البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-07-21
التسامح تحت القناع الروائي

yyy

غالباً ما يحدث لنص الكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه المسمى «المومياء» أن يتم التعامل معه بصفته رواية تنتمي إلى ما يعرف بأدب الرعب. بل إن السينما حين حولت هذا النص إلى فيلم كانت النتيجة فيلم رعب حقيقياً. ومع هذا من الصعب التسليم بأن هذا البعد هو الأساسي في نص كتب قبل قرن ونصف القرن من الآن، وحرك مخيلات ملايين القراء وأعاد الاعتبار لما كان يسمى منذ ذلك الحين «الهوس بكل ما هو مصري قديم في فرنسا وفي غيرها»، على حد تعبير الكاتب والصحافي الفرنسي المعاصر جان لاكوتور الذي نشر دراسات حول ذلك الهوس الذي، حتى وإن كان يشارك به الفرنسيين غيرُهم من الشعوب الأوروبية، فإنه مهيمن في فرنسا أكثر منه في أي مكان آخر. والحقيقة أنه على رغم أن الاستشراق سبق في توجهه المصري، صدور «رواية المومياء» بعقود بل بقرون من السنين، لا سيما ذاك الذي كان يركز على مصر وتاريخها القديم والمعاصر، فإن رواية تيوفيل غوتييه أعادت إحياء ذاكرة الفرنسيين والأوروبيين «المصرية» في الزمن الذي صدرت فيه للمرة الأولى. > إذاً، حتى ولو لم يكن تيوفيل غوتييه مخترع النوع، فإنه كان واحداً من كبار المبدعين الفرنسيين الذين أعادوه إلى الحياة وأسبغوا عليه أبعاداً جديدة، ليصبح عملاً متعدد الأبعاد. والحال أن «رواية المومياء» عمل لا ينبغي أن يقرأ كما اعتيدت قراءته: رواية عن القبور الفرعونية وعن الرعب الذي يزامن اكتشافها ولغتها وما شابه. صحيح أن في وسعنا أن نجد أن القسم الأول من الرواية ربما كان يقترب من هذا المنظور إلى حد كبير، ولكن من المؤكد أن القسم الثاني منها يبتعد تماماً عن ذلك المناخ الجنائزي، ليصبح متراوحاً بين أن يكون نصاً تاريخياً، وأن يكون حكاية غرام حقيقية رومانسية وفاتنة. > ففي القسم الأول من «رواية المومياء» نجد أنفسنا في مصر المعاصرة (أي أواسط القرن التاسع عشر)، حيث لدينا لورد إنكليزي شاب هاو للآثار، يرافقه عالم ألماني. والرواية تقدم لنا (بعد وصف دقيق ومفصل لقبر فرعوني- استوحاه الكاتب من قبر سيتي الأول، أحد أشهر ملوك الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة، التي حكمت مصر خلال القرن الثالث عشر قبل المسيح)، هذين العالمين، وهما في صدد اكتشاف القبر. وحين يحدث هذا الاكتشاف في نهاية الأمر ويتمكن العالمان من فتح القبر الفرعوني، يجدان نفسيهما في حضرة جثمان محنط وبالتالي محفوظ في شكل ممتاز. ويتبين للرجلين بسرعة أن الجثمان هو لفتاة في روعة صباها. وفي عملية التفتيش داخل حجرة القبر التي يقوم بها الرجلان يعثران على نص مكتوب على ورق البردى، موضوع داخل قبر الفتاة إلى جانبها ويقوم العالم الألماني بترجمة النص بسرعة، فإذا به يحتوي حكاية هذه الفتاة وحكاية موتها. والحقيقة أن هذه الحكاية المسجلة منذ ساحق الأزمنة على البردى إنما هي التي تشكل القسم الثاني من «رواية المومياء». أما الذي يحدث هنا بعد كل هذا فهو أن العالم الإنكليزي الشاب سيجد نفسه وقد وقع في هوى صاحبة الجثمان، فيعيش هاجسها وحياتها كعاشق لامرأة ميتة. ولكن هل تراها ميتة حقاً؟ على الإطلاق لأن ما سوف يتكشف بسرعة هو أن الفتاة حية في حقيقة أمرها، وذلك بكل بساطة لأن كل ما في رواية تيوفيل غوتييه هذه، يتضافر لكي يتمكن من إعادة الفتاة إلى الحياة. > أما الفتاة فتدعى تاهوسر كما يفيدنا النص الذي ترجمه العالم الألماني، وهي كانت ابنة واحد من كبار الكهنة في مصر في ذلك الزمان. وكان يمكن لتاهوسر هذه أن تعيش حياتها في شكل عادي وتموت وتُنسى لولا أنها عاشت قبل موتها غراماً ملتهباً مع شاب عبري يدعى بويري. وهي لم تتمكن من الدنو من هذا الشاب، بسبب التقاليد التي لا تسمح لابنة كاهن فرعوني بمخالطة شاب من غير دينها، إلا إذا تمكنت من أن تتنكر في زي امرأة فقيرة من عامة الشعب. غير أن الفرعون سرعان ما يخطف الفتاة ويسجنها في قصره. وهناك، في القصر تشهد تاهوسر بأم عينها، ذلك الصراع العنيف والمجابهة اللفظية بين الفرعون وموسى العجوز الذي قصد سيد البلاد لكي يسأله أن يأذن للعبرانيين بالرحيل عن مصر. وتتلو هذا المشهد فصول عدة، ولكن سريعة، يصف فيها تيوفيل غوتييه تصوره لبعض الأحداث التاريخية التالية مثل الكوارث التي أحاقت بمصر وخروج العبرانيين، وتدمير الجيش الفرعوني ثم موت الفرعون نفسه وحلول تاهوسر في الحكم محله لفترة من الزمن سبقت رحيلها هي الأخرى عن دنيانا، وتحنيطها ودفنها مع النص الذي يروي حكايتها. > في الواقع التاريخي كان هناك في مصر، حقاً، ملكة تدعى تاهوسر، وهذه كانت زوجة سيتي الثاني ثم أرملته، وهي حكمت مصر عامين بالفعل. ولكن من المؤكد، بالنسبة إلى دارسي عمل غوتييه أن هذا الأخير إنما استعار الشخصية ليختلق لها أحداثاً لا علاقة لها بها. ومن هنا لا بد من الإشارة إلى أن الحكاية التي تروى على ورقة البردى إنما كانت كلها من اختراع كاتب القرن التاسع عشر الفرنسي. بل إن هذا الأخير لم يتورع عن رواية أحداث تاريخية غير مؤكدة، جعل منها خياله الخصب خلفية لروايته، فمثلاً- وكما يقول نقاد فرنسيون راجعوا التاريخ لكي يعثروا على وجه شبه بين الرواية والحقيقة التاريخية- يمكن القول إن الفصل الذي يصور المشادة بين موسى والفرعون لا يؤكدها أي مصدر تاريخي باستثناء العهد القديم. كما أن تاريخ الخروج نفسه غير مؤكد وثمة من ينفيه جملة وتفصيلاً. غير أن هذا كله لا يبدو أنه يهم غوتييه. المهم بالنسبة إليه كان خلق مناخ تاريخي يضفي على روايته الأساسية- أي المتخيّلة- صدقيتها، وهو نجح في ذلك إلى حد كبير. وكذلك نجح في أن يرسم نمط العيش في مصر تلك الأزمان بكل دقة، رسماً شديد القرب من الواقع التاريخي الملموس الذي اشتغل عليه علماء المصريات طويلاً وأصدروا عنه العديد من الكتب في القرن التاسع عشر خاصة. ومن الواضح أن غوتييه استفاد هنا من عشرات الوثائق والدراسات المستحدثة عن قصور الفراعنة وحملاتهم العسكرية. وكذلك نجده مهتماً في شكل خاص بالتسامح الذي كان العبرانيون يعيشون بفضله بين أحضان المصريين، حيث نجدهم- كما سوف تكون حالهم لاحقاً أيام ازدهار الحضارة الإسلامية- يصلون إلى مراكز الدولة العليا ويمارسون حياتهم ودينهم من دون عوائق، حتى وإن كانوا- لأسباب ستظل غامضة إلى الأبد- سيقدمون على مبارحة مصر ذات يوم... كما يروون هم على الأقل! > وإزاء هذا كله أوليس في إمكاننا أن نقول أن تيوفيل غوتييه إنما قدم من خلال هذا النص التاريخي مرافعة حول التسامح والتعايش؟ حتى إن لم يكن هذا هو مراده، فإن روايته تتحدث عن ذلك التسامح بصفته الأسلوب الوحيد الذي يمكن الناس من التعايش. > ولد تيوفيل غوتييه الشاعر والناثر والناقد، عام 1811 في مدينة تارب الفرنسية. ولئن عرف عنه أنه لعب دوراً أساسياً في تأسيس الحداثة الشعرية في فرنسا، فإنه اشتهر أكثر وفي شكل مبكر، من خلال وقوفه إلى جانب فيكتور هوغو في المعركة التي ثارت حول مسرحية هذا الأخير، «هرناني». أما مجموعة غوتييه الشعرية الأولى فصدرت عام 1830 (وكان في التاسعة عشرة) بعنوان «أشعار»، من دون أن تحمل مزايا حقيقية. وأما المجد فبدأ يصل إليه من طريق النصوص التالية، والفكهة، التي أصدرها بعد ثلاث سنوات بعنوان «الشباب - فرنسا». وفي عام 1835 أصدر رواية «الآنسة موبان» مصدّراً إياها بمقدمة أثارت صخباً، إذ نجده، على الضد من المذاهب السائدة في ذلك الزمن، يؤكد نزعته في «الفن من أجل الفن». وهو لكي يؤمن رزقه مارس النقد وكتب أكثر من ألفي مقال خلال فترة قصيرة نسبياً، ثم زار الكثير من البلدان المتوسطية، كما زار بلداناً عدة في الشرق الأوسط، كتب عنها ومن ضمنها مصر التي وقع في هواها. أما «رواية المومياء» فصدرت عام 1858، قبل رحيله بـ14 سنة، وتلتها روايته الأشهر «كابتن فراكاس». http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/23020526/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1%C2%BB-%D9%84%D8%AA%D9%8A%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%84-%D8%BA%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%8A%D9%87--%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238555 :: Aujourd'hui : 189 :: En ligne : 5