البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-12-27
مدينة فاضلة على الطريقة العربية

yyy

الدين والعلم والمال» لفرح أنطون «هذا الكتاب (...) موضوعه معروف من عنوانه، وقد سميناه هنا «رواية» على سبيل التساهل، لأنه عبارة عن بحث فلسفي اجتماعي في علائق المال والعلم والدين، وهو ما يسمونه في أوروبا بالمسألة الاجتماعية، وهي عندهم في المنزلة الأولى من الأهمية لأن مدنيتهم متوقفة عليها. وربما قيل أن هذا الموضوع غير لاصق بنا كل اللصوق، لأن المسألة الاجتماعية لا تزال صغيرة عندنا، فالجواب أن هذه المسائل هي مدخل للمباحث التالية في الكتب التالية»... بهذه الكلمات قدّم فرح أنطون في صيف العام 1903 لواحدة من أولى الروايات التي كتبها وتحمل عنوان «الدين والعلم والمال» أو «المدن الثلاث» ممهداً لها بعبارة: فليحذر العالم من يوم يصير فيه الضعفاء أقوياء والأقوياء ضعفاء. والحقيقة أن أنطون لم يكن بعيداً من الواقع حين نفى عن روايته صفتها الأدبية ليقرّ أنه إنما أراد منها أن تكون بحثاً اجتماعياً، وأن كتابتها كرواية إنما استهدفت أن تُقرأ بسهولة ويسر من الجمهور. وذلك لأن ذلك اللبناني الذي هاجر إلى مصر قبل ذلك ليؤسس مجلة «الجامعة» كان مناضلاً فكرياً أكثر منه أديباً. > تدور «الدين العلم المال» من حول الشاب حليم الذي سمع بقيام ثلاث مدن نموذجية في مكان ما من العالم، فقصدها بصحبة صديقه صادق، مستطلعاً. هناك وجد الرفيقان نفسيهما في قرية تعتبر مدخلاً لذلك المشروع المثالي. ورُويت لهما لدى وصولهما، حكاية المدن التي فحواها أنه كان ثمة شيخ ثري استأجر السهل قبل زمن ليسكن فيه مجموعة من شبان تعلموا فنون الصناعة والزراعة محوّلين المكان إلى جنة عامرة تشبه المدن الفاضلة. فاهتم بعضهم بالتجارة والبعض الآخر بالعلم فيما اهتم البعض الثالث بالدين. لكن الخلاف ما لبث أن دبّ بين الفئات الثلاث. فقر رأيهم بدلاً من التقاتل في ما بينهم، على أن يحولوا مدينتهم إلى ثلاث مدن تختصّ كل واحدة منها بفريق منهم يعيش فيها على هواه. وبالتالي ها هم يعيشون اليوم في جوار حسن كل منهم منصرفاً إلى ما يحب ممارسته. ويدخل حليم وصاحبه إلى المدن تباعاً كي يختبرا الحياة فيها عن قرب فيرونها مزدهرة. غير أن اجتماعاً بين أعيان وحكماء المدن الثلاثة كان يجدر به أن يسوي أموراً عالقة، سرعان ما يتحول عراكاً يستغله عدد من العمال المتطرفين لتنتشر فوضى تعم المكان تتواكب مع عواصف عاتية لم تلبث أن تقضي على المدن الثلاث بعدما يكون حليم وصاحبه قد هربا ووقفا على مرتفع من أرض يراقبان ما يحدث. وهناك في المكان وفي وقت كان الدمار قد بدأ يعمّ كل شيء، تنضم إليهما خمس نساء يصلن متنكرات بثياب فرسان، من بينهن واحدة كان حليم التقاها في إحدى تلك المدن وهام بها. وهكذا يتم الاتفاق على أن يتزوج حليم من فتاته ويفعل مثله صادق مع رفيقة لها اختارها، وكذلك على تزويج الباقيات من رفاق لحليم آخرين، على أن يعود الجميع إلى المدن فيبنونها على أسس سليمة وعلمية وإنسانية هذه المرة! جاعلين العدل والإنصاف والمساواة والأخلاق شعارهم الأساسي. > واضح هنا أن فرح أنطون شاء من خلال هذه «الرواية»، أن يقدم درساً سياسياً اجتماعياً ينطلق فيه من نفس تلك الأفكار العلمية التي تطالعنا في نصّ آخر من نصوصه حيث يكتب: «... ولكن، فلنبحث الآن، بعد مرور القرون الطوال وانتصار العلم والفلسفة في هذا العصر، هل قام العلم بكل الوظيفة التي انتدبه العقل البشري لها؟ هل قدر إلى اليوم على استئصال كل الشقاء والرذيلة من الأرض، وإصلاح شأن البشر فيها إصلاحاً تاماً؟ هل استطاع إرواء ظمأ الإنسان إلى ما وراء هذه الطبيعة التي هي عظيمة، ولكنها واأسفاه مادية جامدة؟ وبعبارة واحدة نقول: هل حل العلم محل الدين حلولاً نهائياً بعد تلك الحرب العقلية الكبرى التي دارت رحاها في أوروبا بين أمم مختلفة وفلسفات مختلفة؟» > هذه العبارات التي يختتم بها فرح أنطون كتابه عن «فلسفة ابن رشد» ربما كانت قادرة، بصيغتها التساؤلية، على تفسير فكر هذا الكاتب النهضوي، بأفضل مما تفعل كل الدراسات التي كتبت عنه. فهو يتبدى لنا هنا متسائلاً بلا يقين، أكثر مما يتبدى لنا واثقاً مما يقول، وإن كانت صيغة تساؤلاته تكشف عن اختياراته الحاسمة، هو الذي كان يرى أن بالإمكان حلّ النزاع - المفترض وجوده - بين العلم والدين، عبر تحديد الحقل الخاص بكل منهما انطلاقاً من مبدأ يقول بوجود قوتين مستقلتين عن بعضهما هما العقل والقلب، وينادي بالتالي، في مجال تطبيق هذا المبدأ، بفصل الدين عن الدولة تيمناً بما فعلته الثورة الفرنسية التي كانت تشكل بالنسبة إليه مرجعاً فكرياً أساسياً وحاسماً. > بهذا المعنى، ربما كان فرح أنطون، واحداً من أوائل المفكرين العرب الذين استشعروا باكراً «مخاطر المزج بين ملكوت الإيمان، وملكوت تذبذبات الحياة اليومية والعمل السياسي المباشر»، وكان هذا ما جره إلى تلك المعارك الطويلة التي خاضها ضد الإمام محمد عبده، ولكن خصوصاً ضد محمد رشيد رضا، حيث كان التعارض الأساسي يقوم بين فكر عبده ورضا الذي ينادي بقيام وحدة سياسية إسلامية شاملة، وفكر فرح أنطون المنادي بقيام «دولة علمانية» ضمن الإطار العثماني تندمج فيها كل الأديان والطوائف في بوتقة وطنية شاملة. ولربما كان بإمكاننا أن نلخص ذلك التعارض بأنه إنما قام في نظر أصحابه بين نزعة قومية وطنية ونزعة دينية. وكان فرح أنطون واحداً من أبرز الممثلين المبكرين لذلك التيار القومي العلماني، حتى أن كانت نزعته تستند إلى خليط لا يستقيم تماماً من أفكار تولستوي وأرنست رينان وكارل ماركس وجان - جاك روسو وبرنارد شو. > باختصار، كان فرح أنطون انتقائياً في نزعته الفكرية، لو نظرنا إليه انطلاقاً من منظور علمي - فكري صارم، ولكن لو نظرنا إليه بمقاييس زمنه (نهايات القرن الفائت وبدايات هذا القرن) لأدركنا أنه كان يعبر عن القلق الفكري العربي الذي كان يسود يوم بات يتعين على الفكر العربي أن يعثر على طريقه في زمن بدا فيه واضحاً أن تبدلات العالم السياسية والفكرية تحتّم على الفكر العربي أن يعثر على طرقه المستقلة، بعد أن كان قد عاش طويلاً في كنف الدولة العثمانية. وفي هذا الإطار كان تأثير أرنست رينان على فرح أنطون كبيراً. فهذا الأخير، الذي كان قد ولد في 1874 في طرابلس، لينتقل في 1897 إلى مصر، التي كانت في ذلك الحين مأوى كل أحرار الفكر العربي، أسّس منذ وصوله إليها مجلة «الجامعة» ثم تولى رئاسة تحرير «صدى الأهرام» عدة أشهر، قبل أن يصاب ببعض اليأس ويرحل إلى أميركا في 1907، معتقداً أنه سيكون بإمكانه أن يواصل معركته التحررية فيها. > فرح أنطون هذا أدرك منذ ذلك الحين أن المعركة لا يمكنها أن تخاض إلا ميدانياً، وأن الأساسي فيها هو بعث فكر عقلاني يستند إلى التراث الفكري العربي الإسلامي نفسه، ومن هنا كان اهتمامه الخاص بابن رشد، الذي كرس له كتاباً أثار في حينه جدلاً كبيراً. مهما يكن، فإن كل ما كتبه فرح أنطون كان يثير جدالاً، وسط مناخ فكري عابق بالتساؤلات وبشتى الاتجاهات. والحال أنه في كتابته عن ابن رشد، لم يكن ليتوخى وضع سيرة للرجل أو تحليل فلسفته، بقدر ما كان يتوخى استدراج فكر ابن رشد للتدخل في السجالات الميدانية الراهنة. > وكان هذا دأب فرح أنطون في كل ما كتبه، من روايات ومسرحيات (حيث كان رائداً حقيقياً في هذين الفنين، على رغم الميل السائد لإغفال دوره فيهما) ونصوص سياسية وفلسفية. والواقع أن فرح أنطون خاض حتى وفاته في 1922 شتى أنواع الكتابة، بدءاً بالصحافة التي كانت مهنته الأساسية ووسيلته الأولى لتوضيح أفكاره التقدمية، وصولاً إلى الفلسفة التي سخّر كتاباته فيها من أجل محاولة بعث فكر عربي تنويري حديث. في كل هذا كان فرح أنطون رائداً كبيراً، ومساجلاً خصباً، وموسوعياً، ندر أمثاله في تاريخ فكرنا العربي الحديث. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/19234038/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%C2%BB-%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AD-%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86%C2%BB--%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%81%D8%A7%D8%B6%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1925412 :: Aujourd'hui : 1270 :: En ligne : 5