البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-10-09
الجاذبية المُرْبِكة

yyy

اللجنة الثقافية المنبثقة عن معرض عمّان الدولي للكتاب، اختارت الناقد والأكاديمي الأردني البارز إبراهيم السعافين، ليكون «شخصية المعرض الثقافية»، وعُقدت ندوة لهذا الغرض أدارها د. جمال مقابلة، أجاب خلالها السعافين عن عدد من الأسئلة، حول مسيرته النقدية. كذلك أشرف مقابلة على تحرير مجلد ضخم أنيق الطباعة بعنوان «يشرق من كلّ أفق ـ إلى إبراهيم السعافين»، صدر مؤخرا عن «الأهلية»، في عمّان؛ وتضمّن قرابة 50 مادّة نقدية، عن السعافين أو مهداة إليه، كتبها بعض زملائه وأصدقائه ممّن كانوا طلابا تتلمذوا على يديه. ولقد شاء حسن طالعي أن أحضر هذه الندوة، وأن أستمع إلى السعافين وهو يختصر مسيرته الأكاديمية الطويلة (إذْ عمل، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة القاهرة، سنة 1978، في جامعات أردنية وأمريكية وسعودية وإماراتية)؛ ومنجزه النقدي الخصب والتعددي (14 عملا، بينها الاشتراك مع إحسان عباس وبكر عباس في تحقيق «الأغاني»، فضلا عن مسرحيتين ومجموعتين شعريتين ومخطوطات روائية لا تزال حبيسة الأدراج)؛ في عبارة واحدة، بليغة وجامعة ومتواضعة: «أنا طالب علم»! والحال أنّ السعافين يظلّ «على قلق»، كما في التعبير الشهير لأبي الطيب المتنبي، كي يحفظ صفة طلب العلم هذه، ويحافظ عليها؛ ليس بمعنى الاستزادة من المعرفة، التي كانت على الدوام محيطا زاخرا لا قاع له ولا حدود، فحسب؛ بل كذلك لأنّ هذا الناقد الحصيف يتابع النتاج الشعري الجديد، بحصافة الأستاذ/ دارس النصّ، وشغف القارئ العادي/ العاشق للقصيدة. وليست تعليقاته على بعض المجموعات الشعرية الجديدة، وبعض النصوص التي يتحمس لكتابتها على أغلفة تلك المجموعات، فضلا عن متابعاته النقدية والأكاديمية الأعرض نطاقا وأغراضا؛ سوى شهادة بيّنة، بليغة بدورها، على حضوره الفارق في قلب المشهد، وعلى اتصاف ذلك الحضور بمزيج من إقبال قارئ شاب الروح، ودارس مخضرم التجارب. والسعافين، من جانب آخر أراه مهمًا، في يقيني ناقد من طراز خاصّ، مُرْبِك وجاذب في آن معًا، على طريقته، وبالمعنى الإيجابي في الحالتين، وفي ما يتصل بخياراته المنهجية بادئ ذي بدء. وإذْ لا أنوي، في هذا المقام وهذه العجالة، أن أخوض في معالم منهجيات السعافين، التي اختمرت وتكاملت ضمن سيرورة مستدامة، إذا جاز لي القول، منذ تتلمذه الأكاديمي على أيدي أساتذة روّاد، أمثال عبد المحسن طه بدر، اتكاءً على خلفيات نظرية غربية لأمثال إيان وات وبرسي لبوك؛ فإنني، في المقابل، أشير إلى المُرْبِك أوّلا: إنّ المرء، أو في نموذج كاتب هذه السطور، ينتابه إحساس طاغٍ بالحاجة إلى الاختلاف مع بعض خلاصات السعافين التطبيقية، أو مهاده النظرية، حول صلات الشكل والمضمون في السرد والسردية مثلا؛ وثمة، في الآن ذاته، إحساس طاغٍ آخر، تصنعه حاجة أخرى موازية، بضرورة الحوار العميق مع هذا الاختلاف، توخيا لبلوغ منطقة اتفاق مشتركة، أو لنقلْ إنها مساحة توافق تحيل إلى مشاركة متبادلة، من طراز حيوي! وأمّا العنصر الجاذب، على الضفة الأخرى من خصوصية شخصية السعافين النقدية والأكاديمية، فإنها ـ كما لا يخفى، أغلب الظنّ ـ تتجلى في قدرات عالية، بعضها خفيّ أو خافٍ للوهلة الأولى، على أخذ قارئه إلى منطق تتلمذٍ إرادي؛ عماده انسياق القارئ ذاتيا، ومن منطلق نمط ثالث من الحاجة ربما، نحو التعلّم من معلّم، حتى في أوج ما أشرت إليه من إحساس الحاجة إلى الاختلاف… مع المعلّم، من دون سواه! وليس هذا بالتفصيل العابر، الذي نجده شائعا أو حتى مألوفا، لأنه لا يُصنع بضغط سيرة أكاديمية مديدة حافلة بالمنجزات والمؤلفات، بل تخلقه سلسلة روابط جاذبة، عميقة وفاعلة وتفاعلية، تقتاد بتراضٍ إرادي لا يقوم على قسر، أو لعلها تأسر من قلب معادلة التراضي إياها. يقين شخصي أخير، أعيد التشديد عليه هنا في مناسبة هذه السطور التي تتوسل إنصاف السعافين، مفاده أنه لم يعد واقعيا انتظار ولادة كتلة نقدية شاملة، من الطراز الذي أنجزه أمثال محمد مندور أو إحسان عباس أو شكري عياد؛ أو سلسلة أعمال نقدية تنقلب إلى صور توفّر مرجعيات موسوعية متينة (من نوع الدراسات التي أنجزها محمد النويهي حول شعر التفعيلة، على سبيل المثال)؛ وانقضى، بالتأكيد، زمن النقد الموسوعي الجامعي ـ المدرسي، من النوع الذي وفّره شوقي ضيف أو محمد غنيمي هلال. ولذلك فإنّ أفضل ما سينجزه النقد العربي حول تجارب الأجيال الجديدة، في الرواية والشعر وأنواع الإبداع الأخرى؛ سوف يكون ثمرة حركة نقدية جماعية، ليست منتظمة في حلقة متجانسة نظريا ومنهجيا بالضرورة، ولكنها بنت العصر، مؤمنة بالنتاج ومحبّة له، منخرطة في تثمينه أسوة بتصويبه، مسلّحة في ذلك كلّه بعدّة معرفية عصرية؛ فضلًا، بالطبع، عن حسّ طلب العلم. ولعلّ ما نحتاج إليه، أوّلا، ليس «أمّهات» الكتب النقدية التي تعجّ بالكثير من التنظير للمصطلح، والقليل من التطبيق على النصّ (برغم أنّ هذه البضاعة ضرورية دائماً)؛ بل المقالة والمراجعة والدراسة المنفردة، تلك التي تتولّى أمر التوسّط المبدئي بين النتاج والقارئ. وفي هذا ثمة منجز السعافين، نموذجا رفيعا للتتلمذ والاختلاف معا! http://www.alquds.co.uk/?p=804902




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307021 :: Aujourd'hui : 572 :: En ligne : 5