البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2017-01-02
التعليم من أجل البطالة... والتشغيل رغم أنف التعليم

yyy

في البدء كان الشعار «علموهم من أجل مجابهة البطالة» ثم تحول إلى «يعانون البطالة لأنهم متعلمون». هؤلاء الباكون على حائط «تعبت وتعلمت وأهلي أنفقوا على الدروس الخصوصية كل ما يملكون وتخرجت من الجامعة ومعي شهادة عليا ولا أجد عملاً» تقدر أعدادهم بالملايين. أرقام البطالة الرسمية (بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) تشير إلى نحو 12 في المئة نسبة البطالة في مصر، فيما ترتفع النسبة بين الشباب إلى 30 في المئة. أمارات البطالة واضحة في القاهرة، حيث الشوارع والمقاهي متخمة على مدار ساعات النهار – أي ساعات العمل- بملايين الشباب «المتعلم». «التعليم» المتحول من عامل للتشغيل والتحسين وصعود السلم الاجتماعي والاقتصادي إلى عامل للإحباط وانتظار فرج لا يأتي ولا يلوح في الأفق، يجد نفسه هذه الآونة في خانة الاتهام. منظمة العمل الدولية تشير إلى أن نسبة البطالة في مصر تزيد كلما زادت درجة التعليم التي يحظي بها الفرد. وبحسب مسح أجرته في مصر في عام 2012، فإن نسبة البطالة الأكبر (34 في المئة) من نصيب الشباب من خريجي الجامعات مقارنة بنسبة 2،4 في المئة فقط بين أقرانهم في الفئة العمرية ذاتها من الحاصلين على التعليم الابتدائي أو ما دونه! ومن دون أدني مبالغة، فإن أسس التعليم الجامعي في مصر والتي بدأت في منتصف خمسينات القرن الماضي وازدهرت في ستيناته، والتي اعتمدت على مبدأ التعليم للجميع بالمجان كأداة من أدوات العدالة الاجتماعية، فتحت الباب على مصراعيه أمام الإصابة بأمراض الشيخوخة والترهل والتحلل واعتماد مبدأ تخريج الملايين بغض النظر عن الحاجة لتخصصاتهم، أو التدقيق في مقدار الجودة في تعليمهم، أو إعادة النظر في تسيير المناهج لتواكب العصر. وظل الهدف المسيطر على أدمغة ملايين من الملتحقين بالجامعات هو «الوظيفة الميري» باعتبارها الملجأ والملاذ والضمان للحصول على دخل ثابت شهرياً، إضافة إلى ساعات عمل محدودة تحولت على مر السنوات إلى دقائق عمل ثم تكليف زميل بإمضاء كشوف الحضور والانصراف وتكبيل العمل الحكومي وإثقال كاهل الدولة بموازنة هائلة لتسديد رواتب جيوش هائلة من العاطلين فعلياً/ الموظفين نظرياً. ونظرياً، تحول الشباب المصري بأفكاره التقدمية الواقعية من «الميري» إلى القطاع الخاص أو الأعمال الحرة. لكن واقعياً يظل هناك الملايين من المتعلقين بتلابيب «الميري» للأسباب ذاتها حيث دخل ثابت ولو قليل ونقطة انطلاق للعمل على سيارة أجرة أو مباشرة المحل التجاري الذي يستأجره أو حتى الجلوس في المقهى. البطالة «الميري» المقنعة تحولت إلى قنبلة متفجرة خلال سنوات ما بعد ثورة يناير، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والضغط الاقتصادي على موازنة الدولة التي لن تستطيع استيعاب المزيد من خريجي الجامعات الباحثين عن الوظيفة الآمنة في كهف الحكومة. من جهة أخرى، تستمر سياسة التعليم في مصر في استيعاب الملايين من الطلاب في الجامعات الرسمية وهي على يقين تام بأن نوعية التعليم المقدمة لا تؤهلهم لسوق عمل، ولا تصقلهم بقدرات تتيح لهم الانخراط في مجال الأعمال الحرة تحت بند المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر، ولا تصارحهم بأن التعليم الجامعي لم يعد في جانب كبير منه أشبه بالجسد المريض فقط، بل أصبح عنصراً مكبلاً للتشغيل، حيث الخريج الشاب ما زال متعلقاً بصورة العمل المكتبي اللائق بشهادته على رغم اندثار العمل المكتبي من الأصل تحت وطأة إغراق السوق بملايين من أنصاف المتعلمين غير المؤهلين لسوق العمل وغير القابلين للحقيقة المرة. الحقيقة المرة هي أنه كلما حاول أحدهم التطرق لنزيف الطاقة والجهد والمال الذي حول التعليم الجامعي إلى واجهة اجتماعية لا تسمن أو تغني من جوع مع استمرار التدهور وعدم التحديث، محاولاً طرح فكرة تحويل دفة الاهتمام إلى التعليم الفني، أو تقليص الأعداد الغفيرة الملتحقة بالجامعات، أو فرض رسوم على التعليم الجامعي لمنع استمرار انهياره مع التدقيق في نوعية التعليم المقدم وجودته، تصرخ الأصوات الثورية وتهلل الحناجر النظرية بأن التعليم كالماء والهواء. وبينما يظل هذا النوع من الماء والهواء مسبباً لقدر بالغ من الضرر لمصر، يشير زميل معهد بروكينغز وجامعة قطر الدكتور عادل عبدالغفار في دراسة عنوانها «متعلمون لكن عاطلون: التحدي الذي يواجه الشباب المصري» والصادرة هذا العام، أنه منذ ثورة يناير 2011 ومعدلات التشغيل الرسمي تتقلص ومعدلات التشغيل غير الرسمي تتضخم. وقد أدى هذا إلى ضياع ما قيمته 300 بليون جنيه مصري على الدولة في صورة ضرائب دخل كان يمكن جنيها في حال تم تقنين هذه السوق غير الرسمية، بالإضافة إلى عدم وجود أية ضمانات اجتماعية (مثل تأمين صحي ومعاش وتعويضات وغيرها) للعاملين في هذا القطاع غير الرسمي وغالبيتهم المطلقة من الشباب. الشباب من العاملين في هذا القطاع يتراوحون بين خريجي الجامعات والمعاهد والحاصلين على قدر من التعليم المدرسي. ويسود بينهم ميل واضح إلى عدم تقنين أوضاعهم حيث يسود إيمان عميق بأن التقنين لا يعني سوى تحصيل ضرائب مع عدم الحصول على أية مميزات أو خدمات. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن قطاع العمل غير الرسمي أصبح القطاع الرسمي شعبياً. 42 في المئة من عمال المياومة الحاصلين على تعليم ثانوي على الأقل يعملون في هذه السوق. وتقدر قيمة سوق العمل هذه بين 1،2 إلى 1،5 تريليون جنيه مصري، أي نحو ثلثي القطاع الاقتصادي الرسمي. نقطة ضوء تبزغ هذه الأيام مع توجه واضح في مصر نحو دعم وتشجيع وتوجيه قطاع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الموجهة إلى الشباب على رغم أنف التعليم الهيكلي. وزارة التجارة والصناعة اعتمدت استراتيجية لتعزيز التنمية الصناعية والتجارة الخارجية عبر دعم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي وعدد من مؤسسات التمويل الدولية. كما أطلقت مبادرة «مصنعك بتراخيصه» في خطوة غير مسبوقة قد تحقق نقلة نوعية لملايين من الشباب المصري حال تطبيقها فعلياً. وزارة التعاون الدولي تنسق مع البنك الدولي من أجل توفير تمويل قدره 500 مليون دولار لتوفير فرص عمل للشباب عبر المشروعات الصغيرة وإقامة مناطق صناعية لا سيما في المحافظات الأكثر احتياجاً. مركز «بداية لريادة الأعمال» التابع للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة يحقق نجاحات سريعة وملحوظة في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة والموجهة لمساعدة رواد الأعمال والشباب أملاً في أن تكون مشروعاتهم محركاً رئيسياً للتنمية الاقتصادية في مصر. ولم يتبق سوى إحداث زلزال في مجال التعليم ما بعد المدرسي، والخروج من عباءة التعليم «المتدني» للجميع، والعلاج من فوبيا التعليم والتدريب والعمل الفني، والنظر إلى المستقبل بعين شابة والانتهاء من اعتبار التعليم الجامعي خطوة للحصول على ورقة تؤدي إلى وظيفة «ميري» متهالكة أو إقامة في المقهى لحين الإصابة باكتئاب وإحباط أو يوفر وظيفة مكتبية هامشية لتعليق الشهادة الورقية على جدار. http://www.alhayat.com/Articles/19378079/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9----%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%BA%D9%8A%D9%84-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A3%D9%86%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1924883 :: Aujourd'hui : 738 :: En ligne : 8