البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-06-05
فلسفة الحرية بين التخلص من وضع العبودية وبلوغ مدار الإنسية

yyy

" إن الانتقال من الضرورة إلى الحرية يحصل من أجل المجتمع البشري لا من أجل الطبيعة"1 استهلال: لا تعطى الحرية بل تفتك يرى البعض أن هناك تناقض حاد بين وجود الإنسان وماهية الحرية ونداء بين وجود الحرية وماهية الإنسان ويفسر ذلك بأن الحرية تستوجب القيام بفعل دون إكراه وغياب الضغط بينما يواجه الإنسان في اندراجه في العالم العديد من المضايقات وتعتصره عدة التزامات وتظل الحرية بالنسبة إليه مطلبا عصيا ومثلا أعلى لا قبل له فردا أو جماعة، وكلما تقدم به الزمن ومضى في الحياة إلا وازداد تعلقه بهذا الوهم وازدادت رغبته في الدنو من هذه القيمة الجميلة ولكن كل ما يفعله هو الغربة عنها والمزيد من الابتعاد عن جوهرها. إن نموذج الفرد الحقيقي هو الإنسان الحر والذات المستقلة والشخصية المختلفة والإنية المتفردة وكلها صفات إنسية نبيلة تدل على الدرجة الرفيعة التي ينبغي أن يتبوأها هذا الكائن الرسالي والموجود الوسائطي بين عالم البهموت الداني وعالم الملكوت السامي. إن الحرية هي قيمة القيم والرهان الأكبر لأن إتلاف الطريق المؤدي إليها هو الخسران الأكبر. عما تسائلنا الحرية عندئذ؟ وهل يحتاج الإنسان لمعرفة حدها من أجل أن ينشدها؟ إنها عزم على الوجود بغير تحفظ وقدرة على التحديد الذاتي وتجاوز كل القيود والانتصار على السائد وليست مجرد حرية اختيار بين ممكنات شتى أو فعل المرء لما يحلو له. إن معوقات الحرية كثر وأهمها المجتمع والطبيعة والاقتصاد والسياسة والثقافة ونقيضها هي العبودية والاغتراب والحيوانية. هناك طريقان لتحصيل قبس من الحرية: الأول هو الطريق السلبي ويتمثل في حسن التعامل مع نقيضها وهي العبودية والحتمية والضرورة وقد اشتهرت مقولتين في هذا السياق هما الحرية وعي الضرورة والمقولة هي أن الضرورة تظل عمياء ما لم يوجد من يفهمها، نستخلص من هاتين القولتين أن التحرر من أسر الضرورة ممكن شرط أن يفهم الإنسان القانون الذي يتحكم فيه ويطوعه لنفسه. الطريق الثاني هو الطريق الايجابي الاثباتي وهو أن يصادر الإنسان أن الحرية هي الوضع الأصلي ,انه حكم عليه أن يكون حرا لأن وجوده يسبق ماهيته ولذلك ينبغي أن يتحمل مسؤولية مصيره بنفسه لأن ما سيكون عليه هو وليد قراراته واختياراته. بيد أن البعض من الفلاسفة يوحدون بين الطريقين السلبي والايجابي في مشروع واحد هو مشروع التجاوز والانتصار على الذات والارتقاء إلى درجة الوجود الأشرف في مسار كينوني متكامل وأصيل. خلاصة القول أن الحرية منظومة شاملة تضم الحريات السياسية في مواجهة غطرسة الدولة والحريات الفردية في مواجهة انغلاق المجتمع والأحزاب وهيئات المجتمع المدني وحرية المعتقد وإقامة الشعائر الدينية في كنف التسامح والاعتدال في الملكية وتنقل فرص الاستثمار وحرية التفكير والنقد ضد التزمت الثقافي والتحجر العقائدي. هكذا ننتهي إلى الإقرار بأن الحرية ليست بالأمر المستحيل ولا يوجد تناقض بين الإسلام وهذه القيمة طالما أنه دين الحرية بامتياز يبدأ بقول اللاّ ويثور على كل أشكل الاستغلال والزيف والعبودية ويدعو الناس الى العمل واتباع الخير ويحمل على الظلم والتعسف فمتى تتطرق التآويل إلى أن العبودية التامة لله هي منح الناس الحرية التامة كمبدأ تكليفي يستحقون عليه الثناء والجزاء؟ وكيف يكون المرء حرا بصورة ملموسة؟ 1- الحرية بين الممكن والراهن: " يبدو أن السواد الأعظم يظنون أنفسهم أحرارا كلما جاز لهم الإذعان لميولهم"2 من بين السمات التي يختص بها العديد من الناس في كل الأزمنة والأمكنة هي الوقوع في تناقض مربك يتمثل في المعنى المدرك للحرية بشكل مسبق والوعي بأهمية البحث عن شروط التحرر بطرد الاغتراب. لهذا يجد المرء نفسه بين شعورين متناقضين : الأول هو الفرح الناجم عن الزهو بالذات والاعتقاد بأنه أرفع من غيره في درجة الحرية ، والثاني هو الحزن الناجم عن الاستخفاف بالذات وتثبيت اغترابها والاعتقاد بأنها أقل من غيرها من جهة الامتلاك المادي للأشياء والقيمة المعنوية الذي يتبع الوعي بالنفس. لكن هل يمتلك الإنسان حريته أم يكون وجوده بأسره حرية؟ وهل يمكن أن يتحول عدم الاكتراث من حيث لامبالاة إلى شعور بالحرية؟ وبعبارة أخرى هل يمكن مقارنة حرية القدامى بحرية المحدثين والحرية عند المعاصرين؟ وماهو المعنى المياتافيزيقي للحرية؟ وكيف تشكلت الحرية المدنية بإعادة قراءة لحرية الحكيم؟ الى أي مدى يمكن التربية على الحرية ؟ وكيف يكتسب الانسان الحر هيبتها ومجده؟ ولكن ما الفرق بين الحرية بالمعنى السلبي والحرية بالمعني الايجابي؟ وهل تختلف الحرية في التقليد اللبيرالي عن الحرية في التقليد الجمهوري؟ وهل يساعد العلم والعقلانية التقنية على إحراز الحرية؟ الحقل الدلالي: - الحرية هي حالة للكائن ونمط وجود يتجلى من خلاله المرء غير خاضع إلا لإرادته وموجود بصورة مستقلة عن كل ضغط خارجي. بطبيعة الحال الإنسان الحر هو الذي يتناقض مع العبد والتابع والخادم والفاقد لكل حقوقه ومقومات إنسانيته. زيادة على ذلك يشعر الإنسان في الحياة اليومية بأنه حر بشكل بديهي ويظل غير مبال بما يجري حوله وغير مكترث بالعالم الخارجي وقد يجد رضاه في هذا الشعور الباطني بالاستقلالية ويسمي هذا الشعور حرية عدم الاكتراث التي يمكن اعتبارها الدرجة الأولى والمستوى الأضعف من الحرية التي يمكن أن يحس بها الإنسان. كما أن الحرية هي حالة للكائن يمارس فيها الحكم المعرفي والفعل بصورة واعية وسديدة بتعارض مع الجهل والأهواء ويتبع فيها أوامر العقل وبالاهتداء بنور وشروط الحقيقة محققا بصورة تامة وثاقبة ما يأمل في تطابقه مع طبيعته الخاصة. 1- بالمعنى السياسي تتعلق الحريات بمختلف الميادين : الحرية الفيزيائية ، حرية التعبير، حرية الوعي، حرية التفكير، الحرية الدينية ( حرية المعتقد + حرية الضمير) حيث لا يخضع الفرد في حياته الخاصة لمراقبة الدولة مع احترامه للقوانين المنظمة للحياة العامة. على هذا الأساس أن يكون المرء حرا هو أن ينتمي الى مؤسسات الميدينة ولا يكون عبدا لأهوائه ويظل في الخارج. 2- المعنى الأخلاقي للحرية تتأسس على السيادة الذاتية للإرادة وحكم الإنسان لنفسه بنفسه وقدرته على التحديد الذاتي عند كانط حيث تمثل مسلمة للعقل العملي وترتبط بالشعور بالكرامة واحترام الإنسانية. 3- المعنى الوجودي يجعل من الحرية شرط تكويني للحقيقة الإنسانية وذلك بالانطلاق من أسبقية الوجود على الماهية والإقرار بأن المرء محكوم عليه بأن يكون حرا وأن يستعمل حريته مطلقة في الدفاع على الحرية والاضطلاع بمسؤولية وجده في الكون وفي خلق قيمه الخاصة به والنضال من أجل حرية الآخر. 4- الحرية تتحقق بالعقل عند ديكارت وتتناقض مع الضرورة حسب سبينوزا ومع الأهواء عند أفلاطون ، لكنها تمر بالمجتمع عند هوبز والإرادة الطيبة عند كانط وترتقي إلى مفهوم التحرر أو الانعتاق مع العمل عند هيجل والتاريخ وماركس. في هذا الصدد هل الحرية هي غاية الدولة كما يتمنى سبينوزا أم نهاية التاريخ كما يعتقد هيجل؟ بيد أن الإنسان الحر هو الذي تتعارض مواقفه مع السلطة والنفوذ والتقاليد ويرفض كل افتراض غيبي ويختزل الاعتقاد إلى مجرد ظن ولا يثق في أي حقيقة معرفية سوى ما يوفره العقل. مقتضى القول أن الحرية بالمعنى السلبي هي غياب الإكراه والتغلب على القيود وإزالة العوائق. أما في مستواها الايجابي فتفيد الانتصار على الذات وتجاوز النمط الأول من الوجود والاقتدار على الخلق والإبداع والارتقاء بالإنسانية على عوالم غير معهودة وأشكال من الحياة جديدة ورحبة.لكن ربما "يخفي هذا الشعور بالاستقلال لاشعور بالتبعية". فمتى يكون الموقف البشري صادرا عن العقل وحده؟ وهل يساهم العلم في ترشيد الفعل البشري؟ 2- الحرية بين الفردانية والتقاليد الجمعانية: " الحرية هي المشاركة الفعلية للمواطن في الحياة العامة" (بنيامين كونستان) تنتهي كل محاولة في البرهنة على الحرية إلى قتل الحرية و يؤدي كل عمل إرادي في تحديد الاختيارchoix إلى الوقوع في الحتمية والضرورة وعبث الأقدار، هكذا كتب المفكر الحر آلان مبينا أن إرادة التحقق من وجود الحرية ومحاولة التثبت من تمتع الإنسان بها قد يفضي إلى جعلها من المطالب التي لا يمكن تفاديها وتصورها في شكل إكراهي بحيث يكون من الواجب على كل إنسان أن يتدبر وسائل تحصيلها. حينما نحاول إثبات الحرية فإننا نرسم لها حدودا ونستخلص وجود نوعين من الحرية الأولى داخلية والثانية خارجية. لقد زادت العلوم العرفانية اليوم في الشكوك حول قدرة الإنسان على حرية الاختيار. علاوة على أن السجل القانوني وعالم الحق ما فتئا يذكرانا بأن حريتنا تنتهي عندما تبدأ حرية غيرنا. على الرغم من أن القانون قد يمثل الإطار الملائم والشرط الصلب والإمكانية الواقعية التي تسمح بالتمتع بالحرية على الصعيد الفكري والإعلامي والفيزيائي والاقتصادي وتؤهل الإنسان إلى تحصيل جملة من الخيرات المادية والفوائد الاقتصادية والحقوق الأساسية في المجتمع الديمقراطي. غير أن الحدود الملموسة للحرية هي نتيجة تفاهم سياسي غير مقبول ولا يصنع البتة سعادة النسق الاجتماعي الكلي3 . يمكن إسناد أربع معان إلى الحرية: حسن الاختيار والسيادة الذاتية والاستقلال واللاّاضرار بالغير. - حرية الاختيارlibre arbitre هي ملكة تقوم باختيارات واعية ومتعارضة بصورة تقليدية مع الحتمية المرتبطة بالانفعالات وحالات الجسم وبالقدر أو الاغتراب ولو تغيب حرية الاختيار تنتفي قيمة المسؤولية. - يتم استعمال مصطلح السيادة الذاتيةAutonomie للإشارة إلى الاستقلالية الاقتصادية والعاطفية. بيد أن عمونيال كانط منح هذا اللفظ دلالة محددة تشير إلى الملكة التي تمنح كل شخص القانون الذي يخصه، وينبغي أن يكون هذا القانون كونيا حتى يتم معاملة كل شخص كغاية وليس كوسيلة. يترتب عن ذلك إعطاء تقدير خاص لمفهوم الكرامة البشرية. - الاستقلال Indépendance هو الفعل الذي بمقتضاه لا يتبع المرء غيره حينما يقوم باستعمال ملكته الاختيارية. - Non-nuisance اللاّاضرار بالغير هو المبدأ الوحيد حسب جان ستوارت مل الذي يمكنه أن يحد من حرية الأفراد من أجل احترام كرامة الإنسان الآخر وتحقيق منفعة عامة. يتمثل تطبيق هذا المبدأ في تثمين الكرامة عن طريق حظر أفعال الإضرار بالذات والإضرار بالغير. فمن هو الكائن الحر على وجه الحقيقة؟ لقد تحددت الحرية منذ أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد بوصفها قدرة الكائن البشري على تحصيل الخير واستكماله ولا تقتصر بالتالي على فعل ما نريده أو نرغب فيه الذي قد يسقطنا تحت هيمنة الرغبات. وصف أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد الحرية بالفضيلة التي تسمح للانسان بأن يفعل بطريقة ارادية هادفة ووفق معرفة متعقلة للأسباب المؤدية إلى الفعل وليس بطريقة اضطرارية وفي ظل جهل بالأسباب وما يترتب عن ذلك من وقوع في العبودية وارتكاب للرذائل. بعد ذلك قام الفكر الكلاسيكي مع القديس توما الاكويني في القرن الثالث عشر ميلادي بالتمييز بين الأفعال الارادية الموجهة بالعقل وتمثل الإرادة الحرة أو حرية الإرادة والأفعال غير الإرادية التي تحركها الرغبة. في نفس الاتجاه ربط رونيه ديكارت 1596-1650 بين الحرية وتمرين العقل وبين أن الكائن الحر هو الذي يميز بين الحكم الواثق والحكم المسبق.وجعل حرية الكاملة في مقابل حرية عدم الاكتراث التي اعتبرها الدرجة الصفر من الحرية. من جهة مقابلة اعتبر باروخ سبينوزا 1632-1677 حرية الاختيار مجرد معنى متداول يصلح في المجتمع بما أنه يجعل الناس يتحملون مسؤولية أفعالهم ولكنه من الناحية المعرفية خاطئ ومضلل. ودعا إلى معرفة الرغبات والانفعالات التي تحدد الأفعال البشرية وتقف وراء كل تصرفاتهم فردية وجماعية. علاوة على ذلك منح عمونيال كانط 1724-1804 الحرية معنى أخلاقيا حينما اشترط استكمال القانون الأخلاقي الذي يكون هو نفسه بالنسبة إلى الجميع والذي يمنحه كل إنسان إلى نفسه بطريقة شخصية. بيد أن جيريمي بنتام 1748-1832 اعتبر الحرية عنصرا وهميا وغير موجودة في ذاتها بل هي مجرد إمكانية يمكن أن يعطيها كل امرئ مضمونا. بعد ذلك جاء جان بول سارتر في 1905 -1980 لكي يعيد الاعتبار بشكل جذري لتجربة الحرية بوصفها مسألة وجودية مبينا أن الإنسان يمتلك بصورة دائمة كل الخيارات ولا يمكنه الهرب من حريته بما أنه يوجد في عالم فارغ من المطلقات والآلهة فإن الحرية تمثل بصورة مكثفة وجوده ولذلك يعتمد على مخيلته ليبرهن على هذه الحرية ويقوم بإعادة تشكيل العالم. فما الفرق بين الحرية الايجابية والحرية السلبية حسب ايزيا برلين1909-1997 في كتابها"مفهومي الحرية"؟ أن يكون المرء حرا بالمعنى الايجابي في النسق القيمي للمفكرين التحرريين للحقبة المعاصرة يعني أن تكون له القدرة على الفعل في الصيرورة الجماعية وأن يشارك في الحياة السياسية بشكل فعلي ويستكمل ذاتها بصورة تامة وأن يتخلص من الجهل والعزلة ويطرح وسائل كافية للانعتاق من كل تبعية للأغيار. بينما أن يكون المرء حرا بالمعنى السلبي هو أن يكون معرقلا من طرف الأغيار أو بواسطة الأعراف والقوانين وأن يجد نفسه قاصرا عن ممارسة التفكير والتعبير والتنقل والتنظم والتمتع بحياته الخاصة وممتلكاته على النحو المطلوب. بيد أن هذين النوعين من الحرية لا يتنابذان وإنما يشكلان الأسس التي ترتكز عليها المجتمعات الديمقراطية والثقافة التحررية وعلى سبيل الذكر لا الحصر لا يمكن ضمان تمتع المواطنين بحق التصويت وهو الذي يمثل الحرية الايجابية وفي ظل مصادرة حرية التعبير بماهي حرية سلبية. علاوة على ذلك وضع في ميزان الحريات العامة مفهومين هما التصور الليبراليlibérale والتصور الجمهوريrépublicaine وإذا كان التصور الأول يعود إلى كل من توماس هوبز وجيريمي بنتام فإن التصور الثاني يعود إلى كل من لوك وروسو. يركز التقليد الليبرالي اهتمامه على الحريات السلبية مثل حرية الشيم وحرية التعبير وحرية التجارة وحرية القيام بالأعمال ويطالب بألا يعترض طرف مثل القانون الذي تضعه الدولة أو الأخلاق على هذه الحريات وألا يحد منها مادامت تحقق المنفعة حسب بنتام ولا تسبب الأذى لأحد حسب ستوارت مل وكل تدخل من طرق القانون يعتبر انتهاكا للحريات وبلا معنى إلا إذا كان ذلك يحمي حرية الغير. في حين يقدس التقليد الجمهوري الحريات الفردية ويعتبرها هامة ولكنه يمنح القوانين والدولة دورا تأسيسيا للحريات العامة ويطلب من المشرع أن يضمن لكل واحد من المجموعة السياسية ألا يكون مهيمن عليه وخاضعا لأي سلطة وبالتالي أن يتمتع بالحرية بالمعنى الايجابي. ويعول كثيرا على قوة القوانين ونجاعتها وامتلاك قدرة خاصة على الرعاية وإيجاد الآليات التي تضمن مساواة في الوسائل المتاحة أمام المواطنين لنيل المنفعة العامة.لكن هل يؤدي التأليف بين الليبرالي والجمهوري إلى قيام تقليد ثالث يرنو نحو سياسات الحمايةprotection ويفكر في ترشيد العلمانيةlaïcité ؟ 3-حال الحرية في العالم الراهن: "ماهي لحظة الشعور باحترام الذات؟...احترام ذاتي الذي أبحث عنه عن طريق احترام الآخر ليس من طبيعة مختلفة عن الاحترام الذي أبديه نحو الآخر، فإذا كانت الإنسانية هي التي أحترمها في الآخر وفي ذاتي ، فإني أحترم ذاتي كأنت بالنسبة للآخر، أحترم ذاتي كشخص آخر... وأحب نفسي كآخر"4 يحتفل البشر في جميع أنحاء المعمورة باليوم العالمي لحقوق الإنسان ويذكر بهذه القضية في كل مناسبة وحادثة أليمة يتم فيها الاعتداء على كرامة الانسان بالتعنيف أو التحارب ولقد اقترن هذا العيد بالإعلان العالمي 10 ديسمبر 1948 والذي قامت فيه منظمة الأمم المتحدة بتدويل قضية الحريات والحقوق على مختلف الشعوب والجماعات والأفراد خارج منطق التمييز والإقصاء وجدلنة العلاقة بين المحلي والكوني.غير أن واقع الاعتداء على حقوق الإنسان اليوم وتغييب مفاهيم الحريات التي ينبغي أن تتمتع بها كل ذات هو أمر لا يمكن تغييبه ومعطى لا يجب إهماله وتناسيه بما أن الحروب والفتن بين الدول بلغت حدا لا يطاق وأصابت مخلفاتها مقومات الحياة ولم يسلم من أخطارها أحد في الكوكب. ولعل الحرية الإنسانية هي أكبر الأضرار وأشد القيم التي تسير نحو الاختفاء بسبب انتشار نزعات التدمير الممنهج وغزوات دعاة الهمجية وصعود موجات إمبراطورية مضادة تكرس منطق القوة وتستعدي قيم العدل والمساواة والكرامة. في هذا السياق ماهي الشروط التي يجب توفيرها من أجل صيانة منظومة حقوق الإنسان من كل اعتداء؟ وكيف توضع مقولة الحرية على رأس الأولويات التي ينبغي على الهيئات والدول أن تعتني بتوفيرها؟ على ماذا يقوم الفعل الحر؟ هل يستند إلى الباعث الداخلي أم يتجه نحو القصد الخارجي والغاية الكونية؟ هل الحرية هي وضعية أصلية تمثل شرط إمكان أم مشروع ينتظر التحقق والاستكمال في التاريخ؟ بأي معنى تقوم الحرية على التروي و الاختيار والقرار والتصميم والانجاز من طرف الفاعل المسؤول؟ أي دور لإيتيقا أرسطو والذاتية الديكارتية ولتأليف الكانطي والجدلية الهيجلية والبراكسيس السارتري فيها؟ يمكن طرح مسألة الحرية ضمن حقول ثلاثة ينتج كل واحد منها نمط من الخطاب الذي يناسب طريقته في المعالجة والحكم والتقدير: 1- الخطاب المتداول في اللغة العادية: (المفهوم) الكائن الحرlibre هو الرجل الذي تخلص من التبعية والقهر والتسلط ويوجد في وضعية تتناقض مع وضعية العبد. زد على ذلك تشير صفة الحر إلى خصائص بعض من الأفعال البشرية التي تظهر في أبعاد ملحوظة تمتلك القصدية وترتبط ببواعث إرادية وتمتلك أسباب وجود وتصدر عن فاعل مسؤول. بهذا المعنى ينتمي الفعل الحر إلى مقولة من الأفعال تتحرك ضمن حقل دلالي يتكون من عبارات تشكل شبكة من المفاهيم المترابطة هي المشروع والباعث والقرار والقصد والمؤلف المسؤول ومعقولية الوجود. الحرية هي هنا هي القدرة على فعل أمر معين وكذلك القدرة على الامتناع عن القيام به لأسباب معينة. 2-الخطاب الفكري في الأخلاق والسياسة: (القيمة) لم تعد الحرية هاهنا خاصية تميز بعض الأفعال البشرية عن أفعال أخرى معروفة بأنها غير حرة أي اضطرارية بحكم الضرورة ومقيدة بالحاجة أو قهرية أمرية تحت ضغط السلطة وإكراه المنفعة. بهذا المعنى تشير الحرية هنا إلى مهمة ومطلب وقيمة يجب على الكائن البشري أن يتقيد بها وينجزها وينقلها من دنيا الواجب المنشود إلى عالم التحقق الموجود، وبالتالي يركز التفكير في الحرية في التفكير في شروط إمكان تحققها وبلورتها في الحياة الإنسانية وفي التاريخ وضمن المؤسسات والتساؤل عن قيمتها. الخطاب حول الحرية لا يقتصر على وصف الأفعال الحرة بواسطة اللغة العادية وإنما يوقع طريق التحرر نفسه ويشكل ويشتغل ضمن شبكة مختلفة من الأفعال والممارسات في سياق اجتماعي وإطار مؤسساتي. لم يعد الأمر يتعلق بحرية في المفرد وإنما بمنظومة من الحريات في الجمع ضمن سجلات يتداخل فيها الطبيعي والمدني وبين الاجتماعي والثقافي وبين القانوني والسياسي وبين الأخلاقي والاقتصادي. كما تتحرك الحرية الفردية هنا ضمن عدد معين من حقوق الفعل تندرج في أطر مشتركة وهياكل عامة. 1- الخطاب الأساسي في الفلسفة الخالصة: (الوجود) ينبثق الخطاب حول الحرية من السؤال التالي: كيف يجب أن تكون الواقعة متكونة في مجموعها لكي تحوز في داخلها على قيمة معطى معين اسمها الحرية وتحرص على صيانتها من كل اعتداء خارجي؟ هذا السؤال يمكن إعادة صياغتها على النحو التالي: ماهي الواقعة التي تجل من المرء فاعلا أي سيد أفعاله؟ وماهي الواقعة التي تكون ممكنة من أجل القيام بانجاز وإتمام مشروع تحرر سياسي وأخلاقي؟ تتنزل هذه الأسئلة ضمن مستوى أنطولوجي وبعبارة أخرى هي تتساءل عن وجود الحرية والكائن الحر وليس عن مفهومه ولا عن قيمته وبالتالي تقوم بتنزيل مسألة الحرية ضمن حقل من المعطيات الملزمة مثل السببية والحتمية والإمكانية والضرورة والاتفاق والحدوث والوقائعية والإلزام والمسؤولية والاقتناع. من هذا المنطلق إن وضع الحرية ضمن أنماط الوجود يدل على أهمية إظهار الإحداثيات التي تتضمن إشارات مرجعية حول نمط وجود الكائن الحر ضمن نمط من التساؤل ينتمي إلى بعد فلسفي خالص . غير أن الدلالة الأخلاقية للحرية قد ظهرت من ميلاد كلمةlibertas في اللغة اللاتينية والتي كانت تعني قدرة الذات على اتخاذ قرار ولكنها صارت تعني حالة يكون فيها المرء لا يتبع فيه أي سيد وبعد ذلك انطبقت على من لم يكن في السجن ثم ارتبطت بغياب الإكراه الاجتماعي ، على اثر ذلك بدأت تشير الى الوضعية التي يقدر فيها الكائن البشري على القيام بفعل أو الامتناع عنه انسجاما مع القرار الذي اتخذه. لقد تحدث جون لوك على الحرية الفيزيائية وجعلها تدل على قدرة الفاعل على الفعل باتفاق مع ما يريد ودفع كامل التيار التجريبي على غرار هيوم وفولتير وشليك لكي ينتقلوا من فكرة الحرية إلى واقعة الحرية " الحرية ليست فكرة تنتمي إلى المشيئة أو إلى التفضيل الذي يمنحه فكرنا إلى فعل دون أخر، وإنما إلى الشخص الذي يحوز على قدرة على الفعل أو على الامتناع عنه ، حسب ما يحدده فكره " ينبغي أن يتنازل الإنسان عن الحرية الطبيعية التي يتمتع بها المرء في الحالة الأولى وما يقترن ذلك من شعوره بالحق في استعمال قوته الطبيعية من أجل الدفاع عن نفسه والمحافظة على بقائه في سبيل اكتساب حرية مدنية ضمن إطار اجتماعي تقوم فيه السلطة السياسية بدور الراعي لجملة من الحريات القانونية. بعد ذلك يمكن التطرق إلى حرية الشخص التي تتحدد من خلال طريقة ظهوره على صعيد الفعل والتأثير في العالم وعلى الغير ولقد أشار أبيكتات بأن الشخص يكون حرا حينما يحيا مثلما يريد والذي لا نستطيع أن نضعه تحت الضغط والقوة وينمي إراداته بلا قيود وبلا عوائق وتتمكن رغباته من بلوغ أهدافها. لكن يجب عدم اهمال حرية الإرادة وما يقترن بها من اقتدارات على مغالبة الحتمية وقهر الضرورة والانتصار على القدر والانخراط في إيتيقا التحرر باستهداف حرية الغير ضمن البراكسيس الجماعي. لكن ما الفرق بين الحرية بالمعنى السلبي والحرية بالمعني الايجابي؟ وهل تخلتف الحرية في التقليد اللبيرالي عن الحرية في التقليد الجمهوري؟ وهل يساعد العلم والعقلانية التقنية على إحراز الحرية؟ ومتى تعرف منظومة حقوق الإنسان تكريسا للمواطنة العالمية واحتراما للذات البشرية من جهة جملة حرياتها؟ 4- الحرية بين ضرورة القوة والحق في الحقوق "لكي يتحقق الموقف الثوري في الحياة الواقعية علينا أن نعترف بذاتية النضال من أجل التغيير"5 اذا كان العبيد يؤمنون بمن معه القوة ويدافعون بشدة على السلطة القائمة ويرضون بالقليل من المنفعة ويحرصون على الحياة الثكن ويعيشون لحاضرهم ويضعون أنفسهم في خدمة غيرهم ويمثلون وسائل مشاريعهم فإن الأحرار يؤمنون بمن معه الحق ويدافعون عن الضحايا ويغامرون بالحياة من أجل انقاذ غيرهم وتحرير الحياة حيثما هي أسيرة ويبحثون عن القيم الرفيعة ويرسمون أهداف نبيلة لوجودهم ويعتبرون واجب الدفاع عن الحقوق والذود على الأوطان مشروعهم الدائم. بيد أن التمييز بين الحق والواجب معناه القيام بالتفريق بين ماهو مشروع وحقيقي وجائز وماهو مفروض ومعياري وآدابي. فالواجب أكثر اتساعا ويتميز بالإلزام والإكراه والضغط والقسر ويجبر المرء على القيام بفعل معين والامتناع عن القيام بفعل مغاير ويرتبط بانعطاف النفي المضاعف، أما الحق فهو ما ليس ممنوعا وما يمنح المرء رخص وسلطات ومساحات للفعل ويتركه وحيدا في حقل تجربته حاكما على تصرفاته ومسؤولا على سلوكاته داخل حريته وعلى قراره واختياره. يفرض الواجب قوانين أخلاقية تتناقض في بعض الأحيان مع العواطف والميول والرغبات ويظهر بعض الضغوطات على الإرادة والحرية بينما يبرز الحق كمدافع على الحرية ومحامي شرس على الاستقلالية الذاتية وذلك حينما يمنح المرء فرص للتمرد والرفض ولما يتجلى كقدرة مطابقة للقوانين وسلطة أخلاقية تهتدي بنور الضمير ويبرز كاستطاعة تحترم الكرامة الإنسانية. لكن إذا كان الحق هو الاقتدار على ماهو ممكن ماديا ومجاز أخلاقيا ومشروع قانونيا فإنه من الضروري التفريق بين القانون الاجتماعي الذي يتجسد في شكل عادات مقبولة ونصوص مكتوبة والقانون الروحي الذي ينتقش داخل الوعي الفردي ضمن قيم توجيهية وقواعد إرشادية ومثل عليا. بناء على ذلك توجد علاقة تبادلية بين الحق والواجب ويتحول ماهو حق بالنسبة الى الطرف الأول واجب عند الآخر وما يكون واجبا على مجموعة يظهر كحق بالنسبة إلى مجموعة أخرى. يدل هذا التحليل على مشكلات فلسفية كبيرة يطرحها مفهوم الحق مثل علاقته بالواجب والقوة والممكن والواقع ويشمل علاقات الاستطاعة المادية والسلطة الأخلاقية وأخيرا علاقات الحق الطبيعي والحق الوضعي والعرف الاجتماعي والقانون الأخلاقي ويبرز واجب الدفاع عن الحق. لكن كيف يمكن تأويل هذه العلاقة التبادلية بين الحق والواجب؟ ولمن تكون الأسبقية في العادة؟ يمكن الاكتفاء بمفهوم الواجب لوحده ويترتب عن ذلك اختفاء مفهوم الحق دون أسف عليه وذلك إذا ما قام جميع الناس بالالتزام بواجباتهم تجاه بعضهم البعض وبالتالي يضمنون كل الحقوق دون التصريح ها والتكلم عنها بالضرورة ويتجنبون عندئذ السقوط في إرادة الهيمنة وتقوية النفوذ. لقد كان مفهوم الحق ناجعا في مرحلة تاريخية معينة حينما قاوم تحت اسمه الفرد ضد الاضطهاد من أجل العدالة والمساواة والحرية ولكنه تحول الآن الى مفهوم خطير ومصدر ظهور مشاعر الأنانية والملكية واتضحت فيما بعد تداعياته سلبية وتأثيراته على مستقبل العلاقات الانسانية. كما أن المطالبة بالحق تصبح ممارسة بلا معنى وفاقدة للجدوى اذا ما تم تنزيلها ضمن نظام أخلاقي وسياسي تتحدد وتتحقق فيه واجبات جوهرية وتنتج عنه عدالة الضمانات الفردية من هذه التبادلية الكلية للالزامات والمعادل الأخلاقي للحريات والحقوق وتنتفي الأخطار السياسية للحق ويتم احترام القاعدة التالية: كل واحد له وجبات تجاه الكل ولا أحد له الحق في المطالبة بالحق . لكن ألا يؤدي ذلك الى ابتلاع الحق بواسطة الواجب ؟ ألا يجب على الانسان الدفاع عن الحق؟ ينبغي بناء التصور الأخلاقي للمجتمع على قاعدة كل ما ليس ممنوعا فهو مباح وليس ملزما حتى لا تختفي الحريات الفردية والحقوق الأساسية ويتمكن الناس من مطالبة الحكام بحقوقهم والاعتراض على القوانين غير العادلة وغياب المساواة حينما لا يمنحهم الآخرون مستحقاتهم. هكذا يكون من الواجب على الإنسان أن يدافع على حقوقه من أجل حمايتها من كل اعتداء وذلك لأن حق الغير يؤسس واجب الذات تجاهه وواجب الغير تجاه الذات هو الذي يؤسس حقها بالنسبة إليه وهذه العلاقة التبادلية تجعل من مفهوم الحق يشكل مجموعة الشروط الضامنة لاتفاق حرية كل فرد مع بقية الحريات وتخليص الواجب من الإكراه وتنقية الحق من شوائب العنف. لكن ألا يعبر الحق عن القوة؟ أليس لنا الحق إذا ما كانت لنا القدرة ؟ ما الحق الضامن لكل الحقوق؟ 5- الحرية بين القيمة الجزئية والمعيار الكلي " شيمة أي إنسان هي الحرية التامة والتمتع بجميع الحقوق الطبيعية دون قيد أو شرط" جون لوك/ في الحكم المدني يبدو روح التكافل مع المجموعة ضروريا في عصر العولمة لأنه يؤدي الى الإحساس بالآخر والتعاطف مع الانسان والمشاركة في قضايا المجتمع في زمن قلت فيه الأخوة وتراجعت الصداقة وغابت المودة وتقلصت الألفة وساد التنازع وعم التباغض وتفشى العنف والإقصاء والانعزال بالانطواء على الذات. لكن يمكن أن تتحول هذه الروح الجماعية الى دغمائية تسحق الفرد وتمنعه من تطوير قواه وتنمية قدراته والتمتع بحرياته ويمكن كذلك أن تخدم الأنظمة الشمولية وتمرر المشاريع الاختراقية لإمبراطوريات العولمة وتبرر الإيديولوجيات العنصرية المغلقة. ان الطفيليات المزروعة في البدائل الفكرية المهيمنة على الساحة العربية والتي لا تتفق مع طموح الشخص الى التمتع بالحريات الفردية هي التعصب الى الرأي الواحد وإهمال أفكار الآخرين وهي كذلك ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ورفض استعمال العقل وتفويت نعمة الحرية من أجل الفوز ببعض المنافع المادية والخضوع لسلطة التقاليد والاحتكام لقيم الجماعة طلبا للسلامة. إن التخلص من هذه الدوغمائية يتوقف على القيام بنقد جذري للثقافة الكليانية التي تسحق الفرد وتضحي به من أجل الانتصار إلى المجموعة ويقتضي انجاز حوار عقلاني جاد بين مختلف هذه الاتجاهات من أجل انجاز تفاعل تواصلي تنتج عنه تكون كتلة تاريخية يمثل الإيمان بالحريات الفردية حجر الأساس الأول لها، لكن ماذا نعي بالحريات الفردية؟ تتعلق الحريات الفردية بالفكر والتعبير والإعلام والعقيدة والانتماء والتنظيم والفعل والتملك وهي حقوق حيوية لا يجوز مصادرتها أو التحكم فيها أو حرمان الناس من التمتع بها لأن غيابها يؤدي إلى عواقب وخيمة وينتج عنه الضعف والهوان. *حرية التفكير هي شرط أساسي للتعبير عن حق الإنسان في النظر والاعتبار والتفلسف والتأمل في الكون دون وصاية أو تضييق وينتج عنها الإبداع والخلق والتجديد والابتكار ودونها يرزح الفكر في التقليد والتكرار وتظل دار لقمان على حالها. *حرية التعبير تعني القدرة على النقد والمحاسبة وإبداء الرأي واتخاذ موقف وهي تكريس للتعدد في الحكم على الأشياء والاختلاف في تقييم الأفعال والتنوع في زوايا النظر إلى نفس الأمر وإذا غابت حرية التعبير سادت النظرة الضيقة وهيمن الرأي الواحد وانتصرت الدوغمائية أما إذا توفرت فان الثقافة تتطور ودرجة التحضر تزيد. *حرية الإعلام تعني السرعة والشفافية في نقل الأخبار والتزام الصدق والتحري في التعامل مع الوقائع واطلاع الناس على كل ما يحدث مع التثبت من وجاهة المادة واحترام المتلقي والكف عن التلاعب بعقله وإثارة غرائز وذلك بصنع رأي عام ايجابي وتفادي الاعتماد على الإشاعة وعلى الأكاذيب وينصح بتخفيف أشكال الرقابة على وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية وتمكين الناس من ممارسة حقهم في التأليف والنشر والترويج. *حرية العقيدة تعنى ترك أمور الإيمان من مشمولات كل إنسان وعدم التدخل في قناعاته ومعتقداته وترك المجال له واسعا لكي يغير عقيدته ويختار الديانة التي تناسبه دون ضغط أو إكراه ودون تكفير واتهام بالردة والخروج عن الملة لأن الانسان حر في الاعتقاد وحتى في اللااعتقاد. *حرية الانتماء تعني تمتع كل إنسان في الحق الكامل في التجول والسياحة والهجرة وتبديل مقر إقامته وتمكينه من الانتماء إلى أي دولة وتبديل جنسيته إذا ما طلب ذلك دون تضييق أو منع وينصح في التساهل في هذا الحق طالما أن الأرض هي أمنا والوطن الحقيقي لكل إنسان، بل هي الإطار المشترك الذي يتواجد فيه جميع الناس على قدر المساواة فنحن خلقنا منها ونعيش فيها ونعود إليها عند النهاية. *حرية التنظيم تعنى حق كل الإنسان في أن يكون أو يشارك في نشاط أي منظمة مدنية تعتني بالشأن العام سواء كانت حزبا سياسيا مدنيا أو نقابة أو هيئة حقوقية أو جمعية ثقافية أو نادي تربوي ولا ينبغي نهيه عن ذلك ومعاقبته بل حفزه وتشجيعه لأن وجود هذه الهيئات التي تنتمي إلى المجتمع المدني ليس إضعافا لسلطة الدولة وتهديدا لها بل علامة نضج بالنسبة إلى المجتمع السياسي ومصدر قوة للدولة. *حرية التملك وهي مطلب طبيعي نصت عليه الشرائع والقوانين وتعرض إلى الانتهاك من طرف دعاة ملكية الدولة لوسائل الإنتاج باسم المساواة والمقصود هنا إلغاء الملكية الخاصة لحساب الملكية العامة وصودر مرة أخرى ولكن باسم الملكية الخاصة خاصة في ظل التفاوت بين قلة من الأثرياء والأغلبية من المعدمين ونتيجة واقع الاستغلال والحيف من طرف الذين يملكون كل شيء لمن لا يملكون حتى شيئا واحدا، وينصح هنا بتجاوز الخطأين معا وهما عدم الملكية والملكية المفرطة والتشريع لملكية متوازنة ومعقولة وبالتالي فجميع الناس أحرار في ممتلكاتهم بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الاعتداء ومصادرة ممتلكات غيرهم. *حرية الفعل هي أيضا حق إنساني وجودي لأن اعتماد سياسة الباب المقفل في وجه الطبقة الناشئة واللجوء الى أساليب الصد وقمع المواهب وشل القدرات ينتج عنه العزوف واللامبالاة والاستقالة الجماعية وموت الفرد وذوبانه في أشكال التنظيم التقليدية والمتخلفة ولذلك لابد من إتاحة الفرصة للإنسان لكي يفعل وينتج ويمارس حتى يضرب في الأرض وينقح الأفق. هناك العديد من المجالات الأخرى التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان بحرية الاختيار والتي وجدت منذ أقدم العصور وهناك مجالات جديدة وقع استحداثها عن طريق التطور العلمي والتقني والتي تمس الحياة الشخصية للفرد ونذكر منها حياته الشخصية الحميمية وكذلك حقه في التصرف في نفسه جسدا وروحا وقد طرحت الآن مسألة تحويل الجنس والتبرع بالأعضاء والموت الرحيم وحرية الإنسان في الإقبال على هذه الأشياء أو الامتناع عنها وينصح بأن يترك الأمر الى الإنسان نفسه وأن تظل هذه الأمور مجرد قواعد شخصية Maxime وألا تتحول إلى قانون Loi عام يتخذ طابع الإلزام والكلية. من الغريب أن يعمد البعض من نشطاء المجتمع المدني والحقوقيين والمنتمين الى أحزاب ونقابات إلى رفض الحديث عن الحريات الفردية ويصادرون حريات الآخرين في التفكير والتعبير والاعتقاد ولا يقبلون الاختلاف ولا يعترفون بالغيرية وذلك تحت تأثير بعض الإيديولوجيات التي تقدس روح المجموعة وتدنس كل دفاع على الفردانية. فماهو مصير الحرية في ظل سيطرة النزعات الشمولية والاتجاهات التسلطية؟ خاتمة: "يتمثل درس الأنوار إذن في القول بأن التعددية يمكن أن تفضي إلى وحدة جديدة وذلك بثلاث طرق على الأقل: فهي تحث على التسامح ضمن المنافسة، وهي تنمي وتحمي الفكر النقدي الحر ، وهي تساعد على التجرد عن الذات بما يؤدي في مستوى أرقى إلى اندماجها مع الآخر."6 في نهاية المطاف يبدو حصول الناس على الحريات الفردية غير متعارض ولا يهدد الروح الجماعية بل بالعكس تستمد الجماعة قوتها من قدرة الأفراد على الفكر والفعل ومن حسن استغلالهم لحرياتهم. كما أن مطلب الحرية بالمعنى المادي من جهة الملكية والشغل والترفيه لا يستوفي الدرجة الوجودية للانعتاق التام الذي يقترن إشباعه بضمان حق الاختلاف والتعبير عن الرأي وتغيير المعتقد وحرية الضمير وجعل حق المشاركة السياسية وتقلد المناصب العليا للدولة وفق الكفاءة متاحا بالعدل والفعل . غاية المراد أن الحرية قيمة إنسانية مطلقة تمثل أساس التكليف الرباني ومصدر كل تشريع ومنبع معياري لكل الحقوق السياسية والاستحقاقات المدنية ويقتضي احترامها الارتفاع في مستوى الثقافة والخروج بالعقل من سجن الاغتراب إلى يقظة الوعي والارتقاء بالمدينة من وضع الضرورة الطبيعية إلى درجة المدينة الإنسية التي تحتكم إلى إرادة العيش المشترك وتشرعن التعددية والتسامح والعدالة الاجتماعية وتنقل الوعي من مرحلة أنانية اقتصادية إلى مرحلة أخلاقية سياسية ضمن حركة تطهيرية في الفعل من أجل إنضاج البنية الفوقية: " هذا يعني أيضا فعل الانتقال من الموضوعي إلى الذاتي أو من الضرورة الى الحرية. فالبنية التي كانت قوة خارجية تسحق الإنسان وتمثله وتجعله منفعلا وقابلا، تنقلب الى وسيلة للحرية أو الى أداة لخلق صورة سياسية جديدة ، تولد مباردات جديدة."7 بيد أن الإشكاليات التي لا تزال تطرح في الواقع العربي اليوم هي: ماهي وضعية الفرد في هذه المجموعات؟ بل من يقودها ويسير كل جماعة؟ ألا تخضع هذه المجموعات إلى هيمنة عدد قليل من الأفراد؟ ثم ماذا عن دور المبادرات الفردية في تقدم الثقافة وتطور الشعوب؟ ألم تحدث تحولات كبيرة في التاريخ بفضل جهود ثلة صغيرة من المبدعين الأحرار الذين تبنوا الثورة منهجا والتغيير مقصدا؟ فمتى نرى العرب يقدسون الفرد ويبجلونه على الجماعة؟ لماذا تزهق أرواح عدد كبير منهم على مرأى ومسمع الجميع ولا أحد يحرك ساكنا وكأن الذين يموتون ليسوا بشرا؟ أليس ذلك دليلا قاطعا على أننا لا نحترم قيمة الفرد ولا نقدس الإنسان؟ أليس إيمان العرب بقدسية الحريات الفردية هي شرط الإمكان الأول لاحترام قيمة الإنسان ولميلاد الفرد عندنا في حضارة اقرأ؟ الإحالات والهوامش: [1] تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972. ص 199. [2] سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد،دار الجنوب للنشر، صفاقس ، تونس، دون تاريخ، ص396. [3] Revue Sciences humaines, Liberté, Jusqu’ou sommes-nous libres ?, N°275, Novembre, 2015,pp 26-33. [4] Ricœur )Paul( , Liberté, in Encyclopaedia Universalis, corpus 13, France S.A, 1992.pp729-735. [5] باولو فرايري ، تعليم المقهورين ، ترجمة يوسف نور عوض - دار القلم – بيروت ، طبعة أولى .1980 . ص.ص.32-33. [6] تودوروف ( تزفيتان)، روح الأنوار، تعريب حافظ قويعة، دار محمد علي للنشر، صفاقس، تونس، طبعة أولى، 2007.ص138. [7] تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، مرجع مذكور، ص216. المصادر والمراجع: ايزيا برلين، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، دار الساقي،.بيروت، الطبعة الأولى،1996. باولو فرايري ، تعليم المقهورين ، ترجمة يوسف نور عوض - دار القلم - بيروت ، طبعة أولى .1980 سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد،دار الجنوب للنشر، صفاقس ، تونس، دون تاريخ، تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972. تودوروف ( تزفيتان)، روح الأنوار، تعريب حافظ قويعة، دار محمد علي للنشر، صفاقس، تونس، طبعة أولى، 2007. ريكور ( بول)، فلسفة الإرادة ، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البضاء، بيروت، طبعة أولى، 2003، ص187. Ricœur )Paul( , Liberté, in Encyclopaedia Universalis, corpus 13, France S.A, 1992.pp729-735 Revue Sciences humaines, Liberté, Jusqu’ou sommes-nous libres ?, N°275, Novembre, 2015,pp 26-33. كاتب فلسفي




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238484 :: Aujourd'hui : 118 :: En ligne : 3