البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-03-30
في نقد حضارة الإيروس لدى ماركوز

yyy

“إن مفهوم الانسان المشتق من النظرية الفرويدية، هو فعل الاتهام الأقصى الذي لا يمكن دحضه ضد الحضارة الغربية، وفي الوقت ذاته هو افضل دفاع لصالحها لا يمكن رده” هربرت ماركوز إن السؤال التفجيري الذي يستفتح به ماركوز كتابه الحب والحضارة : هل تعطينا الحضارة بقدر ما تأخذ منا؟ إن سؤالا كهذا يجعلنا نتطرق لماهية الانسان ومن ثم تعطينا النتائج القدرة على الاجابة، ولما كانت ماهية الانسان”حيوانا عاقلا” بات من الضروري أن يكون العقل سيدا على الجسد، وبذلك يكون تاريخ الانطولوجيا الغربية بأسره كما يرى ماركوز وغيره يعلي من شأن اللوغوس(العقل) كقيمة عليا تتنزل على الوجود ومن ثم تلقي القبض عليه بتهمة التمرد واللانظام، لذلك بحث ماركوز في النظرية الفرويدية التي بدورها نفضت هذه المركزية حول العقل وسيادته، ولكنها ظلت وفية لهذا التمركز كقدر محتوم ولم تتمرد كما فعل ماركوز أو اراد لها ذلك. sigmund-freud “إن السعادة ليست قيمة حضارية” فرويد يرى فرويد بان الانسان منذ ولادته، وبعد ان ينفصل من رحم أمه الذي يمثل السكون والطمأنينة يلقى به في عالم الصيرورة والجريان الآبدي، ومن حينها تبدأ معركة الكبت الغرائزية لصالح مبدأ الواقع أو الانا الأعلى الذي بدوره حل مكان مبدأ اللذة، بمعنى ان الكائن مزود بطاقة جنسية يسميها فرويد” الليبيدو” إلا أن هذه الطاقة الليبيدية تصطدم بواقع مرير يفرض قوانينا قسرية تكون بدورها كابتة لكل تحرر لدى هذا الكائن، إن الحضارة لدى فرويد تنشأ من قتل الابناء للاب الذي حرم عليهم كل علاقة جنسية مع فتيات العشيرة وهذه العلاقة هي ما يسميها فرويد: باللذة العليا. إن هذا الضرب الجذري من الحرمان لدى الابناء يولد لديهم شيئا من التمرد ضد الاب الذي بدوره يقصيهم خارج القبيلة، حتى تنشأ رابطة قوية بين الابناء واتفاقية تروم إلى انتزاع السلطة من الاب وقتله حتى يظفروا باللذة العليا، حدث ان قتل الاب وعمت الفوضى في القبيلة وبين الأبناء الذين راحوا يتصارعون من اجل السيادة والسلطة، وبعد مرور الوقت يتفق الاخوة على التراضي بين الاطراف وإعادة النظام كما كان (إنه الحضور الشبحي للأب كما يسميه دريدا) وهنا تبدأ صناعة الاخلاق والدين حسب فرويد، وكل هذا كان نتيجة لعقدة اوديب التي استفزت ضميرا يثوي خطئية أصلية نتيجة قتل الأب، هذه العقدة هي محرك الحضارة الاول كما أنها القامعة من الداخل اي من التكوين الفردي لذات الانسان! من هنا تكون الحضارة قمعية بالضرورة وفقا للنظرية الفرويدية، كونها لا تكون ممكنة إلا في كبت الغرائز الجنسية، وفي تحويل مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، وعليه يأتي اعتماد ماركوز على نظرية فرويد حتى يظفر بهذه النتيجة كنقد جذري لبنية الحضارة وكل مقولات الحداثة الطوباوية. بكلمة كثيفة : شرط الحضارة التضحية بالليبيدو. بذلك تكون الحضارة في بنيتها تقوم على اغتراب الانسان عن ذاته، هي كذلك منذ أن قامت نظريات العقد الاجتماعي من هوبز حتى فرويد، إلا ان هذا الأخير جعل الاغتراب قضية بنيوية في صلب الحضارة ومن تركبيتها الحتمية، ومن هنا نجد ماركوز يصف هذه الحضارة وكيف انها قضت على الليبيدو: “أن زمن العمل الذي يمثل القسم الاعظم من حياة الفرد هو زمن مرهق إذ أن العمل الانسلابي معناه غياب الارتواء ونفي مبدأ اللذة”. هنا يكون الانسان في أوج اغترابه حيث انه يمارس أعمالا لا تنسجم مع تتطلعاته الجسدية ولا حتى السيكولوجية، ويبدو من هذا المقطع المقتبس من كتاب ماركوز أن نقده للحضارة يكون أكثر صرامة مع تطور التكنولوجيا وزيادة الجشع الرأس مالي، الذي حول الكائن إلى دمية مبرمجة لصالح راس المال ولا شيء غير ذلك، ومن جهة اخرى يسقط الانسان في أحبولة العقل الاداتي كنتيجة مقدرة لهذه المجتمعات الحديدية. عودة لماركوز فإن القمع حسب ماركوز يبدأ ذاتيا من خلال مركب اوديب ومن ثم يستحيل إلى ضربا من الاستبداد المؤسساتي. ينتهي ماركوز بعد رحلة طويلة مع العدة الفرودية إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمبدأ اللذة ضدا على مبدأ الواقع الذي يعني سيادة العقل واحكامه,إنها حضارة تقوم على الايروس(الحب) وإشباع كل ما هو حسي, وبذلك يتحقق الارتواء المنشود منذ فجر البشرية لحظة إعدام الأب وشنقه, هي حضارة يكون الانسان فيها مليئا بإرادة الحياة حسب المصطلح النيتشوي. بدل الرضوخ تحت وطأة الزمن وجريانه الثقيل الذي ينهش اجسادنا, إننا بعبارة اخرى اصبحنا برومثيوس من طراز رفيع فلم نعد ذلك الجسد الذي تمزقه النسور إلى الابد بل بات الزمن هو من يخترق اجسادنا على مرأى من اعيننا ونحن نحدق فيه دون حراك, وكأنه حكم علينا بالصمت المؤبد . ولكن هل يعني هذا أن الحضارة الماركوزية ممكنة؟ وهل يفصلنا عن هذه الحضارة اليوتيوبية مسافة زمن فقط؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير؟ وكيف السبيل إلى إعتراض ممنهج ضدا على ماركوز؟ وهل تحرر الليبيدو هو التوقيع الأخير لنهاية التاريخ؟ من أجل الاجابة على هذه الاسئلة سأعتمد على غرار ماركوز على عدة مفاهيمية استمدها من فلسفة شوبنهاور مباشرة حتى اعترض الطريق على اطروحة ماركوز في الحضارة الايروسية, ومن ثم نفي إمكانية حضارة صالحة لهذا الانسان, وتكون النتيجة المرعبة: أن الإنسان ليس أبنا للحضارة! Schopenhauer “كل رغبة تنبع من نقص ما, من عدم الرضى عن الوضع الشخصي. إنها إذن عذاب, طالما أنها لم تتحقق. وليس هناك تحقق للرغبة دائم بل إنه دائما نقطة بداية لرغبة جديدة” شوبنهاور إن الرغبة الفرويدية التي اعتمدها ماركوز في نقده للحضارة الحديثة لهي حاجة سيكولوجية, ومن ثم هي تنتظر الاشباع كحاجة نفسية يرجوها الإنسان غريزيا, وقد تتمثل هذه الحاجة الغريزية عند عجزها عن الارتواء فيما يسميه فرويد التسامي أي عن طريق تصعيد هذه الحاجة إلى ممارسة بنائة ومن ذلك العمل والكد, إلى هنا ندرك بان الرغبة الفرويدية تعطي مساحة ممكنة للإشباع إما بشكل مباشر أو متواري خلف الحجب, ولكن ما يهمني هنا أن نأخذ مفهوم الرغبة والإرادة لدى شوبنهاور الذي أعطاها بعدا انطولوجيا يحدث شرخا داخل المشروع الماركوزي لحضارة الايروس, ولكن كيف ذلك؟ إنه حسب شوبنهاور فالعالم محكوم بالإرادة والإنسان جزء من هذه الإرادة الضخمة التي تسير العالم, فهي تمتاز بأنها مصدر بؤس الانسان كونها لا تعرف نهاية فكل نافذة نحو اشباع هذه الارادة تفتح عدة نوافذ اخرى نحو تتطلعات جديدة, وبذلك يكون الفرد في هذا الوجود اسير لهذه القبضة العمياء التي تدفعه من الخلف كضرب من العبث الكئيب, وبذلك نكون قد عدنا لسؤال الماهية في بداية التدوينة حتى نجيب الان بأن الكائن محكوم بإرادة عمياء لا تعرف الارتواء ابدا, وعليه يكون الكائن متمركز حول مصالحه الشخصية فقط, وهذا ما قاد شوبنهاور ذاته إلى القول بضرورة نفي هذه الإرادة عن طريق التعالي ومن ثم كبح جماحها, إلا أن هكذا حلول لا تبدو قادرة على الصمود أمام محكمة التاريخ البشري حيث الحقيقة الجلية للعيان أن المنطق المسيطر على مجرى التاريخ هو إرادة القوة بتعبير نيتشوي حاد. بذلك يكون الفرق الطفيف(لكنه مدمر) بين اطروحة ماركوز حول ماهية الانسان وشوبنهاور, في كون الاول يجعل من الرغبة بعدا سيكولوجيا ممكن التحقق والإشباع بينما الثاني يجعل من الإرادة قوة عمياء تحكم الوجود وتدفع الانسان على نحو يعجز فيه عن تحقيق رغباته بشكل نهائي, وبعد ذلك هل الإنسان صالح لهذه الحضارة؟ أم أنه أسير لمخيلته الخصبة؟ هل يقف نيتشه في ثيمة هذا الجدل؟ نأمل بأن الإجابة تكون بالنفي, ولكن من يدري. الحب والحضارة- هربرت ماركوز نقد الفلسفة الكانطية- اثر شوبنهاور https://yyphilosopher.wordpress.com/2015/01/05/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%84%D8%AF%D9%89-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D9%88%D8%B2/




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2254132 :: Aujourd'hui : 1309 :: En ligne : 20