البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-08-04
المأوى لأوكتاف ميربو

yyy

حتى وإن كانت مسرحية الكاتب الفرنسي أوكتاف ميربو التي نتحدث عنها هنا، تبدو منسية اليوم الى حد كبير، فإن نظرة الى بعض الفقرات الإخبارية التي يقدمه بعض المحطات التلفزيونية، اللبنانية بخاصة، في نشرات أخبارها، تبدو كافية لتذكيرنا بها. والفقرات التي نشير اليها هنا هي تلك التي تتحدث - وغالباً كإعلانات مدفوعة - عن سيدات مجتمع أو ما يشبه ذلك وهن يتبرعن للبائسين أو للمؤسسات التي تعنى بالبائسين بأجزاء يسيرة من ثرواتهن، أو ثروات من يمتّن اليهن بصلة ما، وسط أجواء احتفالية غالباً ما يشرك فيها البؤساء أنفسهم ليسبغوا آيات الشكر والتبجيل للمانحين. وهؤلاء الأخيرون يبدو أنهم يجهلون أن فضيلة العطاء لا تكتمل إلا بالكتمان، أما العطاء المعلن بذلك الأسلوب الحقير فليس سوى استثمار سوقي أي «بزنس»، يفقد كل فضائله ما إن يطل على الشاشة. ولكن، ما علاقة ما نقوله هنا بأوكتاف ميربو ومسرحيته «المأوى»؟ ولماذا تذكرنا بهما تلك الإعلانات الترويجية التلفزيونية التي يدفع مادحو أنفسهم ثمنها غالياً؟ سؤال جوابه في السطور التالية. > وقبل ذلك، لا بد من وقفة عند ميربو نفسه. فإذا كانت الحركة السياسية الفوضوية الفرنسية، التي وصلت الى ذروة ازدهارها عند النقطة الفاصلة بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تفخر بواحد من الكتاب الكبار معلنة، من دون التباس انتمائه اليها، فإن هذا الكاتب لن يكون، بكل تأكيد، سوى أوكتاف ميربو، الذي بعد خفوت ذكره خارج فرنسا خصوصاً، طوال النصف الأول من القرن المنصرم، أعاده المخرج الإسباني الفوضوي لويس بونويل، الى الواجهة خلال الخمسينات وما بعدها، حين اقتبس فيلمه «يوميات وصيفة» من رواية له. هذا خارج فرنسا على رغم أن الفيلم فرنسي، أما داخل فرنسا فإن أعمال ميربو، ولا سيما المسرحية منها، تقدم في بعض المواسم مبقية ذكره متواصلاً، كواحد من الكتاب الكبار الذين آثروا دائماً أن يسيروا عكس التيار. > في شكل عام كان أوكتاف ميربو ثورياً حقيقياً، عبر عن ذلك في مواقفه ونضالاته ووقوفه الدائم إزاء كل القضايا الطليعية، كما عبر في أعماله المسرحية والروائية ومقالاته الصحافية، هو الذي كان دائماً ما يستشهد بالفقرة التالية التي وردت في أحد نصوصه: «طوال القرون التي عاشها النوع البشري، كانت المجتمعات في صعود وفي هبوط. لكنها على رغم اختلافاتها كانت كلها تتشابه في حقيقة واحدة هي التي حكمت التاريخ: حقيقة تقول إن الكبار دائماً ما كانوا محميين، أما الصغار فدائماً ما كانوا مسحوقين». > لقد كان معظم ما كتبه ميربو انعكاسا، في جوهره، لهذه النظرة، من دون أن نكون - طبعاً - في حاجة الى أن نشير، الى أي جانب وقف ميربو واتجهت كتاباته. غير أن ما يمكننا قوله هو أن هذه الكتابات نفسها كانت تتفاوت جودة ونضالاً، بين مرحلة وأخرى. أما ذروة تعبير ميربو عن نضاله، فأتت في نصوص له مثل مسرحية «المأوى» التي كتبها ومثلت للمرة الأولى عام 1908، وحملت في شكل أو في آخر أفكار أو غضب كاتب كان في ذلك الحين بلغ الستين من عمره ويرصد بعين المرارة أحوال مجتمع بات من الصعب أكثر وأكثر، إحداث أي تبديلات إيجابية فيه. > عالج ميربو مسرحيته «الكوميدية» هذه في ثلاثة فصول، وساعدته في كتابتها تادي ناتانسون. ولئن كانت المسرحية قد قدمت، مع شيء من الاختصار في عروضها المسرحية الأولى؛ فإنها حين نشرت، نشرت كاملة. وقد قال ميربو في مقدمة النص المطبوع إن ما حذف على الخشبة انما حذف لأنه يعقّد التقديم بعض الشيء و «إن كانت غايتي من هذا التقديم، ولا تزال، الكشف عن عيوب اجتماعية، وليس استعراض عضلاتي الكتابية». > الشخصية المحورية في «المأوى» هي شخصية البارون كورتان، الثري النبيل والعالم العضو في الأكاديمية، الذي سبق له أن وضع عدداً من كتب تحكي عن التاريخ النابوليوني وعن سلالة بونابرت التي يكافح الآن بغية إعادتها الى السلطة. في زمن المسرحية الراهن يرأس البارون جمعية خيرية تتولى، بين أمور أخرى، إدارة «المأوى»، الذي يهتم برعاية الأطفال الذين يُعثر عليهم في الشوارع، وإيوائهم وتربيتهم. طوال الوقت لا يتوقف البارون عن الحديث عن مشاريعه الخيرية هذه وعن نزعته الإنسانية وتعاطفه مع الفقراء البائسين والمشردين. غير أن كثرة الحديث عن مثل هذه الأمور، تدفع المرء الى التساؤل في النهاية عما إذا لم يكن البارون الخيّر يخفي ممارسات أقلها استخدام أموال التبرعات والمساعدات التي تجمع، للقيام بمضاربات مالية وعقارية تحقق للبارون أرباحاً طائلة. وإذ تطرح هذه الأسئلة في محيط البارون ترافقها إيحاءات عدة يستشف منها أن تصرفات البارون حيال أطفال المأوى أنفسهم ليست في منأى عن التساؤل بل عن الشبهات. > ومن ناحية أخرى سنعرف بسرعة أن تيريز زوجة البارون تقيم علاقة مع صديق للزوجين، في ما يبدو واضحاً أن البارون غير مبال بهذا كله. وفي المقابل، يفتح البارون عينيه على الثري بيرون الذي يطارد الزوجة، إعجاباً بها، منذ زمن. وهكذا إذ تبدأ أعمال البارون بالتدهور ويشعر بأنه بات في حاجة الى مال إضافي يغطي به خسائره، لا يتورع عن مطالبة زوجته بأن تهتم بالثري، طالبة منه مساعدة الزوج. والثري بيرون قد يقبل بهذا - كما تفيد الزوجة - لكنه يشترط أن تصحبه الزوجة في رحلة بحرية على متن يخته. غير أن الأمور، في نهاية الأمر، تصطلح، حيث إن البارون، الشاطر دائماً في رسم المؤامرات والمناورات، يتمكن من جعل المساهمين معه في شركاته يساندونه، وينتخبونه، للمناسبة، رئيساً لهم... ما يمكنه من الإبقاء على المأوى بصفته، في الظاهر، عملاً خيرياً، وفي الباطن، سنداً مالياً له وللمساهمين. > صاغ أوكتاف ميربو موضوعه هذا، على خطورته، بأسلوب كوميدي، لكن النتيجة أتت نوعاً من الكوميديا القاسية والمريرة. وأتت المسرحية أشبه بمرآة اجتماعية يمكن كثراً من أعمدة المجتمع أن يروا فيها صورتهم. ذلك أن ميربو، حتى وإن كان أعطى خصوصية ما للمأوى، ولأسلوب علاقة البارون بالمأوى، فإن الخلفية تشي بأن كل هذا لم يكن سوى ترميز للواقع الاجتماعي. ترميز أتاح للكاتب أن يرسم صورة قاسية للنفاق الاجتماعي، ولكل تلك الحقائق الاجتماعية - والمالية والأخلاقية - التي تختفي مقنّعة وراء واجهات ذهبية براقة. ومن الواضح أن ما يحكيه ميربو هنا عن المجتمع الذي يتحدث عنه في زمنه، يمكن أن يحكى كذلك عن الكثير من المجتمعات الأخرى. والواقع أن هذا كان دأب أوكتاف ميربو في أعماله، مسرحية كانت أم روائية، حيث اعتاد، من خلال وصف مجتمع بعينه، أن يقدم صورة شاملة لطبقات ومجتمعات لا يصعب العثور على نسخ طبق الأصل منها في أنحاء عدة من العالم وفي بلدان كثيرة. ولعل هذا ما كان رصده نقاد السينما حين عُرض فيلم «يوميات وصيفة» الذي، إذ تحدث عن مجتمع ريفي فرنسي محدد، وامتلأ بشخصيات نموذجية تنتمي الى ذلك المجتمع، لم تتوان بلدان عدة عن منعه لـ «أسباب أخلاقية»، إذ وجدت فيه صورة آتية من بعيد، لما تعيشه مجتمعاتها نفسها ولا سيما بالنسبة الى واحدة من المسائل التي كثيراً ما شدد ميربو عليها: النفاق الاجتماعي... الذي لاحظنا كيف أنه يشكل الموضوع الأساس في مسرحية «المأوى» التي نتناولها هنا. > عاش أوكتاف ميربو بين 1848 و1917، وعُرف كواحد من أكثر الصحافيين والنقاد الفرنسيين قسوة في مجال التعبير عن عيوب المجتمع وانقساماته الطبقية - التي تصبح بالنسبة اليه انقسامات أخلاقية، كما عرف ككاتب روائي ومسرحي، احتضنته الطليعة في المدن الأوروبية وراحت تتلقف أعماله. وهو بدأ حياته صحافياً وضع قلمه في خدمة النزعة البونابارتية، كما كتب، بسبب شظف العيش، أعمالاً لآخرين كانوا يوقعونها بأسمائهم... لكنه بعد ذلك راح يكتب نصوصاً فكرية واجتماعية يدعو فيها الى المبادئ والقيم... ومن هنا كان من الطبيعي لميربو، إذ اندلعت تلك الفضيحة التي سميت قضية درايفوس، أن يكون من بين المدافعين عن هذا الأخير، وهو موقف جعل كبار فناني ذلك العصر وكتابه يتحلقون من حوله هو الذي كان أيضاً من كبار المدافعين عن فان غوغ وكاميل كلوديل وموريس أوتريلو. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/23237632/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A3%D9%88%D9%89%C2%BB-%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%AA%D8%A7%D9%81-%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A8%D9%88--%C2%AB%D8%A8%D8%B2%D9%86%D8%B3%C2%BB-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%B3%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2304383 :: Aujourd'hui : 149 :: En ligne : 4