البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-08-30
الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة

yyy

اولاً: في معنى التحليل هناك شبه اتفاق بين الباحثين ان معنى التحليل هو “فك كل ما هو مركب الى اجزائه وعناصره البسيطة عن تلك المركبة”. وهو بذلك يقابل التركيب او التوليف. في المجال الفلسفي لا بد لنا من التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسية للتحليل: 1-اتجاه يحاول تحليل المفاهيم والافكار عن طريق تطبيقاتها الجزئية لمعرفة المبدأ الكامن ورائها، وهذا هو الاتجاه الديالكتيكي كما بدا عند سقراط. 2-اتجاه يحلل المعرفة الانسانية ويردها الى مجموعة من البسائط والعناصر الاولية، كما عند لوك (الفكر صفحة بيضاء) وديكارت (المعارف الفطرية). 3- اتجاه قام بتحليل العبارات التي تصب فيها المعرفة (فلاسفة كمبردج-مور-رسل-فتجنشتين-الوضعيون المنطقيون بالاضافة الى مدرسة اوكسفورد). اما اندره لالاند في موسوعته الشهيرة فيعتبر ان التحليل يدل على الطرق المنطقية(حكم-استقراء-قياس..) وهو يواجه التركيب الذي يعني لديه الديالكتيك. ويعتبر لالاند ان كنط هو اول من استخدم كلمة تحليلي في احكامه. اما بالنسبة الى فلاسفة اللغة الكبار (مور-رسل وفتجنشتين) فقد اعتبر هؤلاء ان الطريق الى حل الكثير من المشكلات الفلسفية التقليدية يقوم عبر تحليل العبارات اللغوية للفلاسفة تحليلاً دقيقًا، والنقص في هذا التحليل قد ادى برأيهم الى وجود مشاكل وعقبات امام الفلسفة. لذلك فقد قامت الحركة التحليلية بطرح فهم جديد للفلسفة يقوم على ان الفلسفة لم تعد تعنى باكتشاف المعارف والحقائق الجديد بل اصبحت تقوم على تحليل المعارف بغية ايضاحها وتحديد الزائف من الصحيح فيها،وهذا اعتراف بالدور الخطير الذي تلعبه اللغة في الفلسفة، حيث ان حل المشكلات الفلسفية لا يمر الا عبر فحص منطق التعبيرات العادية التي تستعمل في المناقشات الفلسفية، لتنتقل الفلسفة على يد فلاسفة التحليل من مجال الموضوعات والاشياء الى مجال الالفاظ والمعاني والعبارات الفلسفية والعلمية حتى. فالسؤال الرئيسي لم يعد “ماذا اعرف؟” بل اصبح “ما هذا الذي اعرفه؟”. من هنا اُطلق على فلاسفة التحليل اللغوي لقب “فلاسفة الفلاسفة”. ثانيًا: التحليل واللغة جورج مور : فيلسوف الحس المشترك يعتبر جورج مور امام الفلسفة التحليلية واول من فتح الطريق امام التحليل اللغوي المعاصر،وترجع اهمية فلسفته الى المنهج الذي اتبعه. ويقوم هذا المنهج على تحليل المعارف التي نملكها والاسئلة التي نطرحها. ويرى مور ان الفلاسفة قد وقعوا في عقبات كثيرة لعدم تمعنهم في الاسئلة التي طرحوها وارادوا الاجابة عليها. بالنسبة لتحليل المفاهيم او التصورات، يقوم تحليل مور على التقسيم والتمييز وايجاد تكافوء منطقي بين ما يراد تحليله والتحليل، لذلك يقسم مور موضوع التحليل الى تصورات جزئية تؤلفه ويقوم التمييز على حصر الحالات التي تدل على هذا الموضوع والتحول الى عنصر مشترك يجمع كل الحالات. وبعد ذلك يحاول مور ايجاد تكافوء منطقي بين موضوع التحليل (التصور) والتصورات الجزئية التي تؤلفه او الحالات التي تدل عليه. يطلق على مور فيلسوف الحس المشترك او اللغة العادية، فماذا يعني هذا اللقب؟ وما هو الحس المشترك؟ وما علاقته باللغة العادية؟ الحس المشترك او الادراك الفطري هو معتقدات وآراء الرجل العادي في مختلف مجالات حياته. ويعتقد مور ان هذه المعتقدات واضحة وصادقة ويخطىء الفلاسفة اذا لم يقبلوها، ويصل هذا الرأي بمور الى حد انه يقيس المذاهب الفلسفية بحسب قربها او بعدها عن هذا الحس المشترك. وهنا يبدو لمور ان الحس المشترك اصبح بمثابة بديهيات ومواقف طبيعية صحيحة ومنها تنبع التساؤلات المنطقية. ولأن الحس المشترك يقدم نفسه بواسطة اللغة العادية، فان هذه اللغة هي الصادقة والامثل للفلسفة، وبها يستطيع الفلاسفة التعبير عن افكارهم، وبذلك يصل مور الى ضرورة اخضاع النصوص الفلسفية لتحليل لغوي لتبيان مدى حياد لغة الفلسفة عن اللغة العادية. هذا ويعتبر مور ايضًا ان اختلاف المذهب الفلسفي مع الاستعمال العادي للغة يجعله “مضلـِلاً”، واختلافه مع الحس المشترك يجعله خاطئًا، وبالتالي اذا جاءت لغة الفيلسوف منسجمة مع اللغة العادية يتم التعبير عن نظرياته تعبيرًا صحيحًا. ومن خلال وقوفه الى جانب معتقدات “الحس المشترك”، تبدو نزعة مور واقعية وهو يهاجم الآراء المثالية، حتى انه ذهب الى القول بوجود قضايا تجريبية صادقة يقينية دومًا. لا بد في النهاية من ذكر الملاحظات التالية حول منهج مور التحليلي: 1-يعارض مور بمنهجه الآراء المثالية بآراء مستمدة من الحس المشترك. 2-يعتبر ان تحليل اللغة والافكار غايتها الوضوح وازالة اللبس والغموض.ويقوم التحليل لا بزيادة معارفنا بل بايضاحها. 3-سُمِيَ مور بفيلسوف الفلاسفة بسبب تناوله لمشكلات الفلسفة عن طريق تحليله لنظريات الفلاسفة. ثالثًا: موقف رسل من اللغة رغم ان رسل اكمل ثورة مور التحليلية ولكنه يختلف عنه في عدة نقاط: 1-نقطة البداية: كانت نقطة البداية عند مور التعارض بين معتقدات الحس المشترك والفلسفة المثالية، بالاضافة الى التعارض بين اللغة العادية ولغة الفلاسفة. اما رسل فقد اعتبر ان الفلسفة علمية بالدرجة الاولى وبالتالي ميدان نشاط الفلسفة هو العلوم، حيث على الفلسفة حل المعضلات التي يتوصل العلم الى حلها بعد، فهي تلعب “دور فاتح الطريق امام العلم”، لتصبح نقطة البداية عند رسل التعارض بين العلم المعاصر والفلسفة التأملية. 2-الموقف من اللغة: هاجم رسل اللغة العادية لانها غير قادرة على التعبير بدقة عن النظريات العلمية، فهي مليئة بالاخطاء والملابسات، وهذا ما دفعه الى البحث عن لغة علمية دقيقة وجديدة سماها “اللغة المثالية” (وقد شاركه هذا الامل فتجنشتين) فلجأ في سبيل ذلك الى المنطق. 3-دور المنطق الرمزي: لم يهتم مور بالمنطق الرمزي على عكس رسل الذي استعان به دومًا فكان تحليله ذا طابع منطقي. ما الذي يجمع فلاسفة اللغة التحليليين؟ 1-يعتبر هؤلاء ان الفلسفة في المقام الاول هي تحليل. 2-يركز هؤلاء على دور اللغة في وجود المشكلات الفلسفية. 3-يقف فلاسفة اللغة التحليليون موقفًا معارضًا وناقدًا للميتافيزيقيا. 4-ترمي معظم تحليلات هؤلاء الفلاسفة الى الدقة والوضوح. التحليل المنطقي في “الرسالة” 1. تحليل العالم بدأ فتجنشتين رسالته لا بتحليل اللغة بل بتحليل العالم لان العالم منطقيًا اسبق من اللغة التي هي رسم وتصوير لوقائع العالم وصدق قضايا اللغة يتوقف على وجود وقائع العالم. اولاً: ماذ يعني فتجنشتين بـ”العالم”؟ رغم الصعوبة التي تعتري “رسالة” فتجنشتين من حيث المصطلحات المستعملة ومعانيها، فاننا نستطيع القول ان العالم بالنسبة لفيلسوفنا يعني العالم الواقعي وايضًا ما يطلق عليه اسم “الوجود الخارجي”. ويعني هذا المصطلح “وجود وعدم وجود الوقائع الذرية”، اي ان العالم يغدو بذلك “وجود وعدم وجود الوقائع لذرية، اي هو من ناحية العالم الفعلي المتحقق (الموجود بالفعل بالمعنى الارسطي) اضافة الى الوقائع الذرية الممكنة منطقيًا (اي الموجود بالقوة على حد قول ارسطو). هذا ويتضمن معنى الوقائع الذرية الموجودة الوقائع الذرية الموجودة بالفعل وغير الموجودة او الممكنة، اي الموجبة والسالبة، وبالتالي اذا عرفنا الوقائع الموجبة الفعلية(الكتاب ازرق)، فاننا نستطيع تعريف القضايا السالبة بنفي الوقائع الموجبة، هذا على الرغم من ان الوقائع السالبة غير موجودة بالفعل(الكتاب ليس ازرق). بالاضافة الى هذا التعريف للعالم يعتبر فتجنشتين ان “الوقائع في المكان المنطقي هي العالم” والمكان المنطقي يشير الى الروابط المنطقية، اي ان الوقائع ترتبط فيما بينها بروابط منطقية وهذا ما يشكل المكان المنطقي. ثانيًا: الوقائع والوقائع الذرية أ-الوقائع: الواقعة تتألف من وقائع ذرية لذا فهي مركبة وليست بسيطة. ب-الوقائع الذرية: اما الوقائع الذرية فهي ابسط ما يتوصل اليه التحليل من وقائع. فـ “سقراط حكيم” واقعة ذرية، ولكن “سقراط حكيم وافلاطون تلميذه” هي واقعة مركبة. اذًا فالواقعة الذرية تتكون من ترابط شيئين او اكثر بعلاقة معينة، وارتباط واقعتين ذريتين برباط معين هو واقعة مركبة. تتحدد الواقعة الذرية بناءًا على العلاقات التي تربط الاشياء بواسطتها، وبالتالي فالواقعة الذرية ليست مجرد تراكم اعتباطي للاشياء بل ان الاشياء تترابط ضمنها كحلقات “سلسلة”. ويعتبر فتجنشتين ان الوقائع الذرية مستقلة عن بعضها البعض، ويرفض مبدأ السببية حيث اننا لا يمكننا ان نستدل على شيء من معرفة شيء آخر، فلا يمكننا تأكيد شروق الشمس غدًا لمجرد شرقها دومًا، فالضرورة السببية ما هي الا ضرورة منطقية في المنطق والرياضيات لا في العالم الواقعي. ثالثًا: الاشياء رغم بساطة الوقائع الذرية ولكنها تنحل بدورها الى اشياء بسيطة تقوم بينها علاقة معينة. وبالتالي فالشيء هو ابسط انواع الموجودات، ولكن ما هو الشيء بالتحديد؟ لا يقصد فتجنشتين بالشيء عالم الاشياء المادية الجزئية لانه مركب دومًا، و يعتبر ان الشيء البسيط لا يمكن معرفته تجريبيًا ابدًا ولكنه يسلم به على اساس اعتبارات منطقية ضرورية. وهنا نلاحظ التشابه بين فتجنشتين وبين كنط الذي ينفي بدوره معرفة الشيء في ذاته. اما بالنسبة لصفات الشيء، فانه لا بد لنا من معرفة صفات الشيء الداخلية منها والخارجية. اما بالنسبة للصفات الداخلية فهي ما لا يمكن تصور الشيء بدونها، وهي ان يكون الشيء ممكنًا (موجود بالقوة) لواقعة ذرية ما (الصفات الصورية)، فهي تشكل صورة العالم. فيما الصفات الخارجية للشيء تنشأ نتيجة تشكل الاشياء اي ارتباطها في علاقات معينة ودخولها في واقعة ذرية (الوجود بالفعل)، انها تشكل محتوى العالم. وامكانية دخول الشيء في واقعة ذرية ما ليست امكانية منطقية، بل امكانية تحدد بناءًا على صورة الشيء التي تجعله متميزًا وتجعله يدخل في واقعة دون اخرى. ويقول فتجنشتين ان الاشياء تشكل جوهر العالم، والجوهر هو ما يوجد مستقلاً عن الوجود القائم، ويعتبرها الثابتة اما الوقائع فهي المتغيرة (وهنا يتشابه مع فلسفة ديمقرطس الذرية). 2. تحليل اللغة ان تحليل اللغة هو غاية “رسالة منطقية فلسفية” كتاب فتجنشتين الاساسي والاهم. ذلك لان مشكلات الفلسفة تنبع برأيه من سوء فهمنا لمنطق اللغة، بالتالي الفهم الصحيح لمنطق اللغة يفتح الطريق لحل العديد من المشكلات الفلسفية. ويواصل فتجنشتين مشروعه بتحليل اللغة الى قضايا وينتقل الى البحث في مكونات القضايا ومعايير صدقها وعلاقتها بالفكر والواقع والمنطق. - ان اللغة عند فتجنشتين هي الفكر ، فلا وجود للغة بدون فكر كما لا وجود لفكر بدون لغة. فهي الوسيلة الحسية التي نستطيع من خلالها التعبير عن الافكار، انها تجسيد لافكارنا. - يحلل فتجنشيتن اللغة (وبالتالي الفكر) الى قضايا (اولية ذرية) وهي ابسط انواع القضايا يمكنها ان تنحل الى اسماء ابسط ما يتوصل الى التحليل، والتي بترابطها تتكون القضايا الذرية. وفي هذه النقطة ينفرد فتجنشتين بنظريته التصويرية للغة حيث يعتبر ان قضايا اللغة تأتي تصويرًا او رسمًا للوقائع الموجودة في العام الخارجي، والاسماء تقابل الاشياء حيث يشير كل اسم الى شيء في الواقع.[التقابل بين مكونات العالم ومكونات اللغة]. اولاً: تحليل القضايا الاولية “الذرية” -يعتبر فتجنشتين ان للغة وظيفة تقريرية ووصفية للواقع الخارجي. وبقدر ما تكون القضية الاولية رسمًا للواقع الخارجي بقدر ما تكون صادقة. -ما له مقابل في العالم الخارجي هي الاسماء فقط، بينما الروابط المنطقية في القضية لا يوجد ما يقابلها في الوجود الخارجي، فهي روابط عقلية بحتة. يعتبر فتجنشتين اننا نستطيع ان نفهم قضية ما (مثلاً الكتاب فوق الطاولة) سواء كانت صادقة ام لا، ذلك لانني افهم دلالة “كتاب” ودلالة “طاولة” ومعنى اداة الربط “فوق”. ولكي تكون القضية كاذبة يجب ان تشير الى اشياء لم تترابط على النحو الموجود في الواقعة الذرية. فالقضايا الصادقة تصور العالم الفعلي (الوقائع الذرية الموجودة) اما الكاذبة فتصور الوقائع الذرية الممكنة، وبالتالي فان امكانات صدق القضايا تعني امكانات وجود او عدم وجود الوقائع الذرية. ثانيًا: تحليل الاسماء الاسم هو علامة بسيطة تدل على الشيء البسيط، وبالتالي فلا يمكن تحليله او حتى تعريفه. ترابط الاسماء يؤلف القضية. ولكن هذا الترابط لا يكون عشوائيًا بل بشبه ترابط النغمات ليعطي لحنًا جميلاً، ويتم بشكلٍ مناسب ليعطي معنى للقضية، ويشبه فتجنشتين الاسم بالنقطة ومجموع الاسماء المترابطة بالسهم المتجه نحو هدف. ويتفق فتجنشتين مع رسل في ان الالفاظ الكلية(الانسان، العدد،…) كثيرًا ما تسبب لبسًا لان الفلاسفة لم يميزوا بينها وبين الاسماء التي تدل على اشياء موجودة بالفعل، لا بل اعتبروا ان الكليات تشير الى موجودات في الواقع الخارجي. ويعتبر فتجنشتين ان كل اسم لا يقابله شيء في الوجود الخارجي ويدخل في تكوين قضية فانه يجعلها من دون معنى ، وهو بذلك ينفي القضايا الميتافيزيقية كليًا (كقولنا النفس خالدة..). ثالثًا: الرسم الرسم،بنظر فتجنشتين،هو العلاقة بين العالم واللغة والتي تقوم على تمثيل القضايا الذرية للوقائع الذرية. انه رسمٌ منطقي، اي له صورة منطقية للوقائع الذرية تعبر عن امكانات وجودها او عدم وجودها. فهو يصف العالم اي الامكانات الموجودة فيه. الفرق بين الرسم والصورة: الرسم هو رسم لما هو موجود بالفعل، فيما تعبر الصورة عن امكانية الحدوث لا الى الوجود الفعلي. بنية الرسم: هي الطريقة التي تترابط بها عناصر الرسم بعضها ببعض. على الرسم ان يطابق الوجود الخارجي، ليصبح اداة للقياس يقاس بها الوجود الخارجي. والرسم، بحد ذاته، لا يتسم بالصدق ولا بالكذب، انما هو اداة قياس بالدرجة الاولى. يختلف الرسم عن القضية، فالقضية قد تكون كاذبة او صادقة بحسب مطابقتها للواقع، اما الرسم فهو فكرة منطقية نفهم من خلالها كيف يكون التقابل بين الوقائع والقضايا. 3. نظرية المعنى عند فتجنشتين ان اهم ما شغل الفلسفة المعاصرة عمومًا، والفلسفة التحليلية خصوصُا فكرة “المعنى”، حيث اعتبر البعض ان الفلسفة هي “تحديد المعاني”، فيما اعتبر البعض الاخر ان التصور الذهني الذي يشير الى الالفاظ هو المعنى بحد ذاته. اما فتجنشتين فيعتبر ان المعنى هو للقضية لا للكلمة بمفردها. فالعبارات التي لا تعبر عن العالم الخارجي لا معنى لها بل تصبح مجرد لغو. هذا والعبارت ذات المعنى يمكن ان تكون صادقة او كاذبة. اولاً: علامة القضية يميز فتجنشتين بين القضية وعلامة القضية. فالقضية هي المعنى القائم في الذهن الذي نرسم به الواقع الخارجي. اما علامة القضية فهي القالب الحسي ، اي الكلمات والالفاظ المكتوبة او المنطوقة التي نعبر بموجبها عن القضية، انها الجزء الذي يمكن ادراكه بالحواس، وعلامة القضية هي ذاتها واقعة. اما عناصر علامة القضية فهي الاسماء. وبالتالي فالمقارنة بين اللغة والعالم هي مقارنة بين الاسماء والاشياء في العالم. ثانيًا: القضية والمعنى للقضية معنى ولكن ليس لها دلالة، على العكس من الاسم، ذلك ان القضية لا تشير الى اشياء في الوجود الخارجي كما يفعل الاسم. اما معنى القضية فيتحدد ببنيتها ومدى تعبيرها عن بنية الواقعة التي هي ترابط الاشياء على نحو معين. ويظل للقضية معنى اكانت صادقة او حتى كاذبة. والذي يحدد صدق القضية او كذبها فهو وضع الاسماء وترابطها رغم ان هذه الاسماء لا تتصف بالصدق او بالكذب. يقول فتجنشتين ان ما تثبته القضية هو معناها فحسب. فاذا قلنا “يمر نهر الفرات في سوريا” فان هذه القضية لا يزداد صدقها اذا اضفنا اليها “وهذه قضية صادقة”. ووصف القضية بكونها صادقة او كاذبة هو امر لا يجري من خارجها بل لا بد للصدق ان يكون محتوى في القضية نفسها، وبالتالي فهناك ضرورة لفهم القضية وادراك بنيتها وترابط عناصرها, والشروط التي تتكون فيها، فهذه العوامل مجتمعة تجعلنا قادرين على تحديد معنى القضية وشروط صدقها. ثالثًا: نظرية المعنى وقضايا الميتافيزيقا ينتهي فتجنشتين الى ان قضايا رسالته ذاتها ليس لها معنى ولكن لها فائدة. فالرسالة هي حديث عن العالم وتحليله الى لغة وتحليل اللغة الى قضايا ومدى مطابقة هذه القضايا للواقع. وبالتالي فاذا اردنا تطبيق ذلك على الرسالة ذاتها باعتبارها حديث فلسفي ميتافيزيقي، سنصل الى نتيجة حتمية هي ان قضاياها بلا معنى لانه ليس هناك ما يقابلها في الوجود الخارجي فتصبح لغوًا او فرضيات ميتافيزيقية. وقد كان فتجنشتين واعيًا لذلك، فاعتبر ان رسالته بلا معنى ولكنها مفيدة لانها تجعلنا نرى العالم بطريقة صحيحة وذلك بعد تجاوزها، فقضايا الرسالة بالنسبة اليه مجرد لوحات تعليمية نقرؤها ونفهمها ثم نحذفها. ويعتبر فتجنشتين ان القضايا الميتافيزقية طالما انها بلا معنى فلا يمكن التعبير عنها، بل تتبدى لنا فحسب فلا بد من الصمت حيالها، ولكن حل المشكلات الميتافيزيقية التي اثارت مشاكل فلسفية عديدة يكمن في رأيه في اختفائها والغائها من ميدان الفلسفة. فعلى الفلسفة الاّ تقول شيئـًا الاّ ما يمكن قوله في، اي فقط قضايا العالم الطبيعي، وبالتالي تتخلى عن القضايا الميتافيزيقية. ولكن، واعتمادًا على رأي فتجنشتين فاننا نجده يقع في تناقض: -فهو يعتبر قضايا رسالته بلا معنى. -ولكنه من جهة اخرى يعتبر ان على الفلسفة ان تقول ما يمكن قوله، والميتافيزيقا هي مما لا يمكن التعبير عنه بل تتبدى فحسب، وبالتالي فلا بد من الصمت حيالها، ولكنه في رسالته يقدم لنا كتابًا كاملاً عن الفلسفة الميتافيزيقة، اي ان قضاياه لا بد من الصمت حيالها، فيصبح كتابه بلا اهمية. رغم هذا التناقض، فان “رسالة” فتجنشتين قد اثرت في تيارات فكرية عديدة اهمها الوضعية المنطقية مما يدفعنا الى التنبه الى ان قضاياها ليست مجرد لغو. رغم اننا عندما نحكم على قضايا الرسالة بانها خالية من المعنى فاننا نحكم بمعيار قضايا الرسالة ذاتها، وعلى ذلك يصبح المعيار خاليًا بذاته من المعنى ولا يصلح لاستخدامه في الحكم على القضايا http://thesilentlover1.ucoz.com/forum/28-151-1




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1980195 :: Aujourd'hui : 360 :: En ligne : 6