البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-01-04
من أين تنهل السياسة المدنية جذورها؟

yyy

عام 1642 وجد المفكر الإنكليزي توماس هوبز نفسه يسافر منفياً إلى فرنسا، إذ لم يكن في وسعه أكثر من ذلك، أن يتحمل الأخطار الشخصية التي كان قد بدأ يتعرض لها نتيجة غلبة البرلمان على الملك تشارلز الأول. فهو كان مناصراً للملك، وتحديداً ضمن إطار مفاهيمه الفلسفية واختياراته السياسية. وفي ذلك الحين كان هوبز قد بدأ يعدّ أوراقه وأفكاره لكتابة مؤلفه الكبير «ليفياثان» الذي لن يصدر على أية حال إلا بعد سنوات طويلة. ومن هنا، إذ وجد نفسه في باريس وعلى احتكاك بأوساطها الثقافية والفكرية، ولا سيما مع التأثيرات الضخمة التي كانت لأفكار ديكارت في ذلك الحين - حتى وإن كان لن يلتقي صاحب «خطاب الطريقة» إلا في البلاد الواطئة حيث كان هذا الأخير قد التجأ هرباً من السلطات الفرنسية الدينية، وحتى أيضاً وإن كان لقاؤهما المنتظر منذ زمن، انتهى بخلاف فكري بينهما ظلّ قائماً حتى نهاية حياتيهما -، إذ وجد هوبز نفسه في العاصمة الفرنسية يدوّن مجموعة أفكاره التي شاء منها أن تكون تحضيراً للمؤلف الكبير الموعود، وكانت النتيجة تلك الثلاثية الضخمة التي نشرها المفكر تباعاً، ولكن ليس بالترتيب الذي كان يتوخاه. فالواقع أنه أصدر الجزء المعنون «في المواطن» أو «في أسس السياسة» قبل الجزءين الآخرين «في الجسد» و «في الطبيعة الإنسانية» علماً أن هذين الأخيرين كان يفترض أن يسبقا «في المواطن» لأنهما يمهدان له فكرياً و»يصعب فهمه على القارئ إن لم يُقرآ قبله» باعتراف هوبز لاحقاً حين تحدث عن عمله الثلاثي هذا. > مهما يكن من أمر، من المؤكد أن هوبز، لو كتب «ليفياثان» وأصدره قبل «الثلاثية» لما احتاج الى إصدارها، لأن «ليفياثان» يستعيد ويطور كل الأفكار التي جاءت في «مبادئ فلسفية» - وهو العنوان الإجمالي الذي اتخذته «الثلاثية» في نهاية الأمر. ومع هذا تبقى لجزء «في المواطن» مكانته المستقلة، إلى درجة أنه إذا ما كانت قد جرت العادة في تاريخ الفكر، على إدراج «ليفياثان» في سياق الأعمال الفلسفية الكبرى، فإن كتاب «في المواطن» يعامُل بوصفه عملاً في الفكر السياسي، كما يفعل مثلاً ليو شتراوس في موسوعته الكبرى حول تاريخ هذا الفكر. > فالحقيقة أن «في المواطن» كتاب سياسي من أوله إلى آخره. حتى وإن كان يعالج مروحة واسعة جداً من الأفكار والقضايا. فنحن نجده، مثلاً، يتحدث عن الخير والشر، وعن جذور الواجبات الأخلاقية، وعن المسؤوليات السياسية والمدنية للملك، كما عن إلزامية إخضاع السلطات الكنسية للسلطة المدنية - وهو ما يتجاوز بالطبع مسألة فصل الدين عن الدولة -، ويرى هوبز هنا أن هذه الإلزامية إنما هي الشرط الأساس لترسيخ الأمن داخل الدولة التي سيعتبرها في كتابه الكبير اللاحق «ليفياثان» العصب الرئيسي والضامن الوحيد لكل اجتماع بين البشر. وتنطلق هذه الأطروحة لدى هوبز أصلاً من فكرة الحق الطبيعي التي ولّفها منذ زمن بعيد من خلال قراءته المعمقة للفكر السياسي لدى كل من أفلاطون وأرسطو. غير أنه، حتى وإن كان في ذلك الحين، غير مطلع على أفكار شيشرون والرواقيين في هذا المجال، لم يكن ليعزو إلى هذا المفهوم لديه، نفس المعنى الذي كان يحمله في تقاليد الفكر السياسي المستقى تحديداً من أرسطو وصولاً إلى الفكر المسيحي كما صاغه القديس أوغسطين والتومائيون. فهو كان يرفض فكرة إدماج الحق الطبيعي في المنظومة الكونية. بالنسبة إليه، الحق طبيعي فقط لأنه يندرج في منظومة الأشياء الكونية التي أرادها الله. لكنه، مقابل المرجعية الكونية اللاهوتية، يعود إلى مرجعية إنسانية - أنتروبولوجية -. فالحق بالنسبة إلى هوبز، ليس سوى سلطة تتحدر من الطبيعة البشرية التي كان هوبز منذ كتاباته الفلسفية الأولى، قد حدد تلازمها الميكانيكي مع الطبيعة الكونية... وبالتالي مع الطبيعة نفسها. > على هذا الأساس الفكري إذاً، بنى هوبز فكرانية كتاب «في المواطن» الذي قسّمه إلى أجزاء عدة جعل لأولها عنواناً فرعياً هو «الحرية» فيما عنون الثاني «الإمبراطورية» والثالث «الدين». ولعل البعد الأساسي في أنتروبولوجية طرح هوبز يتبدى بخاصة في القسم الأول حيث نراه يدرس تباعاً «حالة البشر خارج المجتمع المدني» - وهنا بخاصة في شكل يعيد إلى أذهاننا، إنما من موقع أيديولوجي آخر، العديد من الأفكار التي عبّر عنها ابن خلدون، على الأقل في الفصول الأولى من «المقدمة». ثم ينتقل إلى دراسة «قانون الطبيعة في ما يتعلق بالعقود الاجتماعية»، ونلحظ هنا أفكاراً ثاقبة لا شك في أن جان جاك روسو كان مطلعاً عليها حين كتب «العقد الاجتماعي»... وإثر ذلك يتوقف المؤلف عند ما يسميه «حول قوانين أخرى للطبيعة» وتعدادها بالنسبة إليه يربو على ثلاثة وثلاثين قانوناً يدرسها في تفاصيلها، قبل أن ينتقل في فقرات تالية إلى التأكيد على أن قانون الطبيعة لا يمكنه أن يكون شيئاً آخر سوى القانون الإلهي، و «هو ما تؤكده الكتابات المقدسة» في شكل عام، ولا سيما في ما يتعلق بالقانون الطبيعي/الإلهي الأساسي الذي فحواه السعي الدائم إلى تحقيق السلام. > أما في القسم الثاني والذي يتناول قضية الإمبراطورية، فإن هوبز يغوص بنا في الكيفية التي تتكون بها المجتمعات المدنية ومنتقلاً من ثم إلى دراسة الحق الذي يميز فيه بين حق الجماعة وحق الفرد الذي يمارس سلطة سيادية في المجتمع المدني. وهذا ما ينتقل به إلى الإسهاب في الشرح حول أنماط الحكم الثلاثة: الديموقراطي والأرستقراطي والملكي، ومن هنا إلى دراسة حق السادة على عبيدهم وبالتالي حق الآباء والأمهات على أطفالهم... وصولاً إلى ما يعتبره المملكة الأبوية. وهنا بعد أن يقارن هوبز بين أنواع الحكومات الثلاثة وفضائل ومساوئ كل نوع منها، يورد مقاطع من الكتب المقدسة يرى فيها تأييداً لمواقفه وأقواله. ثم يتوقف عند «الأسباب الداخلية التي قد يأتي منها التمزق الذي يصيب المجتمع المدني»، وعلى سبيل التحسب من حدوث مثل هذا الشرخ يتحدث هوبز عن «الواجبات الملقاة على كاهل أولئك الذين يمارسون السلطة». > ويخصص هوبز القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب، كما أشرنا، للدين، ولكن منظوراً إليه من وجهة نظر القانون المدني والحياة الاجتماعية للمواطنين لا من وجهة نظر الحياة الروحية حتى وإن كان لا يفوته أن يمر على هذه الأخيرة ولكن ليس لكي يجعل منها أساس طرحه. فهو يبدأ بالحديث عن هيمنة الله على الطبيعة بكل ما فيها، لكنه سرعان ما ينتقل إلى الحديث عن ملكوت الله إنما بواسطة الميثاق القديم ومن ثم بعد ذلك بواسطة الميثاق الجديد، ليختم هذا القسم بالتوقف عند ما يعتبره «الأمور التي لا بد منها للدخول إلى ملكوت الله». ومع هذا يبدو واضحاً أن الأهمية تعطى هنا لمفهوم الطاعة الضرورية لبناء الدولة: فهي تستبق كل شيء حيث من الواضح هنا أن هوبز يتقدّم خطوات عن السياق الذي كان ماكيافيللي قد توصل إليه في مجال ربط عجلة الدولة وازدهارها بما يقدمه لها المواطنون من طاعة. ولعل التجديد الأساسي الذي يضيفه هوبز على ماكيافيللي يكمن في التأكيد على أنه لئن كان واقع الدولة إنسانياً وزمنياً كما يقول صاحب «الأمير» مستنداً إلى أرسطو، فإن هذا الواقع، في رأي هوبز عقلاني كذلك. وبالتالي فإن «في المواطن» يتميز بخاصة بالمعنى الخاص الذي يسبغه على المفهوم التعاقدي للدولة: وذلك لأنه إذا كان من ناحية يلغي توتاليتارية التصور الطبيعي للدولة، فإنه من ناحية أخرى ينادي بتوتاليتارية لا تقل عن تلك أرستقراطية وترتكز على سلطة ملك لا ينهل قوته من الكنيسة بل من العناية الإلهية مباشرة. > ولد توماس هوبز في وستبورت بإنكلترا في العام 1588، ليرحل العام 1679 في كافنديش بعد حياة متأرجحة اتسمت بفترات عطاء أساسية وبمغامرات سياسية وبسنوات نفي. لكنه في سياق ذلك كله بقي مفكراً عقلانياً من طراز نادر ووضع بعض أهم المؤلفات في الفلسفة والسياسة وعلى رأسها طبعاً كتابه العمدة «ليفياثان» الذي نشره العام 1651 ليختم مؤلفاته الفكرية الكبيرة بكتابه الأخير «بهيموث» (1670) الذي لن يصدر إلا بعد رحيله. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/19378064/%C2%AB%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%C2%BB-%D9%84%D9%87%D9%88%D8%A8%D8%B2--%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D9%86%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%9F




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020322 :: Aujourd'hui : 709 :: En ligne : 14