البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-08-03
الثروة المائية بالوطن العربي: مشاكل بانتظار الحل

yyy

منذ فجر التاريخ، لعب الوطن العربي أدواراً رئيسية في المشاركة ببناء الحضارة الإنسانية. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا الجزء من العالم هو المكان الذي شهد بداية السؤال عن كنه الوجود وتلمس طريق التطور، وقهر الطبيعة في كثير من حلقاتها، وقيام أول سلطة مركزية في التاريخ. ويأتي تفرد هذه المنطقة بالدعوة إلى ديانات التوحيد، وبناء الأهرام، وأبراج بابل والتقدم في وسائل التحنيط، والانفتاح على ابداعات الحضارة الإنسانية وإنجازاتها إشارات واضحة على أهمية المكان. ويرجع كثير من العلماء أهمية هذه المنطقة، والدور الذي لعبته منذ بداية التاريخ إلى وجود وادي النيل، الذي تشكل هضبة البحيرات الاستوائية وهضبة الحبشة الخزان الطبيعي له. ويمر بقطرين عربيين هما مصر والسودان، حيث يمنحهما الزرع والحياة. ويقدر تصريفه ب 84 مليار متر مكعب. وأيضا إلى وجود نهر دجلة الذي ينبع من مرتفعات جنوب شرق تركيا، ويقدر تصريفه عند دخوله للأراضي العراقية ب 48 مليار متر مكعب، ونهر الفرات الذي ينبع من هضبة الأناضول في تركيا، ويقدر تصريفه عند دخوله الأراضي السورية ب 26 مليار متر مكعب. كما توجد أنهار أخرى أقل شأنا كنهري الليطاني والأردن. ويبلغ عدد الأنهر الصغرى الدائمة الجريان في الوطن العربي أربعين نهرا، فضلا عن الآلاف من الأودية الموسمية التي تجري فيها المياه لفترات محدودة في السنة. وبالقدر الذي ساعدت فيه هذه الأنهار على تحقيق الاستقرار والرخاء لشعوب هذه المنطقة، فإنها تسببت في وجود حروب ومصادمات دموية حادة، حيث كانت المعارك تدور من أجل السيطرة على مصادر المياه. وفي العصر الحديث، تصاعدت أهمية الثروة المائية، وتصاعد الصراع بين الدول المجاورة من أجل السيطرة عليها. ويكفي أن نشير هنا إلى أن حرب السويس عام 1956م، كانت في الأساس ردا على قيام مصر بتأميم قناة السويس، الممر الدولي المائي، والذي كان في ذاته، محاولة مصرية لتأمين عملة صعبة لبناء سد أسوان، لتخزين المياه، وتجنب فيضان نهر النيل، والتحكم في منسوب المياه، وتجنب هدر الثروة المائية، وتأمين القوة الكهربية. كما كان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، كيانا مستقلا يمثل الفلسطينيين، رداً عربياً على محاولات الكيان الصهيوني في بداية الستينات تحويل مياه نهر الأردن لصحراء النقب. وقد تمحور الصراع، خلال العقود الأخيرة، بين تركيا من جهة، وسوريا والعراق من جهة أخرى، حول قيام الأتراك ببناء سدود مائية كبرى، كسد أتاتورك، والاستيلاء على الثروة المائية العربية، بتحويل مياه نهري دجلة والفرات لتلك السدود. ومنذ بداية القرن المنصرم، شهدتالعلاقات العراقية الإيرانية صراعات ومنازعات تمركزت حول أحقية الملكية والمرور الحر في شط العرب. وكانت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وذهب ضحيتها أكثر من مليون شخص بين قتيل وجريح، هي أحد أوجه الصراع على الماء بين البلدين. وفي مؤتمر مدريد للسلام بالشرق الأوسط، كان لموضوع المياه نصيب وافر في المفاوضات المضنية بين العرب والكيان الغاصب من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للصراع مع الصهاينة. والماء هو ثروة الحياة، ويحتل جزءا واسعا من مساحة كوكبنا الأرضي، حيث يغطي ثلاثة أرباع سطح الأرض. وتقدر كمياته ب 1270 مليون كيلو متر مكعب. وتوضح المصادر العلمية المتوفرة أن ما يزيد على 2.97% من هذه الثروة هي مياه مالحة، بمعنى أن المياه العذبة لا تتجاوز نسبتها ال 8.2%، وأن 77% من المياه العذبة مخزنة في المناطق الجليدية، و22% منها هي مياه جوفية. وتقع نسبة كبيرة من المياه الجوفية في أعماق تزيد على ال 800 متر، مما يجعل من الصعوبة، ضمن القدرات الحالية، استغلالها. أما الجزء المتبقي من المياه العذبة فيوجد في البحيرات والأنهار وأجسام الكائنات الحية والرطوبة الجوية. وتتجدد إمدادات المياه العذبة بفعل دورة المياه في الطبيعة، بحيث يقدر مجموع جريان المياه في القارات بنحو 38360 كيلو مترا مكعبا سنويا، يعود منها إلى البحار والمحيطات 25262 سنويا على شكل مصبات أنهر وتدفقات سيول. ويوجد ما يقدر ب 4678 كيلو مترا مكعبا منها في مناطق غير مأهولة. وتقدر كمية المياه التي يمكن للإنسان التصرف بها ب 8420 كيلو مترا مكعبا. وتكفي هذه الكمية نظريا لعدد من السكان يصل إلى نحو 20 مليار نسمة. وفي السبعة الأخيرة، ارتفع استهلاك الإنسان من المياه في العالم بصورة حادة من 1366 كيلو مترا مكعبا عام 1950م إلى 4130 كيلو مترا مكعبا عام 1990م. وفي عام 2000م، بلغ الاستهلاك العالمي من المياه العذبة أكثر من 5190 كيلو مترا مكعبا. ويصنف استعمال المياه في العالم إلى ثلاث فئات عريضة هي الري، ويستهلك 69% من الموارد المائية العذبة، والصناعة وتستهلك 22% منها، واستخدامات المنازل وتستهلك 8%. وتختلف هذه النسب من دولة إلى أخرى، ففي الدول الصناعية تستهلك الصناعة 40% من الموارد المائية العذبة، بينما تستهلك الزراعة النصيب الأوفر في الدول النامية. في الوطن العربي، نتج عن وعي أهمية الثروة المائية في تحقيق التنمية الاقتصادية، ولطبيعة الصراع الدائر من أجل السيطرة عليها ما يمكن أن يطلق عليه بمشكلة الأمن المائي العربي. ومن المؤكد أن مصدرها هو ما يحمله واقعها في معطياته الحاضرة والمستقبلية من تأثيرات سلبية مباشرة على الوجود العربي، شعوبا وكيانات. ذلك أن نقص المياه العذبة يعد من معوقات التنمية المستدامة في بلداننا العربية، وأن الاستخدام الأمثل لهذه الثروة هو أحد المفاتيح الرئيسية لتحسين الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي العربي. ويتفق معظم الاختصاصيين في قضايا المياه على أن المشكلة لا تكمن في شحة المياه العذبة في الوطن العربي فحسب، بل في سوء استثمار هذه الثروة، ونوعية المياه نتيجة تلوث المياه السطحية والجوفية جراء تصريف مياه المدن والصرف الزراعي، والنفايات الصناعية. ولهذا يقترح أن تكون مشكلة تأمين المياه في مقدمة الأولويات التي ينبغي أن يهتم بها القادة العرب، عند صياغتهم لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكون الثروة المائية أساس الحياة، وعليها تعتمد معظم فعاليات الحياة المعاصرة، من تمدن وتصنيع وزراعة. وقد ناقش استاذ الجغرافيا بجامعة دمشق الدكتور ابراهيم أحمد سعيد أهمية الثروة المائية بالنسبة للوطن العربي، وعزا ذلك إلى جملة من الأسباب لخصها في: أن الجزء الأكبر من الوطن العربي يقع في العروض المدارية الحارة والجافة، مما يعرض الماء للتبخر والاضمحلال. ونبه إلى قلة المخزون المائي ومحدوديته، وعدم انتظام توزعه في المكان والزمان. وأن ثمة مشكلة جدية تكمن في أن الوطن العربي يتلقى نحو 62% من ثروته المائية من خارج حدوده، وأن أكثر من 16 قطراً عربياً يفتقر إلى هذه الثروة، ويقع دون حد خط الفقر المائي العام. وتتأتى الثروة المائية العربية من المصادر السطحية والجوفية ومن كميات الأمطار الموسمية، إضافة إلى الينابيع المتفجرة على الرصيف القاري، من مصادر تقليدية وحديثة. وتشغل المناطق الجافة نسبة كبيرة تتجاوز ال 30% من مساحة اليابسة في الوطن العربي. وتحمل الدراسات العلمية المعنية بهذا الشأن دلالات سلبية تثير الاكتئاب، إذ تشير إلى أن حوالي 70% من هذه المساحة هي بحكم الجافة، أو شبه الجافة، المتصحرة، بما ينعكس سلبيا على نصيب الفرد من الماء حيث لا يتجاوز نصيبه الكلي ال 925 مترا مكعبا، في حين يصل المعدل العالمي إلى أكثر من 12 ألف متر مكعب. وإذا ما استمر هذا الوضع على حاله، وتفاقمت عملية النهب الخارجي، والاستخدام المسرف غير المدروس لهذه الثروة، وإذا ما أخذ بعين الاعتبار الزيادة السريعة في عدد السكان فإن من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد بنسبة 30% في غضون العشر سنوات المقبلة، وبنسبة 50% مع حلول عام 2025م. وتقدر المياه الجارية السطحية ب 195 مليار متر مكعب، منها ما بين 60 إلى 67 في المائة قادمة من خارج الوطن العربي، وأهمها أنهار النيل ودجلة والفرات، مما يعني عدم قدرة الأمة العربية على ضمان تدفق المياه إلى الأراضي العربية في ظل الضعف والتداعي العربي. ويجدر التنبه إلى أن ثروة الوطن العربي من المياه الجوفية تتركز في ثلاث مناطق: الأولى بالحوض الليبي وتقدر ب 250 ألف كيلو متر مكعب، والثانية أحواض النيل وصحراء مصر الغربية وتقدر ب 250 ألف كيلو متر مكعب، والثالثة أحواض شبه الجزيرة العربية وتقدر ب 20 ألف كيلو متر مكعب. وفي بعض الأقطار العربية النفطية الغنية أقيمت مشاريع كبرى لتحلية المياه، وصلت طاقة التحلية في بعضها إلى أكثر من 2،5 مليون متر مكعب يوميا، وتعتبر من أعلى طاقات التحلية بالعالم، ففي دول الخليج العربي بلغت طاقة التحلية نحو 4.1 مليار متر مكعب سنويا، أي بمعدل 3،8 مليون متر مكعب يوميا، و9.43 متر مكعب في الثانية، بما يعادل نصف غزارة نهر العاصي عند مصبه في البحر الأبيض المتوسط. إلا أن تلك المشاريع تكلف مبالغ طائلة لا تستطيع الأقطار العربية الفقيرة مجاراتها. إضافة إلى أنها تحتاج إلى تكنولوجيا متطورة عالية واختصاصيين مهرة ومصادر للطاقة، ما يجعل نجاحها وضمان استمرارها مرتبطا إلى حد كبير بوجود علاقات وثيقة لهذه الأقطار بالدول القادرة على توفير هذه التكنولوجيا، بما يجعل السياسة الاقتصادية للأقطار العربية مرتبطة إلى حد كبير بمصالح الدول الصناعية المصدرة لتلك التقنيات. وتواجه مشروعات الثروة المائية في الوطن العربي مشاكل عدة، منها الهدر الكبير للمياه، خاصة في القطاع الزراعي، والخراب الحاصل للمياه الجوفية وزيادة الأملاح فيها، والتبخر الكبير الذي تتعرض له الأنهار الكبرى، وقلة الموارد المائية، وصعوبة تأمين الاحتياجات اللازمة في الوقت والمكان المناسبين. وأخيرا، تواجه مشاريع الاستثمار خطر استمرار الدول المجاورة للوطن العربي، والتي تنطلق منها تلك الأنهار، في الاستيلاء على مياهها، كما هو الحال مع النيل ودجلة والفرات. إن من شأن ذلك أن يؤدي إلى حدوث خلل مرعب في جريان مياه تلك الأنهار. ومن جهة أخرى، فهناك التحدي الصهيوني المستمر، المتمثل في الاستيلاء على مياه نهر الأردن والضفة الغربية وجنوب لبنان، والجولان ومياه الليطاني. ولا شك في أن هذه المشاكل من المعوقات الحقيقية لتحقيق النهوض الاجتماعي والاقتصادي للوطن العربي، ولذلك فإن أية محاولة جادة للخروج من مأزق التخلف الراهن لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار أن يكون في مقدمة مهامها التصدي لها، ووضع الحلول للتغلب عليها، إذا ما أريد لهذه الأمة أن تأخذ مكانها بجدارة بين الأمم. وفي هذا السياق، يجدر التنبه إلى أن الهدر الكبير للمياه، خاصة في القطاع الزراعي، والخراب الحاصل في المياه الجوفية، وتزايد نسبة الأملاح فيها هي من أبرز المشاكل التي يواجهها الأمن المائي العربي. كما أن عمليات الاستنزاف السريع، وغير المبرمج للمياه الجوفية أدت إلى تدهور نوعية المياه. ففي القطر السوري، على سبيل المثال، استنزفت أحواض القلمون والسلمية والمسلمون، ما أدى إلى جفاف آبارها وأفلاجها. كما تم استنزاف الآبار، وأجزاء كبيرة من مخزون الطبقات المائية في أحواض العين وسهل الحصى في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحوض سهل باطنة في سلطنة عمان، وأحواض تهامة في اليمن، وحوض الجفارة في ليبيا، وأحواض المناطق الوسطى في تونس. وفي البحرين، تعرضت طبقات مياهها الجوفية لغزو مياه البحر، في المنطقة المحيطة بجزيرة سترة بشكل خاص. وفي منطقة الاسكندرية والدلتا بمصر، أدى الاستخدام المتزايد للمياه الجوفية إلى زحف خط تماس المياه المالحة والمياه العذبة إلى بعضها بعضاً. وفي الأردن، تخطت الكميات المستعملة من المياه الجوفية الحد الآمن للأحواض الجوفية بنحو 237 مليون متر مكعب سنويا. وهذا يعني أن هناك استنزافا مفرطا لمعظم الأحواض الجوفية المائية. وفي الأقطار العربية النفطية، تقوم شركات ومؤسسات النفط بضخ المياه إلى آبار النفط، وحقنها بكميات عالية لتسهيل عمليات الاستخراج، ما يلحق خسائر كبيرة بهذه الثروة. ومن جهة أخرى، تتعرض الموارد المائية السطحية في الوطن العربي إلى تبخر كميات كبيرة منها، وخصوصا في منطقة الأهوار جنوب العراق، ومنطقة المستنقعات جنوب السودان، فضلا عن التبخر الكبير الذي تتعرض له السدود ومجاري الأنهار الكبرى، وتتراوح كميات المياه المهدورة بفعل التبخر بين 70 و100 مليار متر مكعب سنويا. إلى جانب ذلك، فإن عدد السكان العرب يتزايد بمعدلات كبيرة تقدرب 7.2% سنويا حيث يقدر تعداد السكان بما يقترب من ال 300 مليون نسمة. ويعد هذا المعدل مرتفعاً نسبياً، بالمقارنة بمعدل النمو السكاني في العالم، والذي يبلغ 1،6% سنويا الآن. وعلى هذا الأساس، فإن معدل النمو السكاني الحالي يتضاعف كل 25 من الأعوام تقريبا. ومن المتوقع أن يصل إلى 493 مليون نسمة في عام 2025م. ومن شأن ذلك إضافة أعباء جديدة صعبة إلى قضايا الأمن المائي العربي، ما لم يتم تدارك الأمر ويتحقق مزيد من الكفاءة في إدارة الثروة المائية، ويجري تحسين طرق استغلالها. وتعاني الثروة المائية أيضا، من مشكلة التلوث الناتج عن المخرجات السائلة للأنشطة الصناعية، ومياه الصرف الزراعي، وما تحتويه من بقايا أسمدة ومبيدات حشرية، ومن مياه الصرف الصحي. ومن المؤسف أن بعض الأقطار العربية لا زالت تلقي بمخلفاتها الصناعية السائلة في الأنهار، كما هو الحال في العراق وسوريا والأردن ومصر والمغرب، ففي مصر، على سبيل المثال، يلقى 50% من المخلفات السائلة الناتجة عن الصرف الصناعي في نهر النيل وترعه. ويلقى 10% من هذه المخلفات بالمياه الجوفية. وقد تحتوي النفايات الصناعية على معادن ثقيلة سامة يتعذر تحللها، سواء في الأوضاع الطبيعية، أو في مرافق معالجة مياه المجاري. وما لم تعالج مشكلة هذه النفايات عند مصادرها، أو يتم العمل للحيلولة دون وصولها إلى مجاري المياه، فستظل نوعية المياه تحمل مخاطر جسيمة. وهناك أيضا المخاطر الصحية والبيئية المتأتية من الاستخدام غير السليم للأسمدة ومبيدات الآفات. وقد ارتفعت نسبة استخدام الوطن العربي من الأسمدة الكيماوية في السنوات الأخيرة بشكل كبير. ومن المعروف أن هذا النوع من الأسمدة يسهم في تلويت المياه السطحية، ولا تستفيد المحاصيل منه إلا بنسبة 50%، وتأخذ النسبة الباقية طريقها إلى مياه الصرف والأنهار. أما المبيدات الحشرية، فإن استهلاك الوطن العربي منها يقدر بمائة ألف طن سنويا. ولا تمثل الكمية التي تقع على الآفات المستهدفة سوى 1% من الكميات المستخدمة. ويلوث الباقي النظم الأيكولوجية، ومنها الثروة المائية. ويبقى على رأس قائمة الأولويات، التي ينبغي التركيز عليها، بعد أن تحدثنا عن المشاكل، التي تواجهها هذه الثروة، ذاتية وموضوعية، صياغة استراتيجية قومية للحفاظ على هذه الثروة، وتأمين مستقبل هذا الجيل والأجيال القادمة في الوطن الكبير. يجدر الانتباه إلى أن من المشاكل الرئيسية التي تعاني منها الثروة المائية العربية، هي مشكلة تلوث المياه الناجم عن مياه الصرف الصحي، إذ يضخ كثير من المدن العربية تلك المياه داخل الوسط الطبيعي، من دون أدنى معالجة مسبقة، باستثناء الحالات النادرة. ونتيجة لهذه الوضعية، فقد وصل التلوث إلى حد غير معقول، الأمر الذي ينتج عنه بروز أمراض وعلل صحية مباشرة للإنسان. وأخيرا تواجه مشاريع الاستثمار خطر استمرار سياسات الدول المجاورة التي تنبع منها الأنهار العربية، والتي تمارس نهبا منهجيا للثروة المائية، كما هو الحال، بشكل خاص، مع نهري دجلة والفرات، ما يؤدي إلى حدوث خلل في جريان مياههما، فعلى الرغم من وجود معاهدات ومواثيق دولية تحكم عملية تقاسم مياه الأنهار بين الدول، إلا أن هذه الدول لم تلتزم بتلك الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق ونسفتها جميعا. ففي تركيا، على سبيل المثال، قامت الحكومة بتطوير مشروع هضبة الأناضول، وبناء سد أتاتورك وغيره من مشاريع الري التي مكنت تركيا من استغلال نحو 14 مليار متر مكعب من مياه نهر الفرات، ما يعني زيادة حصتها بمعدل 400% من مياه هذا النهر، على حساب حصص الدول التي من المفترض أن تتقاسم معها هذه الثروة. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن الحكومة التركية وجهت دعوة للحكومات التي تشاطرها استخدام مياه دجلة والفرات إلى مناقشة مشروع أنابيب السلام لتزويد سوريا والأردن والكيان الصهيوني ودول الخليج العربي بنحو ملياري متر مكعب من المياه سنويا، وذلك لمقايضة النفط بالماء، ولتضاعف من ثقلها ودورها السياسي في منطقة الشرق الأوسط. وإضافة إلى هذه المشاكل، هناك المحاولات الإسرائيلية المستمرة، للسيطرة على الثروة المائية العربية، إذ يستغل الكيان الصهيوني ظروف احتلاله للضفة الغربية وقطاغ غزة فيقوم بتحويل حوالي 70% من الثروة المائية في الأراضي المحتلة لاستخداماته واستخدام المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. كما استغل الكيان الصهيوني هجومه الواسع على لبنان عام 1978م، في عملية عسكرية أطلق عليها عملية الليطاني، واحتل فيه جزءا من الجنوب والبقاع الغربي حتى نهر الليطاني، وأطلقت على تلك المنطقة تسمية الحزام الأمني. وخلال فترة احتلاله هذا الجزء من لبنان استولى على قرابة 500 مليون متر مكعب من مياه الليطاني. ويواصل الكيان الغاصب، منذ بداية الستينات سرقة جزء كبير من نهر الأردن، تقدر الكميات المغتصبة من أعالى النهر ب 660 مليون متر مكعب سنويا، تقوم إسرائيل بتخزينها في بحيرة طبرية. ومنذ احتلالها هضبة الجولان السورية، بدأت إسرائيل في سرقة ما يقدر ب 50 إلى 60 مليون متر مكعب من المياه سنويا من هذه الهضبة. وتحاول "إسرائيل" استثمار نتائج اتفاقيات كامب ديفيد لتحقيق استفادة قصوى من مياه نهر النيل، عبر اقتراح توسيع ترعة الإسماعيلية، وإيصالها إلى سيناء، ومنها إلى قطاع غزة، والأراضي المحتلة عام 1948م. كما تحاول الاستفادة من المشروع التركي المسمى مشروع أنابيب السلام للتزود من مياه نهر الفرات. وتحاول "إسرائيل" أيضا عبر التعاون الوثيق مع الحكم في إثيوبيا إنشاء مجموعة من السدود على نهر النيل الأزرق، لري 400 ألف هكتار، وانتاح 30 مليار كيلواط من الطاقة الكهرومائية، الأمر الذي سيؤدي بنتائجه إلى حرمان مصر من مستحقاتها في خمسة مليارات متر مكعب من المياه، دون النظر إلى ما في ذلك من خروق للاتفاقيات التي حددت اقتسام مياه النيل بين دول حوض النيل. ومما لا شك فيه، أن جميع المعطيات التي أشرنا إليها في الحديثين السابقين، وفي هذا الحديث تعكس حالة الضعف في الوضع العربي الراهن. كما تشير إلى أن الأمن المائي العربي الآن هو في وضع لا يحسد عليه، مما يلقي بأعباء إضافية على المعنيين بهذا الشأن من المسؤولين العرب. ولعل الخطوة الأولى باتجاه إصلاح واقع الحال، هي صياغة استراتيجية عربية موحدة من أجل حماية هذه الثروة، تنطلق من وعي واقع الثروة المائية العربية، من حيث مخزونها وتنوع مصادرها وطرق استثمارها، بحيث يتم ضمان استمرار تدفقها بالقدر الذي تلبي فيه حاجة الاستهلاك البشري والإنتاج الزراعي، ومواجهة متطلبات التنمية الصناعية من جهة، والتوازن البيئي من جهة أخرى. ومن جهة أخرى، لا بد من التصدي لعمليات النهب والاغتصاب لهذه الثروة، من خلال صياغة ووضع خطة عربية جماعية لمواجهة التحديات الخارجية، معتمدة على المواثيق والمعاهدات التي صاغها القادة العرب خلال الخمسة عقود المنصرمة، وبضمنها معاهدة الدفاع المشترك، ومعاهدة الأمن القومي الجماعي، وميثاق جامعة الدول العربية، واتفاقيات التكامل الاقتصادي، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات مع الأتراك والأحباش لتأمين الحقوق العربية في الثروة المائية، وممارسة مختلف الضغوط على الكيان الصهيوني لكي يرعوي عن سياساته العدوانية الهادفة للاستيلاء على المياه العربية. وينبغي أن ترتبط محاولات التصدي والإصلاح، ببرنامج لاستصلاح الأراضي الزراعية، واستخدام طرق الري الحديثة، بما يضمن الحفاظ على استمرارية الثروة المائية. ويأتي على رأس قائمة هذه المهام، اتباع المقننات المائية لكل محصول من المحاصيل وتبطين قنوات الري لمنع تسرب المياه، والتوسع في عمليات نقل المياه من الأحواض السطحية أو الخزانات الجوفية لتوفير المياه للمناطق التي تفتقر لها، والاستفادة من مياه الأودية الموسمية، ومياه السيول، والتوسع في معالجة النفايات السائلة للمصانع لإعادة استخدامها، وبث الوعي بين المواطنين بأهمية الحفاظ على الثروة المائية. وفي هذا السياق، يقترح الخبراء أن يهتم المعنيون في الوطن العربي بتنقية مياه الصرف الصحي التي قدرت بنحو 5.11 مليار متر مكعب في عام 1990م، ويتوقع أن تصل في عام 2025م إلى 50 مليار متر مكعب، بما يعادل ثلث المياه المستهلكة عربيا. وسيكون هذا، إذا ما تم إنجازه، موردا رئيسيا مهما للثروة المائية، تفرضه معطيات بيئية واقتصادية. ومن المؤكد، أن عملية الإصلاح هذه هي عملية مضنية وباهظة، ولن يتمكن أي قطر عربي بمفرده، مهما كانت إمكاناته، أن يضطلع بها، وبخاصة تلك المشاكل المتعلقة بالتحديات الخارجية، ومحاولة إلحاق الأذى بالعرب، مما لا سبيل لمواجهته إلا بانتهاج استراتيجية عربية قومية، تأخذ بعين الاعتبار مصالح الأمة العربية من جهة، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية، وتأمين موقف دولي مساند من جهة أخرى. إن الكثير من الأقطار العربية لا تستطيع بمفردها، نتيجة لضعف مواردها وإمكاناتها الاقتصادية المحدودة، الاضطلاع بمهمات الإصلاح وتأمين أمنها المائي إلا ضمن منظور استراتيجي عربي شامل يأخذ بعين الاعتبار حق الجميع ومصلحة الكل.. فهل نطمح إلى صياغة هذه الاستراتيجية قبل فوات الأوان؟




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2182226 :: Aujourd'hui : 562 :: En ligne : 9