البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-02-17
صراع الحضارات خدعة نظرية للاستهلاك الإعلامي فقط

yyy



سعاد سليمان
إن معظم الأعمال الوحشية والنزاعات الواقعة في العالم إنما تقوم في الأساس على وهم هوية متفردة لا سبيل إلى الاختيار فيها ، وكثير من صفحات التاريخ لتخبرنا بهذا العنف وهذه الوحشية التي تتغذى في الأصل على توهمات الخصوصية الفردية وانتقاء الجنس ، ولقد سجل لنا التاريخ مواقع وأحداث تؤكد ذلك ، وقد جاء هذا الكتاب " الهوية والعنف ـ وهم المصير الحتمي " تأليف أمارتيا صن ، وترجمة سحر توفيق ، والصادر حديثاً عن سلسلة عالم المعرفة ، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت . وفيه يقدم الكاتب تفسيراً مختلفاً عما ورد عن نظرية فوكو ياما في نظريته " نهاية التاريخ ، وما ورد في نظرية صامويل هينجتون حول صراع الحضارات ، فيقول أمارتيا صن :

لقد واكبت أحداث العنف والاعتداءات في السنوات الأخيرة فترة من الفوضى والاضطراب المروع ، وكذلك صراعات بغيضة ، وكثيرا ما ينظر إلي سياسات المواجهة علي صعيد الكوكب باعتبارها نتيجة طبيعية للانقسامات الدينية أو الثقافية في العالم ، والحق أن العالم يري بشكل متزايد الصراع كما لو كان ذلك ضمنيا كفيدرالية من الأديان أو الحضارات ، مما يؤدي إلي تجاهل كل طريقة أخري يري بها الناس أنفسهم هذا الخط من التفكير يدعمه افتراض غريب أن الناس في هذا العالم يمكن أن يصنفوا وفقا لنظام فصل انفرادي وشامل ، إن التقسيم الحضاري أو الديني لسكان العالم يؤدي إلي مقاربة انعزالية للهوية الإنسانية ، والتي تري الكائنات البشرية كأعضاء في جماعة واحدة بالضبط " والتي تعرف في هذه الحالة بالحضارية أو الدين بالتباين مع أنواع التقسيم السابقة التي كانت تعتمد علي القوميات والطبقات"

ولهذا فإنه من ضروريات أثناء خوض الحياة الإنسانية أن نتحمل مسؤوليات الاختيار والتفكير ، وعلي العكس فإن العنف ينمو عندما نعمق إحساسنا بالحتمية حول هوية يزعم أنها فريدة ، وغالبا مقاتلة من المفترض أنها هويتنا والتي يبدو أن لها متطلبات أخري علينا إجابتها " أحيانا متطلبات من نوعية غير محببة إطلاقا " ، إن فرض هوية فريدة زعما هو غالبا أحد المكونات الحاسمة من " الفن القتالي " لإثارة المواجهات الطائفية.

ويرفض المؤلف كل زعم يتوهم فيه أفضلية عنصر ما على الآخر فيقول : إن إنسانيتنا المشتركة تتعرض لتحديات وحشية عندما توحد التقسيمات المتنوعة في العالم في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم ؛ يعتمد علي الدين , أو الجالية , أو الثقافة , أو الأمة , أو الحضارة ( مع معاملة كل من هذه التصنيفات , في سياق هذا التناول , باعتبارها ذات سطوة منفردة بالنسبة إلي الحرب والسلام ) . إن العالم المقسم بشكل فريد أكثر إثارة للشقاق والنزاع بكثير من التصنيفات الجمعية والمتنوعة التي تشكل العالم الذي نعيش فيه . وهذه الطريقة في التقسيم ليست فقط ضد الاعتقاد قديم العهد بأننا " نحن البشر جميعاً متماثلون كثيراً " ( والذي يبدو أنه أميل لأن يحظى بسخرية بالغة في أيامنا هذه . ليس من دون سبب تماماً . بالإضافة إلي اعتباره شديد السذاجة ) , ولكن هذه الطريقة في التقسيم أيضاً تقف ضد الفهم الذي قلما تجرى مناقشته علي الرغم أنه أكثر قبولا بكثير , وهو أننا نتميز باختلافات متنوعة . إن الأمل في أن يسود الانسجام عالمنا المعاصر يكمن إلي حد كبير في فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية , وفي تقدير حقيقة أن البشر يستطيعون أن يصل بعضهم إلي بعض وأن يعملوا ضد فصل حاد بينهم علي أساس خط واحد متصلب من التقسيم الذي لايمكن عبوره .

والحق يقول المؤلف إن التشوش المفهومي وليس مجرد النوايا البغيضة , يساهم كثيراً في الغليان والبربرية التي نراها حولنا . إن وهم المصير الحتمي , خصوصا في ما يختص ببعض الهويات الانفرادية ( وتأثيراتها المزعومة ) , يغذي العنف في العالم من خلال الإغفالات كما من خلال التضمينات . وينبغي أن نري بوضوح أن لنا انتماءات كثيرة منفصلة , وأن هذه الانتماءات يمكن أن تتفاعل بعضها مع بعض بطرق كثيرة مختلفة ( مهما كان ما يقوله لنا المحضرون وغرماؤهم المرتكبون ) . إن لدينا الفرصة لتقرير أولوياتنا بأنفسنا .

ويضيف : إننا في الواقع نتأثر إلي درجة مدهشة بالناس الذين نري أننا نشترك معهم في هوية واحدة . إن الأحقاد الطائفية يمكن أن تنتشر كالنار في الهيشم , كما رأينا أخيرا في كوسوفو والبوسنة ورواندا وتيمور وإسرائيل وفلسطين والسودان , وأماكن كثيرة أخري في أنحاء العالم . ومع التحريض المناسب , يمكن أن يتحول وعي متعمق منذ النشأة بهوية مشتركة مع جماعة من الناس إلي سلاح قوي يوجه بوحشية ضد جماعة أخري .

الآثار المروعة لتصغير الناس هو موضوع هذا الكتاب . إنهم يدعون إلي إعادة فحص وإعادة تقييم بعض الموضوعات الراسخة جيدا , مثل العولمة الاقتصادية , والتعددية الثقافية , وما بعد الكولونيالية التاريخية , والعرقية الاجتماعية , والأصولية الدينية , والإرهاب الكوكبي . إن مشهد السلام في العالم المعاصر قد يكمن بكامله في الاعتراف بتعددية انتماءاتنا , وفي استخدام التفكير والمنطق باعتبارهما موجودات مشتركة في عالم متسع , بدلا من جعلنا نزلاء محصورين بقسوة في عبوات صغيرة . إن ما نحن في حاجة إليه قبل كل شيء , هو فهم نابع من عقل صاف لأهمية ما يمكن أن يكون لدينا من حرية في تقرير أولوياتنا . ويتصل بهذا الفهم أننا في حاجة إلي أن نتعرف بدرجة ملائمة علي دور وكفاءة الصوت العام المتعقل داخل الأمم وعبر العالم .

ويرى المؤلف أن كثيراً من المفكرين الجماعيين يميلون إلي الاحتجاج بأن سيادة هوية جماعة إنسانية ليست مسألة اختيار , إنما هي مسألة إدراك للذات , لكن من الصعب أن نصدق أن شخصاً ما لا اختيار لديه بالفعل في اتخاذ قرار يخص مدى أهمية اتصاله بالجماعات المختلفة التي ينتمى هو ( أو تنتمي هي ) إليها , وأنه لابد أن يكتشف هويته , وكأن الهوية ظاهرة فطرية خالصة ( مثل تقرير ما إذا كان الوقت ليلا أو نهاراً ) . والواقع أننا جميعاً نقدم علي اختيارات بصفة مستمرة – وإن كان ذلك بشكل ضمني – بإجراء اختيارات بين الأوليات المتعلقة بانتماءاتنا وصلاتنا المختلفة . إن حرية أن نصل إلي قرار فيما يخص ولاءاتنا وأولوياتنا بين الجماعات المختلفة التي قد ننتمي إلي كل منها هي حرية مهمة بشكل خاص , وهي حرية تملك من العقل والقدرة علي التفكير والمنطق ما يجعلنا نعترف بها ونقدرها وندافع عنها .

إن القواعد التي يقوم عليها الحط من قدر الآخرين لا تتضمن فقط المزاعم المغلوطة , ولكن أيضاً الوهم بأن هوية مفردة يجب أن يربطها الآخرون بالشخص لكي يحطوا من قدره . في لقاء مشهور , قال الممثل الإنجليزي بيتر سيلرز : " كان المعتاد أن يكون هناك " أنا" لكني أزلتها بعملية جراحية " .

إن حدود مثل هذا التفكير المبني علي فكرة الحضارة يمكن إثبات ما فيه من مخادعة بالنسبة إلي برامج " الحوار بين الحضارات " ( وهو ما يبدو السعي إليه حثيثا في أيامنا هذه ) بنفس قدر المخادعة الكامن في نظريات صراع الحضارات . فالبحث النبيل والراقي عن التفاهم بين الناس إذا نظر إليه كتفاهم بين الحضارات سوف يختزل سريعا البشر متعددي الأوجه إلي أشخاص لكل منهم بعد أحادي , وسوف يكبت تنوع الارتباطات المتشابكة التي أمدت البشر بأسس غنية ومتنوعة للتفاعل عبر الحدود علي مدي قرون كثيرة , تلك الارتباطات المتشابكة التي منها الفنون والآداب والعلوم والرياضيات والألعاب والتجارة والسياسة , ومختلف نواحي الاهتمامات الإنسانية المشتركة . إن المحاولات طيبة النوايا التي تسعي إلي سلام عالمي يمكن أن تكون لها عواقب مضادة عندما تؤسس علي فهم وهمي في جوهره لعالم الكائنات البشرية .

إذن يرى المؤلف أنه لا ضرورة لأن تكون ديانة المرء هي كل هويته علي وجه الحصر . والإسلام بشكل خاص , كديانة , لا يلغي الاختيار المسئول للمسلمين في كثير من مجالات الحياة . والحق أنه من الممكن أن يأخذ مسلم وجهة نظر صدامية وأن يكون آخر متسامحاً للغاية من دون أن يتوقف أي منهما عن أن يكون مسلماً . إن رد الفعل علي التوجه الأصولي الإسلامي وما يتصل به من إرهاب يصبح أيضاً مشوشاً , خصوصاً عندما يكون هناك فشل عام للتمييز بين التاريخ الإسلامي وتاريخ الشعوب المسلمة . فالمسلمون , مثل كل من في العالم من البشر الآخرين , لديهم مساع مختلفة في الحياة , ولا ضرورة لأن تكون كل أولوياتهم وقيمهم تندرج تحت الهوية المفردة لكونهم مسلمين . وليس من المدهش إطلاقاً , بالطبع , أن كل أبطال التوجه الأصولي في الإسلام يرغبون في كبح كل هويات المسلمين الأخرى لمصلحة أن يكون المرء مسلماً فقط . لكن الأمر شديد الغرابة أن أولئك الذين يريدون التغلب علي التوترات والصراعات المتصلة بالاتجاه الأصولي في الإسلام يبدو أنهم أيضاً لا يستطيعون رؤية الطبيعة المتعددة الأبعاد للتنوع البشري بين من يدينون بالإسلام .

وحول الاختيار والقيود يقول المؤلف : إنه في كل سياق اجتماعي هناك عدد من الهويات حالات القابلة للبقاء والدوام والتي لها صلة فعليا والتي يستطيع الفرد أن يقيمها من ناحية قبولها وأهميتها النسبية وفي حالات كثيرة ، ربما تصبح التعددية محورية بسبب شيوع أهمية الخصائص الدائمة والباقية والمتكرر إثارتها ، مثل القومية أو اللغة أو الانتماء العرقي أو التوجهات السياسية أو المهنة ، وربما كان علي المرء أن يقرر الأهمية النسبية للانتماءات المختلفة والتي يمكن أن تتغير وفقا للسياق ومن الصعب للغاية أن نتخيل أن شخصا يمكن حقا أن تسلب منه إمكانية وضع الهويات البديلة في اعتباره، وأنه لابد وأن يكتشف فقط هويته ، كما لو كانت ظاهرة طبيعية خالصة ، والواقع أننا جميعا نمارس اختيارات بصورة مستمرة ، وأن كان ذلك ضمنيا ، حول الآولويات التي تتعلق بانتماءاتنا وصلاتنا المختلفة ، وغالبا تكون مثل هذه الاختيارات صريحة تماما ومدروسة بعناية ، مثلما قرر المهاتما غاندي عامدا أن يعطي أولوية لهويته المشتركة مع الهنود سعيا للحصول علي الاستقلال من الحكم البريطاني ، أو حينما وضع إي إم فورستر خاتمته الشهيرة " إذا كنت مضطرا للاختيار بين خيانة بلدي أو خيانة صديقي فإني آمل أن تكون لدي الشجاعة لخيانة بلدي .



ثم يتوقف المؤلف عند فكرة العزل الحضاري أو تمايز الحضارات بشكل يجعلها كجزر منعزلة يقول : كان موضوع صراع الحضارات موضوعا منتشرا بالفعل قبل أن تضاف الأحداث المرعبة ليوم 11 سبتمبر إلي مافي العالم من صرا عات وريبة ، لكن هذه الأحداث المرعبة أدت إلي تضخيم هائل للاهتمام الجاري بما يسمي صراع الحضارات ، والواقع كما يقول المؤلف إن ذلك أغري كثيرا من المعلقين المؤثرين برؤية صلة مباشرة بين ملاحظات الصراعات الكوكبية ونظريات المواجهة الحضارية ، وكان هناك اهتمام كبير بنظرية الصراع الحضاري ، وظهر بشكل قوي علي وجه الخصوص في كتاب صامويل هنتنجون المشهور ، وكثر الحديث خصوصا عن نظرية الصراع الحضاري الأولي وهي التي قد تكون جوهرية أكثر تتعلق بأهمية تصنيف الناس وفقا للحضارات المزعوم انتماؤهم إليها ، وقابلية هذا التصنيف للبقاء ، وتظهر هذه القضية قبل ظهور معضلات النظرة التي تعتبر أن الناس الموضوعيين بهذه الطرق داخل صناديق حضارية لابد بشكل ما أن يكونوا خصوما ، والحضارات التي ينتمون إليها معادية بعضها لبعض ، وتكمن وراء نظرية الصراع الحضاري فكرة أكثر تعميما بكثير من أمكان رؤية الناس بشكل أساسي بصفتهم ينتمون إلي حضارة واحدة أو أخري ، ويمكن رؤية العلاقات بين أفراد مختلفين في العالم في هذه النظرية الاختزالية ، كعلاقات بين الحضارات المزعوم انتماؤهم إليها

الرؤي الأحادية ومظهر العمق .

لو كانت الحضارات المتصارعة نظرية متميزة الضخامة حول الصراعات فهناك ادعاءات أقل ولكنها مؤثرة أيضا ، ترجع تباينات الثقافات والهويات إلي الصراعات وغزارة الفظاعات التي نراها في أجزاء مختلفة من العالم اليوم ، وبدلا من تقسيم خطير هائل يفصل سكان العالم إلي حضارات مختلفة من العالم اليوم ، متبارية كما في عالم هنتنجون المتخيل ، فإن التنويعات الأقل لهذا التناول تري السكان المحليين منقسمين إلي جماعات متصارعة لها ثقافات متشعبة وتواريخ متباينة تميل بطريقة طبيعية تقريبا إلي توليد العدواة بعضها تجاه بعض ، ومن ثم فإن صراعات الهوتو والتوتسي والصرب والألبان والتاميل والسيريلانكيين علي سبيل المثال يمكن إعادة تفسيرها بمفردات تاريخية متغطرسة ، تري في هذه الصراعات شيئا أكبر كثيرا من دناءة وخسة وجور السياسات المعاصرة .












































السياسي

الر ابط

http://www.alssiyasi.com/default.asp?browser=view&EgyxpID=1762






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809500 :: Aujourd'hui : 1104 :: En ligne : 7