائل التي يتبادلها أصحاب السلطة، فيقوم على وضع أفكارهم ضمن صياغة مناسبة، تمكن من إيصالها إلى ذوي الشأن وعرف، عند العرب، بهذا اللقب الأديب "عبد الحميد الكاتب" وتطورت في هذه العصور المتأخرة لتأخذ معنى كل كتابة تنزع نحو الإبداع بعيدا عن الصياغات العلمية الجافة، فلا نطلق هذا اللقب على فزيائي أو عالم رياضيات ولكن نستطيع أن نطلق هذا الاسم على كليهما لو كتبا في أشياء سردية إبداعية في هذا المجال ولو استعملا اختصاصهما كخلفية لتلك الكتابة كما هو الشأن في كتابات الخيال العلمي.
ونعود للحديث عن نشأة الكتابة عند العرب فنتساءل هل نستطيع أن نطلق على الشعر الذي قيل في الجاهلية وتوارثه الناس جيلا عن جيل شفاهة هذا المفهوم للكتابة؟ وكذلك بالنسبة للقرآن الذي نزلت آياته وتليت على الصحابة شفاهة، إلى أن تم تدوينها بأمر من عثمان بن عفان معتمدا في ذلك، في الأغلب الأعم، على ذاكرة حفظة القرآن.
للإجابة على هذا التساؤل لابد أن ننظر في الترابط العضوي ما بين الكلمة والكتابة والقراءة من جهة والدور الذي تلعبه هذه السلسلة في تكوين الوعي الجماعي، وما مدى دور الكلمة في أداء دورها حال انعدام الكتابة والقراءة.
بالفعل، إن الكلمة في زمن الشفاهة وغياب الوسائل التسجيلية، قد استطاعت أن تؤسس لوعي جماعي مشترك بين أبناء الأمة الواحدة، سواء على المستوى الأفقي أو العمودي.
إذن فما علينا إلا أن نقر أن "الكتابة" قد أخذت مفهوم الكلمة التي جاءت في الإنجيل والقرآن واحتوتها. بمعنى أن "الكتابة" هي تلك العملية الإبداعية المتكونة من الكلمة وتتشكل منها اللغة الإنسانية في كلتا الحالتين.
فلكل إنسان على المستوى الفردي تصوراته المثالية لهذا الكون أو الصورة التي لا بد أن يكون عليها، فيتفتح إذ ذاك على الكلمة من أجل أن يبدأ في تغيير الكون، وإذا سلمنا بأنه لا يمكننا أن نفكر خارج نطاق اللغة، ولا يمكن أيضا أن نتصور اللغة خارج الكلمة، فهذه الأخيرة هي البنية الأساسية للأولى، فتأخذ الكلمة فكل تصورات الفرد تدعمها الكلمة ومنها يبدأ وعينا بما حولنا وبعلاقاتنا الإنسانية. أي أن الكلمة هي البنية الأساسية للغة، التي تخرجنا من الوضع الطبيعي إلى الاجتماعي. وهنا ننتقل إلى المستوى الثاني حين يمارس الشخص المبدع دوره الاجتماعي فتنتقل الكلمة إلى الآخر ناقلا إليه تصوراته وتجاربه الحياتية بشكل مباشر، وهنا يتداخل مفهوم الكلمة مع مفهوم الكتابة فتنتقل هذه الأخيرة من كونها مجرد وعاء حامل للكلمة، إلى فاعل حقيقي ومستقل بغياب صاحب الكلمة (القائل) وحلول السند المكتوب محله. ومن هنا يأتي المفهوم على أن الكتابة هي تلك العملية الإبداعية الخلاقة، وهذا لنفصلها عن الكتابة التسجيلية أو العلمية الوصفية. وهي مفصولة عن صاحبها وتستقل عن زمانها ومكانها كلما استوعبت التجربة الإنسانية في مستواها الجوهري، المتجه صوب اللامتناهي
لا أحد يشك بدور الكلمة، حتى قبل طهور الكتابة أو على الأقل قبل انتشارها الواسع، وفي التأثير الكبير منذ أقدم العصور على المجموعات البشرية، فهي تشرك أصحاب العصر الواحد والمجتمع الواحد، تجاربهم وانشغالاتهم فتوحد مشاعرهم واتجاهاتهم للتأثير في ناحية من نواحي الحياة، فتقودهم إلى الحرب جملة واحدة وقد تدفعهم إلى السلم كافة، إنه سحر الكلمة الذي قد ينقل تجارب الجيل إلى الأجيال التي تليه، فيحبون ويحقدون يخافون ويتشجعون، ينكفئون في مغاراتهم المظلمة أو ينطلقون في البراري يواجهون الحياة.
أنه وإن افترق الشفاهي عن الكتوب فإنهما يتحدان في مفهوم الكتابة على أنها جملة الإبداعات الفكرية والأدبية والفنية التي دعامتها اللغة، يتوارثها الإنسان جيلا بعد جيل وتتناقلها المجتمعات في كل الأزمنة.
وتبقى الكتابة في تألقها وفي خفوتها في قوتها وفي ضعفها في موتها وفي خلودها مقرونة بالكلمة الخلاقة والمبدعة التي تشكل الوعي على المستويات الفردية والاجتماعية والإنسانية عموما.
إن الفرد، على اعتباره ذلك الكائن الاجتماعي، الذي انتقل من مرحلته الأولى إلى مرحلته كإنسان، فأنكيدو في ملحمة جلجامش انتقل إلى كائن إنساني لما تعرف على اللغة وأصبح في طرف نقيض مع الحياة الطبيعية التي كان يعيشها مع الحيوانات في الغابة، وأول خطوة لآدم في الوجود كانت بتعلمه الأسماء، إذن فالإنسان لا يمكن أن ندعوه كذلك قبل أن يتميز بتخزينه للكلمة، مادة خامة، تتحول من خلال اتصالها بالواقع. ولذلك فيمكننا أن نقول أنه عندما يحزن أو يفرح أو يتأمل فبالضرورة فهو يصحب كل هذه الحالات بكلمات قد ينقلها إلى الآخر إن لم يحبسها في داخله بما يسمى بالمناجاة، قد يتلقاها آخرون فيسجلونها ثم ينقلونها وتنتشر وقد تموت بعد أن تترك تأثيراتها النسبية على من حوله، على أقل تقدير، فلا يمكن أن يجزم أحد حين يعرض تاريخ البشرية فيوقفه عند فترة معينة فهل بدأ تاريخ المخيلة الإنسانية مع ملحمة جلجامش أم أن هناك من مروا لا يعدون ولا يحصون قد أسسوا للبحث عن حشيشة الخلود بأسلوبهم وطريقتهم، ولكنهم لم يسجلوا أفكارهم وتأملاتهم فاندثرت معهم، ولكنها، رغم جهلنا لها، فقد كانت بالتأكيد لبنة في بناء الوعي البشري.
إن مصطلح الكتابة، في اللغة العربية، قد صار هذه الأيام، محصورا في التعبير عن بعض المعارف العلمية الاجتماعية أو بعض فنون القول كالشعر والرواية والمسرح، التي تعدت جميعها المرحلة الشفاهية إلى الكتابة، وهذا دون إهمال ذكر التلاقي مع بعض المعاني الخاصة، بكلمتي (ECRITURE) أو (ECRIT) الفرنسيتين، سواءً بصيغة المفرد أو الجمع، وكذلك بنفس الشكل مع الكلمة الإنجليزية (WRITING) التي تصل إلى الإشارة إلى الكتب المقدسة، ولاسيما الإنجيل.
وفي الأخير ما علينا إلا أن نقول بعيدا عن الخوض في اللسانيات وخلفياتها الفلسفية، أن الإنسان باستعماله الكتابة قد استطاع استبدال التمائم المكونة من عظام الحيوانات وغيرها إلى التمائم التي تضمنت كلمات قد تنغلق أو تنفتح معانيها، وانتشار الكتابة قد جعل الإنسان أكثر انفتاحا على تطوير المعاني والغور في النفس الإنسانية وربطها عمقا ووضوحا بالأشياء التي من شأن الكتابة أن تعمل بفعالية أكبر في تحميلها بالدلالات الجديدة التي تعطيها الفرصة في الحياة متآلفة مع الحياة البشرية، حافظة إياها من النسيان، ومحافظة في الوقت نفسه على السمة التجريدية للغة، بل وجعلها أكثر اتساعا لاحتواء الدلالات المختلفة و أكثر مرونة لتغير هذه الأخيرة سواء اجتماعيا، أو في سياقات النص، مما يسهل تشكل عملية الإبداع وتسارعها وهي بالتأكيد الأكثر رسوخا من الشفاهي في وجه الزمن، فالبشرية بتطورها وتشعب سبل تكوين ثقافتها، فإنها تبتعد أكثر فأكثر عن مصادر نشوئها، وتضيق كل يوم تأثيرات التراث الإنساني المشترك، نظرا للتراكمات المضافة على مر العصور وتلك المتشكلة من عناصر ثقافية جديدة ومتجددة تدفع الإنسان إلى الإبداع سواء في الجانب المعنوي أو المادي، في حالة جدلية لا متناهية بين بروز الحي من الميت والميت من الحي، إنها عملية الإبداع اليومية التي نشهدها في الطبيعة، وفي الإثبات المتكرر للوجود بنفي النفي، مع بزوغ فجر خلق جديد.