البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-05-06
طروحات حول فلسفة التاريخ لوالتر بنجامين

yyy

في الثامن من تموز (يوليو) 2001 بعث مراسل «الأوبزرفر» البريطانية من باريس مقالاً اقترح فيه، بعد بحوث ومقابلات إشتغل عليها لزمن، أن المفكر والتر بنجامين قد لا يكون، في حقيقة الأمر، مات انتحاراً كما تقول سيرة حياته المعتمدة، وإنما كان موته قتلاً على يد عملاء أرسلهم ستالين الى تلك المنطقة في الجنوب الغربي الفرنسي حيث عثر على بنجامين قتيلاً في غرفة الفندق الصغير الذي كان يريد الإنطلاق منه لعبور الحدود الى إسبانيا هرباً من سلطات فيشي. طبعاً يومها لم ينظر أحد بعين الجدية الى تلك الفرضية، لكنها في الوقت نفسه أدّت الى إلقاء الضوء على نصّ لبنجامين كان من آخر ما كتب، وعزا إليه المراسل الصحافي الدافع الذي «حدا بستالين الى اتخاذ القرار بالتخلص من المفكر المشاكس» وهو بالتحديد نصّه المعنون «طروحات حول فلسفة التاريخ». فالحال أن ذلك النصّ المؤلف على طريقة «طروحات حول دوهرنغ» من فقرات مرقّمة بلغ عددها عشرين فقرة، أتت بقلم واحد من أكبر فلاسفة الماركسية وألمعهم في ذلك الوقت لتدحض، ومن الداخل «وذلكم هو الخطير في الأمر» الفكر الماركسي في بعض أسسه الجوهرية، وبالتحديد فكرة «المادية التاريخية» التي بنى عليها كارل ماركس - وفردريك إنغلز بالطبع - كل ذلك الصرح الفكري الماركسي الذي قام عليه الفكر الإشتراكي بأسره وساهم فيه ستالين نفسه بكتاب كانت السلطات السوفياتية تطبعه وتوزعه وكأنه كتاب مقدس. > إذاً، يقيناً أن بنجامين كان هنا يتصدى لقدس الأقداس، مفنّداً بلغة مختصرة ومكثفة تستند الى تحليل علمي/فلسفي دقيق، وإلى أمثلة مستقاة مثلاً من لعبة الشطرنج أو من لوحات بول كلي، ومن البيولوجيا كما من حقائق التاريخ، محاججات يصعب مجابهتها فكرياً. أما جوهر الموضوع فكان التاريخانية التي يحاول بنجامين تحطيم مبدئها إذ «لا يتبقى من المادية التاريخية في نهاية الأمر، سوى اسمها مفرّغاً من كل معنى» بحسب الباحث مارك ليلاّ في نصّه «لغز والتر بنجامين». ولنتأمل مثلاً كيف يقول بنجامين في الأطروحة الثامنة عشرة أن «المادية التاريخية تسهى تماماً عن حقيقة العلاقة مع تاريخ الحياة العضوية على الأرض حيث أن الألفيات الخمسين البائسة من عمر الإنسان الواعي (هومو سبيانس) لا تمثل أكثر مما تمثله ثانيتان من ساعات اليوم الأربع والعشرين. بمعنى أن حضارة البشرية كلها لا تشغل سوى خُمس آخر ثانية في آخر ساعة من ذلك اليوم. ومن هنا يحاجج بنجامين ضد الفكرة المتحدثة عن «صورة أزلية للتاريخ» الساعي دوماً، وفق الفكر الماركسي الرسمي، الى الأمام ونحو الانتصار النهائي للثورة الشيوعية، مفضلاً الحديث عن «التاريخ بوصفه تجربة قائمة في ذاتها». وتقول سيرة بنجامين أنه أرسل النص ما إن دبجه الى هانا آرندت التي بعثت به الى ثيودور آدورنو الذي امتنع عن نشره، لينشر لاحقاً فقط بعد موت المفكر في جملة نصوص صدرت في كتيّب على سبيل الذكرى. > يوم كتب بنجامين ذلك النص كان عند الحدود الفرنسية- الإسبانية في العام 1940. في ذلك اليوم كانت جماعة من اللاجئين تحاول الهرب من فرنسا التي كان ألمان هتلر النازيون يحتلون أجزاء كبيرة منها وفي مقدمها العاصمة باريس ويهددون بالزحف لاحتلال بقية المناطق. وبالفعل تمكنت الجماعة يومها من عبور الحدود واصلة الى داخل الأراضي الإسبانية، لكنها هناك اصطدمت برجال الجمارك الإسبان، الذين راح واحد منهم، بين المازح والجاد، يهدد الهاربين بتسليمهم الى الجنود الألمان. لسنا ندري ما الذي فكر فيه سائر أفراد الجماعة أمام ذلك التهديد الذي سيتبين لاحقاً انه كان مجرد مزاح، ولكننا نعرف أن بنجامين وكان واحداً من المجموعة أخذ التهديد على محمل الجد. فآثر أن يضع حداً لحياته، فحقن نفسه بجرعة قوية من مادة المورفين، جرعة كانت كافية لقتله. وفق الحكاية المتداولة. > حينها كان بنجامين واحداً من كبار نقاد الأدب والفن وفلاسفتهما في القرن العشرين. كان ألمانياً ويهودياً - وربما كان هذان العاملان سبب خوفه الكبير - وكان يدعى والتر بنجامين في الثامنة والأربعين من عمره، وكانت الكتب العديدة التي نشرها خلال حياته قد جعلت له شهرة كبيرة لدى الأوساط الأدبية والفكرية في ألمانيا كما في فرنسا. ومهما يكن فإن بنجامين كان يعتبر نفسه ابن تينك الثقافتين معاً، وهو اشتغل على الثقافة الفرنسية خلال سنوات عمره القصير بمقدار ما اشتغل على الثقافة الألمانية. ومن هنا، حين وصل هتلر الى السلطة في ألمانيا كان من الطبيعي لوالتر بنجامين ان يلتجئ الى باريس ليعيش فيها، وهو ما بارحها بعد ذلك بسنوات إلا لأن هتلر وصل اليها. ولئن كان بنجامين قد عرف من قبل المثقفين الألمان منذ 1920 بفضل ترجمته لمجموعة بودلير «اكتئاب في باريس»، فإن شهرته الفكرية قامت أساساً على واحد من أبرز كتبه الذي كان بدوره عن باريس وهو كتابه «باريس عاصمة القرن العشرين»، وهو الذي كان ينتظر صدوره في العاصمة الفرنسية يوم داهمتها القوات النازية. > ولد والتر بنجامين العام 1892 في برلين، إبناً لتاجر عتائق، وهو تلقى دراسته الثانوية في مدرسة خاصة، وحين أعلنت الحرب العالمية الأولى شاء أن يخوضها متطوعاً لكنه سرعان ما سرح، ليتزوج وليتوجه الى سويسرا حين حاز من جامعة بيرن في 1919 دبلوماً عن أطروحة قدمها بعنوان «مفهوم النقد الفني في الرومانطيقية الألمانية». وهو عاد بعد ذلك الى برلين حيث نشر تلك الأطروحة في كتاب، ثم بدأت في ذلك العام نفسه (1920) مصاعبه العائلية والمالية غير أن ذلك لم يمنعه من أن يواصل أعماله الكتابية فاهتم خاصة بكتابات غوته قبل أن ينصرف أواسط سنوات العشرين للاشتغال على واحد من أهم أعماله التاريخية - النقدية وهو كتابه الضخم «جذور الدراما الباروكية الألمانية» الذي كان مصيره الأول أن رُفض من قبل جامعة فرانكفورت، مما أوقع المؤلف في يأس جعله يقرر أن يتجه مذاك للكتابة في الصحف، وكان هذا ما مكّنه من أن يقوم برحلات عديدة في العديد من المدن الأوروبية، وكانت تلك هي الفترة التي ارتبط، خلالها، بصداقة عميقة مع برتولد بريخت واعتنق الشيوعية وصار من المدمنين على زيارة موسكو، حيث كان يكلف بين الحين والآخر بكتابة دراسات حول الأدب الألماني، ومنها دراسة حول أدب غوته نشرت في «الموسوعة السوفياتية». بعد ذلك بفترة سيعبر بنجامين عن خيبة أمله في الستالينية، لكن تلك الخيبة لم تصرفه عن الشيوعية، بل دفعته الى التمييز بين الماركسية والستالينية، على غرار ما راح يفعل أقطاب مدرسة فرانكفورت من أصحاب النظرية النقدية، الذين سرعان ما صار بنجامين واحداً منهم، حيث عين عضواً في «معهد فرانكفورت للعلوم الاجتماعية» الذي كان مركز تلك الحركة التي كان من بين أبرز زعمائها تيودور آدورنو وهوركهايمر وهربرت ماركوزه... > والحقيقة أن انضمام والتر بنجامين الى ذلك التيار الماركسي النقدي كان امراً طبيعياً بالنسبة الى كاتب قامت كل كتاباته على مبدأ التساؤل بالتضاد مع ماركسية ستالينية مبتذلة كانت تنطلق دائماً من منطلقات اليقين. تلك الفترة كانت على أي حال فترة غنية في حياة والتر بنجامين، نشر خلالها العديد من الدراسات، وارتبط بصداقات عميقة، وبدا عليه انه وجد أخيراً طريقه، وهو عبّر عن ذلك، ولكن مع حد أدنى من التفاؤل في مجموعة من مقالات ودراسات نشرت ضمن كتاب حمل اسم «اتجاه وحيد». وكان ذلك الكتاب آخر ما نشر لبنجامين في ألمانيا قبل وصول هتلر ونازييه الى السلطة. بعد ذلك فر بنجامين، مثل غيره من كبار المبدعين الألمان والنمسويين، والتجأ الى فرنسا، حيث تابع نشر أعماله وكتابة دراساته النقدية. وأصدر بعض أفضل أعماله ومنها «العمل الفني في عصر إعادة انتاجه تقنياً» وهو الكتاب الذي لا يزال حتى اليوم يعتبر مرجعاً أساسياً في بحث الصلة بين العمل الفني والعصر الذي يحوّل ذلك العمل الى سلعة يعاد انتاجها تقنياً الى ما لا نهاية. عندما غزا الألمان فرنسا ملحقين بها الهزيمة كان بنجامين يعيش في باريس، فاضطر الى الهرب جنوباً، حين كانت نهايته عند الحدود الاسبانية- الفرنسية «بسبب مزحة»، في وقت كان فيه الخطر قد زال عنه. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/21693217/%C2%AB%D8%B7%D8%B1%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%C2%BB-%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1-%D8%A8%D9%86%D8%AC%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86--%D9%87%D9%84-%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%8F-%D8%B5%D8%A7%D8%AD%D8%A8%D9%8E%D9%87%D8%9F




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238555 :: Aujourd'hui : 189 :: En ligne : 6