البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-10-05
من شكسبير إلى صفّ تحرير الشعوب

yyy

ليس من السهل بأي حال من الأحوال إحصاء عدد الأعمال المسرحية والموسيقية وحتى التشكيلية وصولاً الى السينمائية والتلفزيونية، المقتبسة من واحدة من آخر وأروع مسرحيات شكسبير، «العاصفة». ونعرف طبعاً أن من بين تلك الأعمال تحفاً مثل فيلم «كتاب بروسبيرو» للمخرج الإنكليزي بيتر غريناواي، من دون أن ننسى في طريقنا، الفيلم التسجيلي الذي حققته أخيراً كأول إخراج لها، النجمة التسعينية المناضلة فانيسا ريدغريف لتعرضه في الدورة الأخيرة لمهرجان كان السينمائي مكرسة موضوعه للمهاجرين السوريين تحت عنوان «حزن بحر». والحقيقة أن ما في العمل الشكسبيري من تنوع وازدحام بالمعاني والمواضيع ينعكس في شكل لافت على كل اقتباس معطياً إياه دلالة استثنائية. وكأن «العاصفة» مخزون مواضيع وأفكار يمكن للمبدعين على اختلاف مشاربهم أن ينهلوا منه كما يشاؤون، ما يثبت من جديد عظمة شاعر الإنكليز الأكبر وقوته التعبيرية حتى وإن كنا نعرف أنه هو الآخر اقتبس مسرحيته من أصلين أو ثلاثة. ومهما يكن من أمر، لسنا نورد هنا هذه المقدمة للحديث عن العمل الشكسبيري في حد ذاته، وإنما للتوقف عند واحد من أبرز اقتباساته خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو الاقتباس الذي حققه الكاتب الفرنسي المارتينيكي إيميه سيزير في العام 1969 كجزء من نضاله الفكري والفني ضد الاستعمار والتاريخ الأسود لهذا الاستعمار. > قبل ذلك ببضع سنوات، كان سيزير قد وضع كتاباً عن الكولونيالية فضح فيه هذه الممارسة القبيحة في احتلال أراضي الشعوب ونهب خيراتها وتحويل مواطنيها الى عبيد وعمال سخرة. ويومذاك، مهد سيزير لكتابه بعبارة اقتبسها من مقدمة له وضعها القائد الشيوعي الفرنسي جاك دوكلو - المرشح آنذاك عن حزبه الشيوعي الفرنسي الذي كان سيزير عضواً فيه، للرئاسة الفرنسية ضد الجنرال ديغول - وفحواها أن «الكولونيالية هي عارنا في القرن العشرين». ونعرف أن الكاتب المناضل ضد الكولونيالية فرانتز فانون صاحب كتاب «معذبو الأرض» الشهير وضع عبارات من كتاب سيزير المذكور، في تصدير كتابه الثاني «قناع أبيض جلد أسود» ما أضفى على سيزير مكانة إضافية في عالم النضال المعادي للكولونيالية. ومهما يكن، كان على قلم سيزير أن ينتظر أعواماً عدة أخرى قبل أن ينطلق من جديد، في لعبة إبداعية فنية هذه المرة، لكي يدبج عملاً فنياً مناهضاً للاستعمار الكولونيالي. ومن هنا كان اختياره اقتباس مسرحية «العاصفة «لتقدم للمرة الأولى في مدينة الحمامات التونسية من إخراج جان - ماري سيرو وتنتقل بعد ذلك الى مهرجان آفينيون في الجنوب الفرنسي ثم الى عروض باريسية. وفي كل مكان قُدّمت فيه المسرحية كانت تلقى نجاحاً كبيراً. ولا ننسينّ هنا أن العروض التونسية ثم الفرنسية لـ «العاصفة» على طريقة سيزير أتت وسط مناخات أيار الفرنسي وربيع الشبيبة والنضالات الطالبية والثقافية العالمية في العصر الذهبي للدور الفني والثقافي في دعم نضالات الشعوب. > ولكن لماذا «العاصفة»؟ وأية تعديلات كانت تلك التي أدخلها سيزير على نص شكسبير لكي تلائم أفكاره النضالية الماركسية، علماً بأن «عاصفة» شكسبير لا تحمل أصلاً أي شيء من هذا، أو بالأحرى لا تحمله إلا في حيّز الإمكان؟ «العاصفة» أولاً، لأن المكان الذي تجرى فيه الأحداث أصلاً يتيح تصوير تلك المجابهة بين المحتل الأبيض وسكان البلاد الأصليين، أو من يمثلهم على الأقل. فلئن كانت مسرحية شكسبير في الأصل تقدم صراعاً بين أوروبيين بيض وأبناء جلدتهم بل أقارب لهم من دوقات إيطاليين يتصارعون على العرش ويطاردون بعضهم بعضاً في المنافي، غير مكرسة لبعض العناصر المحلية سوى حصة يسيرة من المواقف والأحداث، مستعينة بالذهنيات المحلية «السحرية» والغرائبية فقط لما فيه مصلحة السرد الذي يتناول ذلك الصراع الإيطالي - الإيطالي، كما نعرف، فإن سيزير مضى يركز في عمله على ثلاث شخصيات أساسية راسماً الصراعات من خلالها ولكن من دون أن يغير منها أو من دلالاتها. كل ما في الأمر أنه بعدما كان كاليبان وآرييل شخصيتين مساعدتين لبروسبيرو في صراعاته، تحولا هنا الى شخصيتين أساسيتين بعدما أصبح بروسبيرو مجرد سيد أبيض شاء أن يحكم قبضته على تلك الجزيرة التي وصل اليها إذ نفاه أخوه الدون أنطونيو إثر إزاحته عن عرشه في نابولي. في اقتباس سيزير إذا نصبح أمام حكاية العبد والسيد وقد تلونت بلون الصراع العرقي والرغبات الاستعمارية. وهذه الرغبات هي هنا رغبات بروسبيرو الذي منذ وصوله يتحكم بآرييل وكاليبان في مجابهة تتخذ في مجرى أحداث المسرحية شكل صراع على السلطة - السلطة من دون أن يكون ثمة شعب ليكون هنا محورها. وهنا بالتحديد تفترق مسرحية سيزير عن الأصل الشكسبيري، في الأحداث ولكن أيضاً في الدلالات. وكذلك في الخاتمة. إذ بعد أن يكون ثمة في أول الأمر إذعان من آرييل لمشيئة بروسبيرو وتطلعه الى السيطرة كسيد مطلق على المكان المنعزل والنائي، وبعدما يكون ثمة عناد وممانعة من جانب كاليبان وتصد لذلك «الغزو الكولونيالي» الذي يمثله الإيطالي، ستنتهي الأحداث برحيل هذا الأخير تاركاً الجزيرة لكاليبان. > غير أن هذه الخاتمة لا ينبغي أن تدفعنا الى التفكير في أن العمل الذي كتبه سيزير عمل تبسيطي ومتخم بالشعارات، بل هو في الحقيقة عمل جدلي تتبدل فيه مرامي الشخصيات ووجهات الأحداث في شكل يشي بوجود قدر كبير من التطور حينها، في فكر سيزير نفسه الذي كان يقترب من السبعين من عمره وبات يعتبر رمزاً أساسياً من رموز الحركة النضالية. ولكن سيزير كان في الوقت ذاته شاعراً وأديباً مرموقاً يؤمن بدور الإبداع ليس فقط في تحرير الشعوب والأمم، ولكن كذلك في تحرير الأفراد وإكسابهم ذلك الوعي الذي من دونه، لا مكان يرتجى لأي نضال حقيقي. وهو كان يقف في هذا عكس تيار الأدب المادي الواقعي الميكانيكي الذي كان يحسب أن القبضات المرفوعة والشعارات الصاخبة قادرة وحدها على خلق تلك الدينامية التحررية تبعاً لتنظيرات «حتمية تاريخية» مبتذلة كانت سائدة في ذلك الحين كإرث من الستالينية الجدانوفية. بالنسبة إلى سيزير، ولا سيما خلال النصف الثاني من حياته، وعلى رغم أنه حافظ على عمله السياسي ضمن إطار حزبي صارم، كان يعرف تماماً أن الإبداع، لكي يكون فعالاً، ينبغي أن يكون فناً جميلاً. ومن هنا، لم يكن من قبيل الصدفة أن نراه يستعين بشكسبير. وبالتحديد بواحدة من أكثر مسرحيات هذا الأخير غرائبية وبعداً من المباشرة، وتشهد على هذا، بالطبع تلك المشاهد الفاتنة العابقة بالسحر والعجائب والخوارق الطبيعية، والتي يستعين بها بروسبيرو أول الأمر لكي يمارس سيطرته، ثم لكي يتمكن من التصدي لمطارديه من دون أن يدرك في البداية أن السحر سوف ينقلب على الساحر، وأن تلك الخوارق التي ساعدته على الانتصار، سوف تكون هي ما ينهي وجوده في ذلك المكان الذي انتهى به الأمر غازياً له بعدما كان منفياً لاجئاً فيه. والحقيقة أن تلكم كانت دلالة لم يتنبه النقد اليها بما يكفي في ذلك الحين، بالنظر الى أن النقد كان متعاطفاً سياسياً بأكثر مما هو متعاطف فنياً. ولا يجدر أن يسهو عن بالنا هنا أن تلك الممارسات السحرية المحلية لم يكن يُنظر اليها بعين الجدية وعلى الأقل خلال سنوات الستينات قبل ان يأتي أمثال السينمائي الأنتروبولوجي جان روش الذي كشف في عدد من أفلامه البديعة عن دور السحر والماورائيات في حياة الشعوب الخاضعة ونضالاتها. ومما لا شك فيه في هذا السياق، أن إيميه سيزير شاء لعمله المسرحي الكبير هذا أن يدنو من تلك المسألة حتى وإن احتاج الأمر لسنوات قبل اتضاح دلالتها. > بقي أن نذكر أخيراً أن إيميه سيزير (1913 - 2008) ولد في المارتينيك وعاش فيها طفولته وصباه، لكنه درس في المدرسة التطبيقية العليا في باريس التي استكمل دروسه الجامعية في جامعتها. وهو بدأ عمله السياسي باكراً في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي الذي ظل مناصراً له حتى النهاية، لكنه بعد انخراطه في الحركة السوريالية إثر التقائه مؤسسها أندريه بريتون خلال الحرب العالمية الثانية حين أقام بريتون ردحاً في المارتينيك، أسس الحزب التقدمي المارتينيكي ليخوض من خلاله نضالاً سياسياً سار بالتوازي مع عمله الكتابي في مجال الشعر («دفاتر عودة الى الوطن» مثلاً) ولكن بخاصة في مجال المسرح («فاجعة الملك كريستوف» و?«فصل في الكونغو» وغيرهما). http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/24474892/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%81%D8%A9%C2%BB-%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%87-%D8%B3%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%B1--%D9%85%D9%86-%D8%B4%D9%83%D8%B3%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B5%D9%81%D9%91-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238555 :: Aujourd'hui : 189 :: En ligne : 5