البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-12-17
الارتقاء بأخلاق المهنة

yyy

«الأدوار الاجتماعية المختلفة بما فيها الأدوار المهنية تحكمها مبادئ أخلاقية تختلف عن المبادئ الأخلاقية العادية بل حتى تتعارض معها» [1] الانتقال من الإتيقا إلى الإتيقات كان نتيجة حتمية للتطور العلمي والتكنولوجي الحالي وللتقسيم المنهجي والصناعي للعمل، وكان أيضا بسبب استحالة إخضاع كل دوائر النشاط البشري إلى منظومة قيمية واحدة وصفت عادة بكونها صورية وكلية وعامة وتميزت بالصرامة والواجبية والقانونية. من هذا المنطلق ظهرت اتيقات جديدة تحاول قدر الإمكان مسايرة التغيرات ومراعاة الظرفية والخصوصية وتواكب أشكال الحياة الصغرى التي يعيشها الإنسان دون نظرة أكسيولوجية فوقية وبعيدا عن التعسف المعياري ونذكر من بينها أخلاق الحياة في الطب وأخلاق البيئة في أمور المحيط والأرض وأخلاق المهنة بالنسبة إلى النشاطات المهنية التي يقوم بها الناس. هذا التكوثر الإتيقي عبر عنه بول ريكور بقوله:"فليس من باب الصدفة إن كنا نعين من خلال اللفظ اتيقا شيئا مثيلا بالميتا-أخلاق، أي تفكير من مستوى ثان في المعايير، ومن جهة أخرى إجراءات عملية تستدعي وضع عبارة اتيقا في صيغة المتعدد وإرفاق العبارة بنعت مثل حديثنا عن الإتيقا الطبية والإتيقا الحقوقية واتيقا الأعمال."[2] لقد وجدت أخلاق المهنة نفسها منذ انبثاقها مطالبة بالرد على تحديين كبيرين هما: 1- تعريف الواجبات الأخلاقية بحسب الدور الذي يشغله الإنسان في الحياة النشطة. 2- مسألة تعددية الخيرات والقيم الناتجة عن كل نشاط وبروز تعارض فيما بينها. فهل يؤدي القول بتعددية الميادين إلى تطبيق مبادئ أخلاقية مختلفة أم أن هناك اعتبارات أخلاقية ذات أولوية وفريدة يجب تحقيقها مهما تباعدت المجالات؟ والحق أنه توجد مبادئ كونية مثل العدالة والمساواة والنزاهة والإخلاص والوفاء والحق والخير الأسمى والجمال في ذاته ولكن هذه القيم تختلف بحسب المجالات التي تطبق فيها وتضعف علاقات الأشخاص بها وتقوى حسب الرغبة التي يبدونها في تحصيل ذلك. من هذا المنطلق نصل إلى القاعدة التالية: وجود أدوار مهنية مختلفة ووجود اعتبارات اجتماعية مختلفة يقتضي إيجاد معايير للسلوك مختلفة. وبالتالي فإن أخلاق الأطباء ليست هي أخلاق القضاة ولا تشبه أخلاق المحامين أخلاق المربين ويوجد فرق بين أخلاق التجار وأخلاق رجال الأعمال وربما لا يجوز لنا أن تقيس أخلاق الفنانين والكتاب وفق الأخلاق السائدة لدى العامة. لكن هذا لا يعني وجود نقاط مشتركة بين هذه الإتيقات المهنية وتناغم وظيفي سواء في الإسهام الايجابي أو في التأثير السلبي. ما نلاحظه في ميدان الشغل هو عدم وجود هذه الإتيقات المهنية في مستوى المعاملات والضمائر وحتى إن وجدت على المستوى التشريع القانوني فإن معظم المهنيين لا يلتزمون بها ولا يحترمونها وتقودهم نوع من الانتفاعية غير المبررة والسلوك الأناني المتناقل من الواحد إلى الآخر عبر العدوى التفسيدية. لقد عبر مسكويه عن ذلك بقوله:" وأسباب المضرات كلها تتفنن الى أربع أنواع: أجدها الشهوة والرداءة التابعة لها. والثاني الشر والجور التابع له، والثالث الخطأ ويتبعه الحزن والرابع الشقاء."[3] إن ميدان المهنة هو مجال التنافس غير النزيه والصراع للبحث عن الربح والمنفعة الشخصية ولو بتخليف الضحية والتناقض مع الأخلاق العادية وان العلاقات بين المهنيين والمسيرين يسودها النزاع والتوتر وتغلب عليها بعض السلوكيات السوداوية من نوع التملق والرياء والوشاية والتوسط والمخاتلة. كيف نفسر موقف طبيب يكلف مريضه ما طاقة له من المعالجة في سبيل تحقيق أقصى حد من الربح؟ وما تفسير تحويل المربي المتعلمين إلى حقل استثمار مادي عوض أن يستثمرهم معرفيا ويزرع فيهم قيم التربية والابتكار؟ وماذا نقول عن محام يعلم أن موكله مدان ولكنه يبذل أقصى ما عنده لكي يثبت براءته؟ وكيف نفسر عدم تضامن المهنيين من نفس القطاع مع زميل لهم تعرض لمشكلة معينة؟ ألا يعني ذلك أن الجماعة المهنية لا تحكمها منظومة اتيقية تكون بمثابة العروة الوثقى التي تشد العناصر لبعضعها البعض؟ إن لب المشكلة عند ريكور يكمن في علاقة الفاعل بالمعايير وفي الوجه الذاتي من الإحساس بالواجب وليس في الحرص على ضبط حد مرجعي قار يعين مبادئ المباح والمحظور. إن الحاجة إلى بناء أخلاق المهنة والالتزام بها هي حاجة أكيدة من أجل صون كرامة العامل والمحافظة على إنسانية الإنسان ومن أجل الكف عن الثلب والتشهير والتطاول على حقوق الآخرين وان المجال الإعلامي والصحفي هو أكثر هذه الميادين المهنية هشاشة ويتطلب معايير إتيقية صلبة تنظم الساحة التواصلية حتى يتخلص القطاع من الدخلاء والمتسللين. فمتى تعود قيمة الزمالة المهنية إلى وضعها الأخلاقي المرموق؟ ومتى يحترم كل رجل مهنة التراتيب القانونية والأخلاقية التي يجب عليه أن يتبعها؟ وما السبيل إلى رفع التناقض بين أخلاق المهنة ومبدأي الكونية وعدم الانحياز؟ وألا نجد في قواعد أبيقراط الطبية خير معين لنا لكي نستشرف نظيرات لها في كل مهنة؟ المراجع: بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، بيت الحكمة، قرطاج، 2003 مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق،تنقيح حسن تميم، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، طبعة ثانية،. مونيك كانتو– سبيربير وروفين أدجيان، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008. [1] مونيك كانتو– سبيربير وروفين أدجيان، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008. ص.102. [2] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، بيت الحكمة، قرطاج، 2003. ص.344. [3] مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق،تنقيح حسن تميم، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، طبعة ثانية،. ص.113.




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2101675 :: Aujourd'hui : 561 :: En ligne : 4