البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-07-27
في الوحدة والتداعي: قراءة نقدية

yyy

معرض الحديث عن العروبة الجديدة، الذي بدأنا بتناوله، طرحنا أسئلة مركزية وعدنا بمحاولة الإجابة عليها: أين تقف العروبة بعد التحولات التاريخية الكبرى التي عاشتها المنطقة العربية، في ما أصبح متعارف عليه بالربيع العربي؟ وهل طويت صفحة العوامل التي أدت إلى بروزها، كفكرة محركة للشارع، ومحرضة على النضال؟ وهل هذه الفكرة، خاضعة كغيرها من الأفكار للتغير ولقانون الحركة والتعاقب؟ وأين نضعها في سياق الأحداث الجارية بالوطن العربي؟ وما هي سبل النهوض بها. عالجنا بعض معضلات الفكر القومي في بداياته، وتابعنا بقراءة نقدية تطور حركته. وأشرنا إلى تأثره بطبيعة لحظة مقاومة المستعمر في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والثانية، والدور الذي لعبه انشغال الحركة بمعركة التحرر الوطني في تعطيل بناء صياغة نظرية متكاملة لهذا الفكر. وتناولنا تأثيرات ذلك في غياب رؤية واضحة للعلاقة بين الأمة والدولة. في راهنية المشروع النهضوي، تكشف لنا أن المراحل اللاحقة في هذا الفكر حملت دعوة لتحقيق الوحدة العربية، وقيام كيان سياسي يجمع العرب من الخليج الى المحيط. لكن هذه الرؤية لم تخرج عن دائرة الشعارات، ولم تطرح برنامجا نضاليا عمليا للبلوغ بهذا المشروع حيز التنفيذ. لم نتعرض خلال قراءتنا النقدية للفكر القومي في الأحاديث التي مضت، لسياقات تطبيقه على أرض الواقع، واكتفنيا بالتركيز على مناقشة جوانبه النظرية. ومن وجهة نظرنا، فإن تناول ذلك أمر في غاية الأهمية، للقناعة باستحالة فصل النتائج عن المقدمات. فقراءة سياقات التطبيق، من شأنها أن تفض الاشتباك بين العلة والمعلول، أو على الأقل تجعلها أكثر وضوحا، بما يسهم في جعل عملية التفكيك والتحليل أكثر يسرا. أشرنا إلى أن المعضلة الأولى لهذا الفكر، هي موقفه السلبي من الدولة الوطنية، ونوهنا إلى طابعه المشرقي، وإسقاطات ذلك على الدولة الوطنية. ما يهمنا في إعادة التركيز على هذه النقطة، هي إسقاطاتها على الحركة القومية، بعد تمكنها من تسلم السلطة في عدد من الأقطار العربية. التركيز على اللغة العربية، كعنصر وحيد في تكوين الأمة العربية، كانت له أثاره السلبية المدمرة، في التعامل مع الأقليات الإثنية، في البلدان التي تسلمت فيها الحركة القومية للسلطة. صحيح أن أدبيات الفكر القومي، حملت الكثير من التعابير عن إنسانية هذا الفكر، وإيمان مريديه بالمساواة بين المواطنين، لكن ذلك لا يلغي مطلقا، أن الفصل في الانتماء للأمة بين المواطنين الناطقين بالعربية، وغير الناطقين بها يخدش مفهوم المواطنة، ويجعل غير الناطقين بالعربية، مواطنين من الدرجة الثانية، أردنا ذلك أم لم نرده، والوقائع التي تدعم هذا القول كثيرة... أوضحنا أن مشروع الأمة في مراحله الأولى، لم يطرح بحدة قضية الوحدة العربية، وأن ذلك الهدف لم يأخذ شكلا أيديولوجيا، إلا بعد منتصف الثلاثينيات من القرن المنصرم، أثناء احتدام المقاومة للاستعمار الغربي. وقد استمر هذا الطرح، في حلقات ممتدة، في الفكر القومي، أثناء مرحلة النهوض في الخمسينيات والستينات من القرن المنصرم. ولا يزال ذلك مستقرا حتى يومنا هذا في أدبيات الفكر القومي. الموضوع الذي ينبغي أن يطرح، في سياق تجديد الفكر القومي، وصياغة موقف نظري مغاير للعروبة الجديدة، لا يتعلق بمبدأ الوحدة ذاته، وعلاقته بالأمة. الحضور المكتمل للأمة لا يتحقق إلا في التطابق بين حدودها الطبيعة والسياسية، بمعنى وجود كيان سياسي، يستوعب البلدان العربية جميعها، ويجعل منها دولة ووطنا واحدا. والواقع أن الفكر القومي، لم يتمكن من تقديم إجابة عملية حول كيفية بلوغ هذا الهدف؟ إجابة واحدة التقت حولها جميع الحركات القومية، في بعدها الشعبي، لتحقيق هدف الوحدة، هي التركيز على قضية الاصطفاء. وترد في معظم الأدبيات تحت مسمى الطليعة. فحزب البعث، في دستوره الذي صدر في نيسان/ أبريل عام 1947م، رأى أن هدف الوحدة يتطلب وجود تنظيم قومي، تؤسس له فروع على مستوى الوطن العربي، يمثل في تشكيله وصدق ونقاء أعضائه الأمة المصغرة التي يتطلع القوميون إليها، حين يضم مناضلين من مختلف أقطار الوطن العربي. وهؤلاء المناضلين يمثلون طليعة الأمة، وهم في هيكلية تنظيمهم، يعبرون عن حضور معنوي للأمة التي يتطلعون في المستقبل إلى تحقيق وحدتها. حركة القوميين العرب، في بداية الخمسينيات، نحت ذات المنحى، ورأت في تنظيمها طليعة قومية، تشكل رأس الحربة في تحقيق الوحدة العربية. وحتى الرئيس جمال عبد الناصر طرح فكرة التنظيم القومي. وإثر نكسة الخامس من حزيران عام 1967م، تشكل التنظيم الطليعي الناصري، في عدد من الأقطار العربية، على أساس تشكيل طليعة قومية تقود النضال في هذه البلدان وصولا إلى تحقيق الوحدة العربية. وإذا كانت الأمور بنتائجها، فإن البعثيين تسلموا السلطة في العراق وسوريا، لما يقرب من أربعة عقود في العراق، وما يقترب من خمسة عقود في سوريا. وما شهده المواطن العربي هو فشل نظرية الاصطفاء، وعجز الطليعة الموعودة عن تحقيق أدنى تجانس بين كوادرها... وصراعات بين دمشق وبغداد بلغت حد تراشق التهم بالخيانة والخروج على الشرعية والتنكر لمبادئ الحزب. وفي النهاية انقسم الحزب الذي نذر نفسه إلى تحقيق وحدة الأمة إلى أحزاب، ثم إلى شظايا متناثرة على امتداد الوطن العربي، غير قادرة على الفعل، ولا حتى النهوض بمؤسستها أو مؤسساتها وتجاوز الأزمات التي مرت بها. ولم يكن الأمر مختلفا في حركة القوميين العرب، التي انتهت كحركة قومية بعد نكسة حزيران مباشرة، وتحولت إلى تنظيمات قطرية، وانقسمت كما انقسم البعث إلى عدة مجموعات. وخاضت صراع سلطة دموي بين أجنحتها في اليمن الجنوبي، ذهب ضحيتها آلاف القتلى، وانتهت بفشل التجربة. أما التنظيم الطليعي الناصري، فتجربته قصيرة جدا، انتهت برحيل القائد الرئيس عبد الناصر. والنتيجة أننا أمام ما يشبه النهاية لمفهومي الطليعة والاصطفاء، الذين تبنتهما الحركة القومية منذ بداية الأربعينيات في القرن المنصرم. في الستينات من القرن المنصرم، بدأ المفكر القومي الدكتور نديم البيطار، بالكتابة عن آلية أخرى لتحقيق الوحدة العربية، اختزلها في تطبيق مفهوم الإقليم القاعدة. والمقصود بذلك، أن يعمل القوميون على استلام الحكم في أحد الأقطار العربية، ويطبقوا نموذجهم في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، بما يجعل من القطر الذي يقود القوميون فيه السلطة منطقة جاذبة ومؤثرة في نشر وتعزيز الفكر القومي، وبالتالي التسريع في تحقيق الوحدة. لكن هذا التنظير ووجه بفشل ذريع، بعد هزيمة الأنظمة القومية في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني، وعجزها عن مقابلة استحقاقات الناس في الحرية والكرامة والعدالة، والدفاع عن سلامة وأمن واستقرار البلدان التي تمكنوا من تسلم السلطة فيها. وتبقى معضلة تحديد المفاهيم التي لازمت الفكر القومي منذ بداياته حتى يومنا هذا، وبضمنها مفهوم القومية ذاته، الذي هو عاطفة ونزوع باطني نحو بشر، وفقا للمنظر القومي الأستاذ الحصري، وحب قبل كل شيء كما يراها مؤسس حزب البعث الأستاذ ميشيل عفلق. هذه التعريفات وقضايا أخرى ذات علاقة بنقد الفكر القومي، ستكون موضوعا لحديث قادم بإذن الله.




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307031 :: Aujourd'hui : 582 :: En ligne : 7