البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-06-12
الإنسان والتقنية لأوزفالد شبنغلر

yyy

عندما صدر كتاب المفكر الألماني أوزفالد شبنغلر «انهيار الغرب» عند نهاية العشرية الثانية من القرن العشرين، حقق من فوره نجاحاً لم يحققه من قبله في القرن نفسه ولن يحققه أي كتاب فلسفي آخر. كان نجاحه ضخماً الى درجة أن الناس لا يزالون حتى اليوم، لا يعرفون أي كتاب آخر للمؤلف. ومع هذا، نعرف أن شبنغلر أصدر بعد ذلك الكتاب، مؤلفات عديدة بعضها قد يفوقه أهمية، من الناحية الفكرية على الأقل. ولعلنا لا نكون ظالمين لـ «انهيار الغرب» إن نحن توقفنا هنا عند واحد من كتب مؤلِّفه الأخيرة، كتاب «الإنسان والتقنية» الذي يطور فيه الأفكار نفسها التي عبّر عنها في الكتاب الأول، ولكن من منظور أكثر شمولية وكونية. وكذلك من منظور أكثر تراجيدية. > فهنا في هذا الكتاب الذي صدر العام 1932 أي بعد عقد ونصف العقد من «انهيار الغرب»، يعمّم المؤلف نظريته غير حاصر استنتاجاتها بالغرب بل يمدّها لتشمل أمم الشمال الصناعية التي باتت تعتمد التقنية في صناعتها أكثر وأكثر ما يجعل إنسانها عبداً لذلك «المخلوق التقني الذي صنعه بنفسه ليصبح هو عبداً له». ومن الواضح ان شبنغلر يتحدث ها هنا عما يسمّيه بنفسه «الميثاق الفاوستي». أي الميثاق الذي عقده الإنسان مع التقنية ليصبح بالتالي عبداً لها. ويقول شبنغلر هنا حرفياً: «في الماضي كان عالم الإنسان الصغير قد تصدى للطبيعة، أما اليوم فها هو عالم الآلة الصغير ينتفض ضد إنسان الشمال... وهكذا يتحول سيّد العالم، أي هذا الإنسان، الى عبد لهذه الآلة التي تجبره، تجبرنا جميعاً، سواء أدركنا هذا أم لم ندركه، على اتباع مسيرتها (...) فعند مفتتح القرن العشرين بات ذلك هو مصير «العالم» على هذا الكوكب الصغير: فثمة مجموعة من أمم ذات دماء شمالية يقودها الإنكليز والألمان والفرنسيون والأميركيون تتولى هي قيادة اللعبة حيث من الواضح ان السلطة السياسية ترتبط بثروات هذه الأمم، وهذه الثروات ترتبط بقوة صناعتها - التي باتت صناعات تقنية بحتة. وهذه الصناعة التقنية التي حققت انتصارها (النهائي؟؟) هي نتاج ذلك العقد الفاوستي الذي يشير اليه شبنغلر مستطرداً أن الأمم الأخرى سواء كانت مستعمرات أو أمماً تسمّى مستقلة «لا تلعب أكثر من دور المزوّد بالمواد الأولية والزبون المشتري ما تنتجه الصناعات التقنية». وبالتالي، كما يرى شبنغلر، من الواضح أن «القوة السياسية باتت ترتبط مباشرة بالقدرة الصناعية، بحيث إن الأمم الفقيرة صناعياً هي نفسها الأمم الفقيرة تقنياً وصناعياً وفي كل المجالات». ومن هنا يرى شبنغلر أن التقنية باتت هي العنصر الشيطاني الجديد والراسخ الذي يتحكم بالإنسان. > من المؤكد أن مثل هذا الكلام بات معمّماً خلال القرن العشرين بحيث قد لا يجد قارئ كتاب شبنغلر اليوم أي جديد فيه، ولكن علينا ألا ننسى هنا أن «الإنسان والآلة» صدر أواخر الثلث الأخير من القرن الفائت حين كان مثل هذه الأفكار لا يزال فكراً هرطوقياً. ومن هنا لئن جوبهت أفكاره بقوة أول الأمر ونُظر الى مؤلفه كصاحب أفكار غريبة، فإن كثراً سيعودون ويعتبرونه رائداً في مجال فكر سوف يتبناه لاحقاً أنصار البيئة والعالم-ثالثيون، ولكن بعد أن ينسوا مطلقه. > «حين أدركت ان هذا الإنسان الشيطان، الصلب مثل قانون طبيعي، يرفع قبضته في وجه الإرادة البشرية وتطلعاتها، عمدت على الفور الى إبعاد كتابه من أمام ناظريّ، لكي لا أجد نفسي مرغماً على الإعجاب بما يؤلم وبما يقتل». قائل هذا الكلام هو الكاتب الألماني الكبير توماس مان، صاحب «الموت في البندقية» و «الجبل السحري». أما الإنسان - الشيطان الذي يتحدث عنه ها هنا، فهو مواطنه اوزفالد شبنغلر، أحد كبار الفلاسفة الألمان خلال الربع الأول من القرن العشرين، والذي كما أشرنا، اشتهر، بخاصة، بأن كتابه «انهيار الغرب» الكتاب الفلسفي الوحيد الذي كان بإمكان مؤلفه، في تلك الاحيان، ان يفخر لكونه قد تحول، حال صدوره في العام 1918 الى مكانة متقدمة في لائحة أكثر الكتب مبيعاً. وحتى اليوم لا يزال كتاب شبنغلر يُقرأ على نطاق واسع، ويشكل مرجعاً في موضوعه بل لا يزال حتى عرضه لشتى ضروب سوء الفهم، بعد نحو قرن مضى على صدوره. واذا استثنينا كتب ماركس/ انغلز ومؤلفات نيتشه يمكننا القول إن «انهيار الغرب» هو الكتاب الفلسفي الذي تُرجم اكثر من أي كتاب فلسفي آخر في القرن العشرين، وفُهم فهماً أكثر سوءاً مما فُهم به أي كتاب فلسفي آخر. فهذا الكتاب الذي استخدم من جانب «خصوم الغرب» دليلاً على انهيار حضارة هذا الأخير استناداً الى مبدأ «شهد شاهد من أهله»، لم يكن في حقيقته كتاباً ينعى على الغرب انهياره ويعلنه ويتغزل به، بل كان نصاً فلسفياً أشد تعقيداً وتركيبة عن ذلك بكثير. > صحيح ان فكر شبنغلر كان فكراً يتحدث عن الانحطاط، لكنه لم يقصد الانحطاط بمعنى الشكوى من ذلك، بل كان مجرد رصد للواقع على الشاكلة نفسها التي تحدث بها فيلسوفنا العربي الكبير ابن خلدون عن «زوال العمران» في «مقدمته» الشهيرة. كان همّ شبنغلر في كتابه ان يبرهن، وفق قول المؤرخ ميشال مور على ان «أول ضروب الشجاعة انما يكمن في قبول شريعة الوجود التي يترتب عليها موت الثقافات كمثلما تموت سائر الكائنات الحية». ولم يكن شبنغلر في نظريته هذه ليخرج قيد أنملة عما كان قد جاء به نيتشه من قبله، ويكاد يتطابق مع ما جاء في مقدمة ابن خلدون. وكان شبنغلر يرى ان الانهيار انما يقوم في ذلك العبور الحتمي من حيز «الثقافة» الى حيز «الحضارة». لكن هذا التعبير الدقيق يفوت عادة قراء كتابه الرئيسي فيعتبرونه مجرد نعي للغرب، ويستشهدون كذلك ضاربين صفحاً عن التعميم الحضاري الذي جاء فيه والذي سيستعيده ارنولد توينبي من بعده، وإن بصيغ وفي مجالات أخرى. > ولد اوزفالد شبنغلر في مدينة بلانكنبورغ، بإقليم هارز الألماني في العام 1880، ومات في مدينة ميونيخ عام 1936 بعد ان شهد صعود النازية في بلده ألمانيا، وراقب الغرب وهو يقدم بخطوات سريعة على الحرب العالمية الثانية، فمات مطمئناً، فكرياً لا إنسانياً، لكون ما يحدث أعطى نظريته كامل مصداقيتها. والحال ان حبراً كثيراً سال في ذلك الحين وتذكر كافة الكتّاب كتاب شبنغلر الذي كان صدر قبل عشرين عاماً، وأعادوا الحق لذاك الذي بعد تخرجه من جامعات برلين وهالّه وميونيخ، عمل كأستاذ الرياضيات في مدرسة ثانوية قبل ان يسأم التدريس فيقدم استقالته لكي يقيم في ميونيخ وينصرف كلياً خلال الحرب العالمية الأولى، لوضع مؤلفه الأشهر، «انهيار الغرب». ولكن على عكس ما قد يعتقد البعض، لم يكن ذلك الكتاب لا كتاب شبنغلر الوحيد ولا كتابه الأكثر أهمية، من الناحية العلمية على الأقل. مهما يكن فإن فيلسوفنا، وبعد ظهور ذلك الكتاب وما أثاره من ردود فعل وجد نفسه منخرطاً في العمل السياسي، حيث نرى فكرة القومية تختلط لديه بالاشتراكية كما عبر في كتاب شهير له هو «البروسية والاشتراكية» (1920) وهو كتاب بيعت منه عشرات ألوف النسخ فور صدوره. ووضع كذلك كتاباً حول «إعادة بناء ألمانيا» (1924) ساهم في إنهاض همم من كان يشعر حينذاك بهزيمته. > وخلال سنوات العشرين اهتم شبنغلر بالتقنية وبدا يفرد دراسات عديدة لها ولموقف الإنسان منها، وتوّج ذلك بكتابة «الإنسان والتقنية» (1932) حيث يدعو في الوقت نفسه الى نوع جديد من الاشتراكية ويساهم في فلسفة الثقافة بشكل دفع الفرنسي ايمانويل بيرل لأن يقول عنه، لاحقاً: «إن كل فلسفة للثقافة لا يمكن لها ان توجد من دون المرور بشبنغلر»، وهذا الرأي كان يرتئيه أيضاً الكاتب - الفليسوف الألماني ارنست جونغر الذي بدا شديد التأثر بشبنغلر في كتابه الأشهر «العامل». > ولئن كان البعض قد رأى فـــي كتابات شـــبنغلر، باكراً، دعوة إحيائية تشبه دعوة النازيين، فإن هذا لم يكن صحيحاً، لأن نظرية الحضارات وانهيارها لديه لم تكن عنــصرية على الإطلاق. اما بين غلاة الذين تأثر فكرهم بفكر صاحب «انهيار الغرب» فيمكننا ان نورد، مع ميشال مور، اسمين، هما ارنولد توينبي وآندريه مالرو. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/22333140/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%86%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B2%D9%81%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%B4%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%B1--%D8%B9%D9%82%D8%AF-%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B3%D8%AA%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2291486 :: Aujourd'hui : 830 :: En ligne : 9