البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-02-28
أوهام النمذجة في العقلانية العلمية

yyy

:علي أسعد وطفة
أخطاء العقل:
العقل هو أداة الإنسان في محاكمة الوجود وفهمه وتحليله وإدراكه. أنه يمتلك القدرة على التمييز بين الحلم واليقظة، بين المتخيَّل والحقيقي، بين الذات والموضوع. فالعقل هو الذي يسعى إلى ضبط المحيط والسيطرة على مقتضياته، وهو الذي يستطيع أن يولد طاقة نفسية لمواجهة الوسط والرغبة والمتخيل. وهو الذي يناط به ضبط معادلات الثقافة والوجود ومن ثم عقلنة الظواهر والأشياء التي تحيط بنا. وباختصار فإن العقلانية هي الجدار الذي يمتنع على الوهم ويأنف إمكانية الخطأ.
يعمل العقل على إبداع وإنتاج النظريات المتماسكة وعلى تأصيل السمات المنطقية لبنية هذه النظريات وتحقيق التماسك الداخلي بين جوانبها المختلفة وبين معطياتها النظرية ومعطياتها الخارجية والأمبيريقية. وهذا يتطلب من العقلانية الانفتاح على الاعتراضات التي يمكن أن توجه إليها. وعلى خلاف ذلك فإن امتناع العقلانية على تيارات الجدة والانتقادات يقودها إلى مستنقع الجمود والتصلب ويحيلها إلى عقدية جامدة. ويمكن في هذا السياق الحديث عن العقلانية النقدية التي تمارس دورها في رصد الأخطاء والأوهام التي تتموضع في صلب النظريات والعقائد والأيديولوجيات المختلفة.
ومع أهمية هذه الاحترازات العقلانية ضد التصلب والجمود فإن العقلانية ذاتها ليست في عصمة من الخطأ إذ تحمل في ذاتها إمكانية الخطأ والتوهم. فالعقلانية تأخذ صورتها العقلانية لأنها تمتلك في داخلها نظاما منطقيا متكاملا يقوم على أساس الاستقراء والاستنتاج والتفكيك والتحليل والتركيب، وهذا يعني مجموعة من العمليات الذهنية والعقلية التي يمكنها أيضا أن تتعرض لآليات التوهم والخطأ.
ولكي تكون العقلانية في منأى عن تصورات التوهم والخطأ يترتب عليها أن تكون منفتحة بطبيعتها على الحوار الدائم مع الواقع والحياة والأفكار. وهذا يتضمن أيضا ضرورة التواصل بين اللحظة المنطقية واللحظة الواقعية في حركة دينامية من التبادل الحر الذي يؤدي إلى استبعاد احتمالات الغلط والخطأ وتصويب الروح العقلانية في اتجاهات عقلية آمنة. فالنظرية الحقّة هي هذه التي تأتي نتاجا مستمرا للتواصل الحر والمستمر بين الأفكار والواقع، إنها ثمرة الحوار الدائم الذي يقوم على البرهان بين الأفكار. والعقلانية الحقيقية هي هذه التي تأخذ باعتبارها حدود المنطق وحدود الحتمية وهي هذه التي تؤكد بأن الإنسان لا يمكنه أن يكون علميا على نحو كلي أو مطلق. هذه العقلانية ترى بأن الحقيقية تمتلك أسرار وجودها الخاصة. ومع ذلك كله فإن هذه العقلانية تحاور اللاعقلاني واللامنطقي من منظور روح نقدية عفوية مظفرة.
والعقلانية ليست ملكا لحضارة وحيدة بعينها فهي ليست غربية أو شرقية بالمطلق. لقد اعتقد الغرب ردحا من الزمن بأنه الوحيد الذي يمتلك هذه العقلانية. وكان يعتقد إضافة لذلك أن الحضارات الإنسانية الأخرى لا تمتلك غير الأخطاء والأوهام. وتأسيسا على هذا الوهم عمل الغرب على قياس مستوى تطور الحضارات الأخرى بمقياس التطور التكنولوجي الذي عرفه وحققه في مجال تطوره الحضاري. وعلى خلاف ما يدّعيه الغرب فإن العقلانية كانت من نصيب جميع الحضارات حتى أكثرها قدما وبدائية. فأغلب الحضارات الإنسانية عرفت العقلانية في أساليب إنتاجها وفي أنماط وجودها التي تتعلق بالزراعة وتربية الحيوان والقنص والصيد. وقد تعايشت هذه العقلانية مع سحر الأساطير والأديان والخرافات. وهذه الحقيقية تنسحب اليوم على الحضارة الغربية التي تمتلك في مكنون وجودها على نسق من الأساطير والأديان والسحر ويشمل هذا أسطورة العقل الإنساني المتسامي ودين التقدم. وهذا الاعتراف بوجود الأنماط السحرية والأسطورية في الحضارة الغربية لا يتعارض مع العقلانية بل يتوافق معها إلى حد كبير لأن مجرد الاعتراف بالضعف والحقيقية يجسد حالة عقلانية.
وهنا تتبدى أمام أعيينا أهمية الفعل التربوي في مواجهة هذه الحقيقية حيث يترتب علينا أن نعلن بأن العقلانية نفسها معرضة لخطر التوهم وأن الثقة المطلقة بالعقلانية شكل من أشكال الوهم والغلط والخلط والتوهم. فالعقلانية تواجه خطرا دائما إذا لم تمارس النقد الذاتي لأوضاعها الداخلية. وهذا يعني في نهاية المطاف أن العقلانية ليست مجرد حالة نظرية أو نقدية فحسب بل يجب أن تكون وفي الآن الواحد نقدية ذاتية وذاتية نقدية في ذاتها.
أوهام النماذج الفكرية:
لا يكمن رهان الحقيقة والخطأ في المحاججة الواقعية فحسب بل يسجل هذا الرهان دوره في المناطق الخفية غير المرئية للنماذج الفكرية القائمة. وفي البداية وقبل التوغل في تحليل هذا الرهان، يمكننا تعريف النموذج الفكري بن الحالة التي يتم بموجبها اصطفاء المفاهيم الرئيسة للمعقولية. وهذا يعني أن النموذج الفكري يرمز إلى نظام محدد من التصورات والصور الفكرية. إنها مادة التصورات المادية وروح التصورات الروحية وهي البنية في التصورات البنيوية. إنها المفاهيم الرئيسة المختارة والمصطفاة التي تستبعد جميع المفاهيم المضادة والعارضة لها. وتتمثل درجة النمذجة في مستوى اصطفاء الأفكار التي تتكامل في النموذج أو النظرية. ولا تقف النمذجة هذه عند حدود تنسيق الأفكار بل تتجاوز هذه الحالة إلى حالة أخرى هي حالة اصطفاء العمليات العقلية والمنطقية التي تمارسها والتي تؤكدها بوصفها العمليات الرمزية والأساسية للفعل المعقلن في ذاتها. وغالبا ما تخفي النماذج العمليات المنطقية التي تأخذ طابعا مقدسا وواضحا في مختلق عملياتها. وهذا يعني أن النموذج هو الحالة التي يتم فيها قبول بعض العمليات المنطقية على حساب الأخرى وهو النظام الذي!
يعطي المشروعية لمنطق معين اختاره واصطفاه دون سواه. وفي هذا الاتجاه نفسه فإن النموذج يعطي للنظريات والمقالات صفات الضرورة والمصداقية. ويضاف إلى ذلك كله أنه يؤسس لمسلمات ويعبر من خلالها كأن يؤد على فكرة مثل: أية ظاهرة طبيعية تخضع للحتمية وأن كل ظاهرة إنسانية تتحدد بوصفها متعارضة مع الطبيعة.
وهذا يعني أن النموذج الفكري يصطفي ويختار المفاهيم على منوال العمليات المنطقية وعلى صورة المسلمات والبديهيات التي ينطلق منها ومن ثم فإنه يصنف هذه المفاهيم في فئات أساسية متمايزة في نسق الأهمية ويعمل في النهاية على مراقبة وضبط وظائف هذه المفاهيم ويحدد لها دورها في العملية المعرفية. وعلى هذا الأساس فإن الأفراد يفكرون ويسلكون وفقا لهذه النماذج التي تسجل نفسها في أعماقهم الداخلية.
ومن أجل توضيح هذه القضية يمكن أن نسوق نموذجين فكريين متناقضين لطبيعة العلاقة بين الإنسان والطبيعة. يتضمن النموذج الأول للعلاقة بين الإنسان والطبيعة أن الإنسان يوجد في الطبيعة وأن أي خطاب يجب أن يعترف بان الإنسان كائن طبيعي وأنه يمتلك طبيعته الخاصة. أما النموذج الثاني فيفترض وجود تناقض بين مفهومي الطبيعة والإنسان، ويفترض هذا النموذج أن الإنسان ينطوي على خصوصية غير طبيعية، وهذا يعني أن هذا النموذج يضع الإنسان في تعارض مع الطبيعة.
ومع الأسف فإن النماذج الفكرية تلعب دورا جوهريا في مختلف النظريات والعقائد والأيديولوجيات السائدة في الحياة الفكرية المعاصرة. وغالبا ما تكون هذه النماذج متخفية متلبسة في صيغ لاشعورية وهي من مواقع التخفي هذا تحاصر الكر النقدي وترصده وتدفعه في اتجاهات محددة. وهذا يشكل واحدا من أهم مصادر الأوهام والأخطاء في المعرفة الإنسانية.
وباختصار يمكن القول بأن النماذج تقيم علاقات أولية وتعمل على بناء بديهيات ومسلمات محددة تستطيع بدورها هي أيضا أن توجه التفكير وتحدد مسار النظريات والأيديولوجيات.
ويمكن لنا في هذا السياق التأمل في النموذج الفكري الغربي الذي يعود إلى المفكر الفرنسي ديكارت Descart والذي فرض نفسه على تاريخ التفكير المنهجي منذالقرن السابع عشر حتى اليوم. وهذا النموذج يفصل بين الذات العارفة والموضوع. وعلى أساس هذا الفصل بين الذات والموضوع الذي تجلّيه الفلسفة الديكارتية تنبع منظومة من التقابل بين مجموعة من المفاهيم المركزية التي تعتمد المبدأ الديكارتي في الانفصال مثل:
الذات الموضوع objet Sujet
النفس الجسد Corps Ame
الروح المادة Matière esprit
الكم النوع Qualité Quantité
غائية سببية Causalité Finalité
الإحساس العقل Raison Sentiment
الحرية الحتمية Déterminisme Liberté
وجود جوهر Essence Existence

النموذج الديكارتي كما هو مبين في الجدول السابق يحدد المفاهيم الأساسية للتفكير ويحدد طبيعة العلاقة المنطقية بين هذه المفاهيم. وهذا التقابل الذي يطرحه ديكارت لا يمكنه أن يكون - على الرغم من أهميته العلمية – عين الحقيقة أو يكون ضامنا لها في هذه الصيغة التي يطرحها كما يرى بعض المفكرين. فالنموذج الديكارتي يحدد لنا نظرة ثنائية إلى الكون والوجود العالم. فهناك عالم مادي يخضع للملاحظة والتجربة والمعالجة، وهناك عالم آخر ذاتي ومعنوي يتمثل في مشاكل الوجود والاتصال والوعي.
وباختصار هذا النموذج يوضح الحقائق ولكن يمكنه أيضا أن يدفعنا إلى الغموض فهو يكشف ويخفي في آن واحد، وهنا في داخل هذا النموذج الديكارتي يمكن أن نجد مشكلات فكرية مغلقة قد تشكل منبعا للخطأ الذهني والعقلي.
فحتميات العقائد تستند إلى حتميات النماذج وتحديدات الأنماط التفسيرية المعتمدة. وحين تسود هذه العقائد في مجتمع ما فإنها تفرض نفسها على مختلف الأفراد الذي يخضعون لها. وعندما تهيمن العقائد والأيديولوجيات في مجتمع ما فإنها تفرض على الأفراد حضور قوى مطلقة ملزمة تحمل معتنقيها على الإيمان بها والتصرف بموجبها. وهذه القوى تستند بالضرورة إلى نماذج اعتقادية مثل العقائد والأيديولوجيات الرسمية أو المعتقدات السائدة أو النماذج المعرفية أو الأفكار التي يتمثلها الأفراد دون اختبار.
وجميع هذه النموذجيان المعرفية، أو المعتقدات النموذجية، تعمل على اعتقال المعرفة وسجنها داخل نماذج قطعية نهائية مغلقة. وهذه النماذج في الغالب تفرض على معتنقيها حالة تطبيع أو نمذجة تعمل على استبعاد كل ما يخالف منطق هذه النماذج وتحديداتها الأولية.
فالتاريخ يشكل منذ انطلاقته الأولى مسرحا للأساطير التي تحركها الآلهة والقوى الروحية ز وقد سجلت هذه الأساطير حضورها في العقل البشري عقائد راسخة دفعت البشر إلى الحروب والموت والقتال. ومثل هذه الحالة لا نجدها عند الكائنات غير الإنسانية أبدا إذ لا توجد حروب تلهبها المعتقدات وتوقدها الأساطير.
فالأساطير تعيش في داخلنا ونحن نعيش في مجالها. وقد تبلورت هذه الأساطير وأخذت صورة حقائق لا تقبل الجدل في خيالنا وفي عقولنا. إنها تصنع مشاعرنا وتولد فينا مشاعر وأحاسيس الحب والكراهية. وليس غريبا اليوم أن نجد من يقتل ويُقتل من أجل الأفكار والله والعقائد. ومع أننا في الألفية الثالثة فإن حالنا لا يختلف كثيرا عن حال الإغريق القدماء لأن شياطين الفكر وأبالسة العقائد تهيمن على التفكير وعلى المشاعر وتجعلنا في حالة غفوة عما يحيط بنا. وهي في الوقت نفسه تعطينا انطباعا وهميا بأننا أسياد المعرفة وكهانها.
والمؤسسات العقائدية والإعلامية تقوم اليوم بتدجين الأفراد على الأساطير وتغذيهم بالأفكار والمعتقدات التي تروضهم على قيم الخضوع والامتثال. ومع ذلك كله فإنه يمكن للأفراد أن يعملوا على بناء عقولهم وتصميم أفكارهم بدرجة أكبر من الموضوعية وخارج دائرة الأوهام والأساطير. وتبقى محاولة الأفراد للخروج من دائرة النماذج والحتميات الفكرية التي تستعبدهم أمرا محتملا وقائما. وهذا يمر عبر عملية معقدة تتجاوز حدود اللحظة الثلاثية التي تتمثل في الأفراد والعقائد والوسط الاجتماعي الذي يحيط بهم.
ومع أهمية محاولة الانطلاق فإنه لا يمكن بناء نموذج فكري مثالي يعصم البشر عن الخطأ ويحول الأفكار إلى أشياء. فالأفكار وجدت قبل الإنسان ومن أجله، ولكن الإنسان نفسه يوجد من أجل الأفكار وبها. ونحن لا نستطيع أن نستفيد من هذه الأفكار مل لم نعنى بها ونرعاها. وإذا كان يتوجب علينا أن نتحرر من هيمنتها فإن ذلك يكون بالحوار والجدل والتبادل والتناقد في دورة مستمرة لا تعرف حدود التوقف والانقطاع.
إذ لا يجب أبدا أن نفسح المجال لأية نظرية أو فكرة كي تتحول إلى أداة أو طاقة تفرض نفسها تسلطيا على وجودنا بإيحاءاتها وانطباعاتها. بل يجب أن نجعل منها طاقة تساعدنا في تجاوز ما هو سائد وفي اختراق الهيمنة الأيديولوجية وإسقاط النماذج الفكرية القائمة نحو رؤى فكرية أكثر حرية وانطلاقا. فالنظرية يمكنها أن توجه الأفكار والاستراتيجيات المعرفية. وهذا يعني أنه يمكن أن نستفيد من مختلف الأنماط الفكرية القائمة وأن نغذي طاقة المعرفة لدينا من مختلف الاتجاهات الفكرية بعيدا عن مبدأ الخضوع والانقياد.
فالعقلانية هي نتاج حوار دائم بين الفكرة والواقع، ويجب علينا في هذا السياق أن نعترف بالصعوبة المنهجية التي يواجهها الفكر في ضبط الأساطير المتخفيّة والسيطرة عليها تحت عنوان العلم والعقل، وذلك لأن العقبة الأساسية قائمة في داخل أداة التفكير نفسها وهي تتمثل في طبيعة الممانعة الذاتية والعفوية التي تتأصل في منظومات المنطق والمعتقدات التي نؤمن بها.
الأساطير والأيديولوجيات تدمر الحقائق، ومع ذلك فإن الأفكار نفسها هي التي تتيح لنا إدراك الواقع بسلبياته كما تتيح لنا إدراك الأفكار بمخاطرها في آن واحد. وهذا يعني وجود صراع متأجج بين الأفكار ذاتها وبين الإنسان والأفكار عينها. وبالتالي فإن وقود هذا الصراع يكون في الأفكار عينها التي تمثل حطب المعرفة الذي يبعث فيها الدفء والعطاء الفكري.
التربية على مبدأ الشك المعرفي:
تدهشنا المفاجاءات وتقض مضاجعنا وذلك لأننا نعيش حالة أمن عالية مع نظرياتنا وأفكارنا. ومع ذلك فإنه لا يمكننا في الغالب أن نتوقع حدوث الجديد الذي لا يتوقف عطاؤه. ومع ذلك فإنه لمن الضرورة بمكان في هذا العصر أن نتوقع اللامتوقع عينه.
فمصادر الخطأ والتوهم كما ألمحنا متعددة وموجود باستمرار في كل أنواع المعرفة. ومن هنا يتوجب على التربية أن تحدد إمكانيات حدوث الانحراف والخطأ ومصادرة هذه الاحتمالات والإمكانيات قدر المستطاع. وهذا يعني أن إدراك مصادر الخطأ والتعريف بها يشكل اليوم أوكسجين كل معرفة وعلم أو معرفة علمية. وفي كل الأحوال فإن المعرفة تبقى مغامرة يتوجب على التربية أن تقدما كزاد ضروري للأفراد.
إن معرفة المعرفة التي تعني تكاملا نقديا في المعرفة ذاتها يجب أن تأخذ صورة ضرورة حيوية للتربية وفي التربية، ويجب أن تكون مبدأً حيويا دائما ومستمرا في كل عملية تربوية. وهذه التربية يمكنها أن تؤسس لثقافة تتسم بطابع الانفتاح والحوار وتبادل الأفكار.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن بناء إمكانية التساؤل والحوار حول موضوع المعرفة ذاته أمر يجب أن يحظى باهتمام المربين والقائمين على العملية التربوية. فعملية البحث عن الحقيقية يجب ألا تنفصل عن مبادئ النقد والحوار والتبادل والانفتاح. وهذا يعني أنه يتوجب علينا أن نمارس فعلنا النقدي في اتجاهين: يتمثل الاتجاه الأول في مجال نقد الأفكار التي نمتلك عيها، أما الآخر فيتمثل في الأفكار التي تمتلك علينا، وذلك من أجل الوصول إلى خصوبة معرفة علمية حقّة تنتزع نفسها بعيدا عن الوهن المعرفي.
على العقل أن يحذر منتوجه العقلي وذلك مع الإيمان بأهمية هذا المنتوج وضرورته لحياتنا الفكرية. فنحن في حاجة دائمة إلى اليقظة وإلى عملية ضبط دائمة تمكننا من تجنب التطرف الفكري وتحمينا من الوقع فريسة أوهامنا الفكرية والعقائدية. إننا بحاجة إلى الحوار والحوار المستمر والتواصل الممكن بين مختلف المكونات النفسية والعقلية لوجودنا وتفكيرنا وذلك من أجل ضبط الخطأ والوهن العقلي.
ما نحتاج إليه اليوم يتمثل في ضرورة تحديث نظرياتنا وأفكارنا والانتقال بها إلى حالة حضارية. وهذا يعني الانتقال بها إلى أجيال جديدة من النظريات المفتوحة العقلية والنقدية التي يمكنها أن تعيد تشكيل ذاتها في صورة أفضل. وهذا يعني في النهاية أنه يتوجب علينا أن نعمل على بلورة وتأصيل نموذج ذهني يسمح لنا بمعرفة معقدة ومركبة.
وختاما يمكن القول بأن إمكانية الخطأ متعددة ومستمرة، منها ما يصدر من الخارج، ومنها ما ينبع من الداخل، ومنها ما يأتي من المجتمع أو من الثقافة، ومنها ما يأتي من أعماق النفس الإنسانية، ولكن بعضها يصدر عن العقل نفسه وأدوات المعرفة ذاتها أيضا. وهنا يتوجب على التربية أن تكون في مستوى المسؤولية وأن تضمن للأفراد إمكانية واسعة في التعرف على مصادر الخطأ وفي تكوين مهارات التصويب التي تتمثل في النقد والحوار والتأمل والانفتاح وتلك هي مهارات ضرورية لعالم يحدق به خطر داهم يتمثل في اندفاعات التوهم والخطأ.






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809646 :: Aujourd'hui : 1251 :: En ligne : 5