البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-08-03
ما بعد الحداثة ، ما بعد البنيوية

yyy

وثمة نقطة هامة هنا هي اعتماد الأفكار الرئيسية لما بعد البنيوية الفرنسية من قبل الفكر ما بعد الحداثي. إن التأثير الهائل لما بعد البنيوية على الفكر المعاصر يمكن أن يلاحظ من الطريقة التي شككت فيها ما بعد البنيوية بالافتراضات الأساسية للتقاليد الإنسانية مثل الاعتقاد بالعقل البشري، والذات الإنسانية المستقرة، والاعتقاد بالتحرر من خلال التقدم، وحياد الخطاب اللغوي. وعلى الرغم من أن ما بعد الحداثة بدأت تناقش بشكل مستقل في أمريكا عندما حاول نقاد مثل إيهاب حسن أن ينظروا لها دون ربطها بما بعد البنيوية، ولكن بعد وقت قصير جدا حدث خلط افتراضي بين الاثنين. كما يقول هال فوستر: " من الصعب تصور ما بعد الحداثة دون النظرية القارية، البنيوية وما بعد البنيوية على وجه الخصوص " فالتأثير الهائل لكتاب القرن التاسع عشر وأوائل العشرين مثل فرويد وماركس ونيتشه قد خلخل بالفعل أفكارا راسخة في التقاليد الإنسانية. وما فعله كتاب ما بعد البنيوية هو مشكلة أكثر جذرية لهذه المفاهيم مع رؤى جديدة وأدوات ادراكية. ومن الجدير بالذكر هنا أن نقول إنه ينظر لما بعد البنيوية، في جوهرها، بوصفها مواصلة المشاريع الفلسفية لمفكرين مثل نيتشه وهايدغر. استند دريدا وفوكو، على وجه الخصوص، إلى حد كبير على رؤى هؤلاء المفكرين. كما أن نقاد ما بعد الحداثة يعودون بأصولها إلى نيتشه وهايدغر. يلاحظ إيهاب حسن، على سبيل المثال، في ( جذور الفكر ما بعد الحداثي) : "تحدت منظورات نيتشه الراديكالية، وليس مجرد شكوكه، الأسس التي سعت الفلسفة، من أفلاطون إلى هيغل، إلى بناءها. لم تعد الطبيعة واللغة والعقل تنسجم مع /أو تحدد تخطيطات الرمز السيادي. وبالمثل، لاحظ بيست وكيلنر أن هجوم نيتشه على الأسس القاطعة للفلسفة الغربية قد وفر المبادئ النظرية لانتقادات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة: "هاجم [نيتشه] المفاهيم الفلسفية للذات، والتمثيل، والسببية، والحقيقة، والقيمة، والنظام، لتحل التوجهات المنطورية محل محل الفلسفة الغربية حيث لا توجد حقائق، فقط التفسيرات، ولا حقائق موضوعية، فقط تراكيب الأفراد أو الجماعات المختلفة". ترى باتريشيا واو أن نقد هايدغر للافتراض الديكارتي الذي يقول بالانقسام الراديكالي بين الذات المعرفي والكائن الخامل للمعرفة أثر كثيرا على ما بعد الحداثة: "منذ عمله الرئيسي الأول، (الوجود والزمن،1927) وبإصرارا أكبر في مقالاته اللاحقة التي جمعت في(السؤال المتعلق بالتكنولوجيا أو الشعر، اللغة، والفكر) طور هيدغر نقدا للديكارتية بوصفها المنهجية الحداثية التأسيسية: ورأى أنه ثمرة العنف الغربي وغير كاف كأساس للمعرفة. بالنسبة إلى هايدجر، فإن الافتراض الديكارتي للانقسام الجذري بين الذات العارفة والكائن الخامل أدى إلى عالم يصبح فيه التفوق المستقل للعالم نموذجا وأرضا لكل الوجود. فبدلا من أن نتعامل مع العالم كنسيج نأتي إليه، نلاحظ العالم كجسد مادة خامل يتم التلاعب به من خلال سلسلة من الثنائيات الذي ولدها الانقسام بين الذات والكائن (العقل / الجسم، الروح / المادة، العقل / العاطفة، الذكورة / الأنوثة). بلغت هذه الأفكار المقلقة ذروتها في أعمال ليوتار ودريدا وفوكو وبارث ولاكان وكريستيفا وغيرها. يحاول ليوتار في كتابه (حالة ما بعد الحداثة تقرير عن المعرفة) تحديد روح العصر من حيث أنها تتميز بفقدان الاعتقاد بجميع السرديات الكبرى والفلسفات الشمولية التي تشكل الوصفات السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية. تدعي الروايات الكبرى معرفة الحقيقة، وبالتالي تنسب لنفسها أسباب الشرعية. وهي تشمل الماركسية والمسيحية ومشروع التنوير، وكلها فقدت مصداقيتها كحقائق عالمية. بالنسبة ليوتار، يقدم مصطلح فيتجنشتاين "ألعاب اللغة" بديلا أفضل، وهو السرديات الصغرى التي تعمل على أسس أدائية وعلى نطاق أصغر. تشظت التجربة البشرية إلى أدوار محلية عديدة، إلى "ألعاب لغوية" مختلفة، ولكل منها سياقات خاصة وقواعد للتحكم في الإجراءات. وقد أثبت كتاب ليوتار أن شرط ما بعد الحداثة سيكون التعددية وعدم التجانس والأداء مبادئ لشرعية للمعرفة. وبالتالي، فإن حالة ما بعد الحداثة تتميز بمشكلة جميع المعارف. يمكن القول بتوظيف المصطلحات الفلسفية التقليدية، إن ما بعد الحداثة هي نقد شامل لكل من الذاتية والموضوعية. والنقطة المهمة، مع ذلك، هي أن هذا النقد يستمد قوته إلى حد كبير من رؤى نقدية مقدمة من ما بعد البنيوية، وبالتالي يطرح أولوية اللغة في ممارساته النقدية. كان الفكر الغربي التقليدي يقوم على مفهوم الذات البشرية التي هي شرط لإمكانية كل المعرفة. وفر كوجيتو ديكارت الأساس لفكرة الذات الانسانية العقلانية، المكتفية ذاتيا وذات الكفاءة العالية القادرة على التوصل إلى حقائق إبستمولوجية قاطعة عن طريق التحقيق العقلاني. وخلافا لذلك، يخلص فكر ما بعد الحداثة إلى أن الذات البشرية مكونة في حد ذاتها من شبكة معقدة من العوامل الثقافية واللغوية التي تسبقها. ويمكن النظر إلى هذه الفكرة المتعلقة بالذات البشرية بوصفها نقطة الانطلاق في أعمال ماركس وفرويد ونيتشه، وكلهم تحدى مفاهيم الذات الوحدوية والمستقرة والمستقلة. وكان لويس ألتوسير من أوائل المنظرين الذين استقوا من هذه النظريات حين قال إن "الأيديولوجية تستجوب/ تستدمج الأفراد كذوات"، و"لها وظيفة تشكيل أفراد ملموسين كذوات". في الواقع، فإن تفسير ألتوسير لأفكار ماركس حول الذوات البشرية ملهم واستفزازي: "سحب [ماركس] الفئات الفلسفية للذات ... الخ من جميع المجالات التي كانت تتولى السيطرة فيها. ليس فقط من الاقتصاد السياسي (رفض أسطورة الانسان الاقتصادي homo economicus، الفرد مع كليات واحتياجات محددة كذات للاقتصاد الكلاسيكي). ليس فقط من التاريخ (رفض الذرية الاجتماعية والمثالية الأخلاقية السياسية). ليس فقط من الأخلاق (رفض فكرة الأخلاقيات كانطية). ولكن أيضا من الفلسفة نفسها: لان مادية ماركس تقصي تجريبية الذات (وعكسها: الذات المتعالية). تشير تصريحات ألثوسر إلى أن إحدى مساهمات ماركس الهامة في الفلسفة تكمن في تحديه للمفهوم التقليدي للذات البشرية. ومع ذلك، فإن ما بعد البنيوي الأكثر تأثيرا في تحدي مفهوم الذات الموحدة هو ميشيل فوكو، الذي يتم الاحتجاج به باستمرار في المناقشات حول ما بعد الحداثة. يقول لويس ماكناي: "يهدف عمل فوكو كله إلى كسر هيمنة الذات ذاتية الانعكاس والموحدة والعقلانية على مركز الفكر من أجل إفساح المجال لطرق التفكير والوجود الأخرى ". إن مفهوم "الأركيولوجيا " الذي يستخدمه فوكو لنقد التحليل التاريخي التقليدي مستمد من فكرته بأن الذات البشرية ليست في صلب العملية التاريخية. ويوضح ماك ناي : "يؤكد فوكو أنه لا يوجد أي ذات قبل الخطاب يمكن تحديدها كمصدر للمعنى، بل أن فكرة الذات الموحدة وهم نشأ عن طريق قواعد هيكلية تحكم التشكيلات الخطابية. إن تقنية الأركيولوجيا - الكشف عن هذه الهياكل الكامنة والعميقة المستوى التي تشكل شرط إمكانية كل الفكر والكلام - تمثل هجوما قويا على ذاتانية subjectivism المنهجيات الفينومينولوجية والبايوغرافية لتاريخ الفكر". يصف فوكو منهجه الاركيولوجي:" يفرد التحليل الأركيولوجي ويصف التشكيلات الخطابية... بعيدا عن الرغبة في الكشف عن الأشكال العامة، لا تحاول الأركيولوجيا تحديد تشكيلات معينة". وهذا النهج في الواقع هو محاولة للكشف عن العيوب المتأصلة في النهج التاريخي التقليدي الذي يفترض نوعا من الاستمرارية التاريخية العامة مع الماضي. وفي مقابل ذلك، تصف الاركيولوجيا كيف تُشكل مفاهيم المعرفة في تشكيلات خطابية محددة، وكيف يمكن أن تخلق هذه الخطابات الذاتية البشرية نفسها. وبالتالي، فلا وجود لذات سيادية تعمل قبل الخطاب ومستقلة عنه. يوظف فوكو مفهوما آخرا يسميه الجينيالوجيا لنقد المفهوم الإنساني الليبرالي للذات السيادية. وهو يصف مشروعه على النحو التالي: "يجب على المرء أن يستغني عن الذات التأسيسية، أن يتخلص من الذات نفسها، من أجل التوصل إلى تحليل يمكن أن يفسر تكوين الذات في إطار تاريخي. وهذا ما أود أن أسميه الجينيالوجيا، أي شكل من أشكال التاريخ الذي يمكن أن يفسر تكوين خطابات المعرفة، ومجالات الأشياء، وما إلى ذلك دون الحاجة إلى الإشارة إلى الذات التي إما أن تكون متعالية فيما يتعلق بمجال الأحداث أو أنها تعمل في رتابتها الفارغة على مدار التاريخ". وتستند أطروحة فوكو نفسها على تحقيق أكثر صرامة للعملية الاجتماعية لتشكيل الذات التي هي موقع علاقات السلطة المعقدة. ويذكر فوكو موقفه بعبارات مؤكدة: إذا كان ثمة نهج أرفضه... هو ذلك... الذي يعطي أولوية مطلقة للذات الراصدة، الذي يعزو دورا تأسيسيا إلى الفعل، الذي يضع وجهة نظره الخاصة في أصل كل تاريخية - والذي، باختصار، يؤدي إلى وعي متعال. ويبدو لي أن التحليل التاريخي للخطاب العلمي ينبغي أن يكون، في آخر المطاف، خاضعا لا لنظرية الذات العارفة، بل لنظرية الممارسة الخطابية".




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307031 :: Aujourd'hui : 582 :: En ligne : 7