البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-02-28
مراجعة: إيريك فروم في الإنسان من أجل ذاته

yyy

الأخلاق فضاء المستقبل
حسام جزماتي
صدر كتاب المحلل النفسي الشهير إريك فروم «الإنسان من أجل ذاته: بحث في سيكولوجية الأخلاق» عام ‏‏1947. ورغم أن ستين عاماً كاملة تفصلنا عن ذلك التاريخ لم تلغ أهمية قراءته، إلا أن مرور كل هذه السنوات لابد ‏وأن يلقي بظلاله على تلقينا له الآن. ومثل معظم مؤلفات فروم الأخرى، ينشغل هذا الكتاب بتحليل وضعية الإنسان ‏‏«الحديث» وما يعانيه من تشوش نفسي وقيمي عميق. إذ أتت هذه الكتب، بين أصوات متعددة لمفكرين وكتاب، ‏لتحاول إعادة الاعتبار إلى الإنسان، مركز عصر الأنوار، بعد أن بدت أولى معالم تخلخل نظرته إلى ذاته، والشك ‏العميق في قيمته ومعنى وجوده، ولاسيما مع الفظاعة المعممة للحرب العالمية الثانية ونظمها الشمولية، التي طرحت ‏بدورها أسئلة متشككة حول مدى عقلانية هذا الإنسان وتجذر قيم النزعة الإنسانية فيه.‏




يدافع فروم في هذا الكتاب عن إمكانية الإيمان والالتزام بنظم أخلاقية، عامة وموضوعية، رغم ‏الضربات الموجعة التي تلقتها هذه الفكرة من قبل جهات وتيارات ثقافية، ليس أولها التحليل النفسي الفرويدي ‏الذي يرى أن أي شيء يمكن أن يصبح محتوى الضمير (الأنا الأعلى) لمجرد أن يصادف أن يكون جزءاً من ‏الأوامر والتحريمات في الموروث الثقافي الذي تلقنه الأسرة، بوصفها «الوكالة النفسية» عن المجتمع. فاتحاً بذلك ‏الباب للنسبوية الأخلاقية التي لم تعد تؤمن بـ «الحقيقة» في هذا المجال، بل بحقائق لا عدد لها، حسب وضعية كل ‏مجتمع ومنظومته الأخلاقية الخاصة، أو وفق منظومات أخلاقية فرعية تتناثر في جزر مجتمعية هنا أو هناك. ‏مما يجعل علم النفس الوحيد الممكن هو نهج المدرسة «السلوكية» القانعة بوصف عدد لا محدود من نماذج ‏السلوك، ولا يتبقى إلا علم إنسان واحد هو ـ في حقيقة الأمر ـ علم اجتماع مقارن. وهنا لا بد أن نتذكر أن فروم ‏مهاجر مشبع بالثقافة الأوربية، كتب معظم مؤلفاته في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أقام بقية حياته، معلقاً ‏على النزعات الثقافية السائدة فيها، ومراقباً تحولات الإنسان من خلال النموذج الأمريكي أساساً.‏
ويقود فروم فكرته عن إمكانية ـ وضرورة ـ الأخلاق في العالم المعاصر، بحذق، عبر سجالات متعددة: ‏مع ما يسميه «فلسفة الأخلاق التسلطية» التي لا ترى مصدراً للقيم إلا من خارج الإنسان، ومع تصورات متباينة ‏للضمير قال بها فلاسفة متعددون، وعبر نظرية للطباع تميز بين تكوينات مختلفة يطلق عليها اسم التوجهات غير ‏الإنتاجية (يميز منها أربعة أنماط أساسية للشخصية: التلقفي ـ الاستغلالي ـ الادخاري ـ التسويقي)، في مقابل ‏التوجه الإنتاجي الذي يدعو إليه وكأنه يرى فيه مستقراً لكل الفضائل. وهنا يبدو ما يمكن أن نصفه بنزعة فروم ‏التبشيرية، فهو يدعونا إلى نمط من الإنسان الحديث، يحدده بمجموعة من الصفات تتواتر على مدار الكتاب (وفي ‏مؤلفاته الأخرى)، وهي النضج والحرية والعفوية والاهتمام والمسؤولية والمعرفة والاحترام والاتزان والحكمة، ‏كما الإبداع والقدرة على الحب والعطاء بمعنى عام... أي، باختصار، إنساناً «أمثل» لا يقل نمذجة عن أية صورة ‏تقدمها أية نظرية أخرى. مما يجعل السمات التي يفترضها فروم للصحة النفسية الكاملة مشابهة للوصف الطبي ‏المدرسي للصحة الجسدية؛ معقمة ونظيفة بشكل يجعل منها نموذجاً معيارياً لا حالة متحققة.‏
وبالنظر إلى اليوم، فقد جرت مياه كثيرة في ستين سنة: استقرت شظايا عديدة من ما بعد الحداثة في ‏عقل وحياة البشر في معظم أنحاء العالم، وانحلت نزعات الانسجام مع الوجود إلى كتب ودورات مبسطة في ‏التطوير الذاتي، واستوطن الإنسان «التشويش» والسرعة والضجيج، مما جعل فروم يبدو مثل جد شرقي ‏بابتسامة ودودة، لا بد من زيارته لوضع العالم في نصاب ما.‏

صدر الكتاب بترجمة محمود منقذ الهاشمي عن وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2007‏






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807307 :: Aujourd'hui : 1710 :: En ligne : 10