البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-07-13
دعوة إلى التجديد من خلال عقلانية الماضي

yyy

الحاضرة الإسلامية للوي غارديه كان ذلك عند بدايات العقد الخامس من القرن العشرين حين كان الإسلام، وفق الباحث الفرنسي هنري شيرا، يسعى كي يجد لنفسه صدى إيجابياً في العالم الغربي، في الوقت ذاته الذي راح يشتغل على نوع من إعادة البناء للتكيّف مع العصور الحديثة، إنما بالإنطلاق دائماً مما هو ممكن وصالح من معالمه الفكرية والتاريخية. يومها ازداد حضور هذا الإسلام المنفتح والتجديدي في أوروبا بخاصة ليشارك في صوغه كثر من أساتذة كبار في المجالات كافة، كان عدد لا بأس به منهم من حواريّي لوي ماسينيون. وفي ذلك الزمن المفصليّ بالنسبة الى الدراسات الإسلامية بالتحديد، أصدر لوي غارديه، المفكر الفرنسي الجامعي والمستشرق المعروف، واحداً من أبرز الكتب التني عرّفت الغرب بالحضارة الإسلامية. وبالتحديد بحضارة المدينة الإسلامية. ونعني بهذا كتابه الضخم «الحاضرة الإسلامية» الذي أصدرته يومها دار نشر «فران» المتخصصة أصلاً بالكتب الفلسفية وبترجمة النصوص العربية. > والحقيقة أن كتاب غارديه بدا يومها تجديدياً على أكثر من صعيد، ولكن قبل أي شيء آخر، على صعيد تحليله القيم الحقوقية والسياسية والاجتماعية السائدة - وبالتالي المقبولة - ضمن إطار تقاليد العالم الإسلامي مستندة أساساً إلى القرآن الكريم والسنّة النبوية. ولعل أهم ما فعله غارديه هنا هو أنه، منذ مقدمة الكتاب ثم عبر فصوله، لم يتوان عن التركيز على التفاوت القائم في العالم الإسلامي بين الإنجازات العملية المتحققة، والتفسيرات الدقيقة المعتمدة للنصوص الدينية كما سادت عبر العصور. > في القسم الأول من الكتاب، الذي بات مرجعاً أساسياً في موضوعه منذ ذلك الحين، يستعرض غارديه التصور اللاهوتي الخاص بالإسلام ومبادئ المساواة والأخوة بين المؤمنين، مشدداً على الوضعية الحقوقية لمفهوم الحرية ومفهوم الملكية، ودورها في تنظيم العلاقات الاجتماعية، كما يشرح لنا هنري شيرا في عرضه للكتاب. ويستعرض غارديه في طريقه المكانة التي تعطى في ديار الإسلام لغير المسلمين. أما في القسم الثاني، فإن المؤلف يفسر العلاقات بين ما هو شرعي وما هو حقوقي، واصفاً الدور الذي لعبه ويلعبه أولئك القابضون على السلطة، واصلاً بالتالي إلى تحليل مفهوم الخلافة نفسه. أما في القسم الثالث فيصل المؤلف إلى تفسير المبادئ المكونة للأمة وحدودها، ناهيك بالتجليات الدينية والعاطفية، قبل أن يغوص في الحاضر المعاصر له متحدثاً عمّا كانته فيه أحوال المجتمعات الإسلامية، حيث يرسم صورة أخّاذة لتطور العائلة والقبيلة والقرية، كما يتوقف عند الهيئات المهنية والتجمعات الحرفية. أما في القسم الرابع فيتساءل غارديه عما إذا كان في مقدورنا ان نتحدث عن «إنسانوية» إسلامية وعن نمط عيش إسلامي يحترم القيم الإنسانية الحقيقية مطلقاً إياها في فضاءات المجتمع. وحتى وإن كانت إجابات غارديه عن هذه التساؤلات أقرب إلى الإيجابية، نراه لا يفوته أن يلاحظ أن مفكري العصور الغابرة من ذوي النزعة الإنسانية في التاريخ الإسلامي، لم يتبد عملهم كافياً لتأمين نوع ممكن وحقيقي من التجديد الذي تفترضه أية إجابة حماسية عن التساؤل المطروح. ومن هنا يخلص غارديه إلى أن حركة تجديدية حقيقية وجادة في هذا الاتجاه، لن يمكنها أن تقوم وتكون فاعلة، إلا عبر العمل على توسيع وتعميق قيم الحياة اليومية، المزروعة أصلاً في عمق أعماق الشعب نفسه، الشعب الذي حان أوان أن يكون هو مرجع كل شيء. وبهذا لا يكون لوي غارديه قد اشتغل في كتابه البديع هذا على الماضي وكل ما يتعلق به، بل يكون قد تجاوز هذا ليبني في سبيل مستقبل أمة أحبها دائماً. > على أيّ حال، إن الذين كانوا يعرفون لوي غارديه، يقولون طواعية إنه لم يكن ينتمي إلى ذلك النوع العادي والمعهود من المستشرقين، والذي يتكاثر في أيامنا هذه، بل كان نسيج وحده، رسولياً في علاقته بالمادة التي يدرسها، متعدد الاتجاهات يدرك أن دراسة الفلسفة الإسلامية، مثلاً، لا يمكنها أن تستقيم إن لم تدرس على ضوء التاريخ الإسلامي نفسه، وعلى ضوء تاريخ التطور العقائدي والمذهبي، وإن هذا كله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ حركة المجتمع وحركة الآداب والفنون، وإن الوصول إلى دراسة هذا كله تقتضي عملاً مقارناً يأخذ في حسبانه حركة المجتمع والفكر في المناطق المحيطة بعالم الإسلام، ناهيك عن التطور الاقتصادي. وفي هذا المعنى كانت دراسة لوي غارديه للإسلام دراسة شاملة إلى درجة أنها تمكنت من استيعاب كل التفاصيل التي تمت بأدنى علاقة إلى تاريخ الديار الإسلامية وما جاورها. > والحال إن قراءة متأنية لكتاب «الحاضرة الإسلامية»، ستكون كافية لنا للتيقن من هذا. فهذا الكتاب الذي يقول لنا عنوانه إن مؤلفه يبحث في شأن معين من شؤون الإسلام، سرعان ما سيتكشّف لدى القراءة - وكما يفيدنا استعراض بعض ملامحه أول هذا الكلام -، كتاباً موسوعياً يبدأ بدراسة القانون الفقهي، ليصل إلى دراسة دور العالم العربي وسط العالم الثالث في القرن العشرين، مروراً بالمقارنة بين النزعة الرأسمالية والفقهية في البروتستانتية وبينها على مدى التاريخ الإسلامي، وبين النظريات الحكومية لدى سانت أوغسطين وروسو من جهة ومفكري الإسلام (الماوردي، مثلاً) من جهة ثانية. > بهذا المعنى كان لوي غارديه، الراحل عن عالمنا عام 1987 مفكراً بالمعنى الشامل للكلمة، ومتوغلاً في تاريخ الإسلام على شاكلة أستاذه وصديقه لويس ماسينيون الذي علّم المستشرقين «إنك لكي تتبحر في التاريخ الإسلامي وفي كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، يتعين عليك أولاً أن تكون ملماً بتاريخ الأديان السماوية الأخرى، وأن تكون منفتحاً على العصر الحاضر، وليس على التاريخ الغابر وحده». > عندما توفي لوي غارديه كان في الثانية والثمانين من عمره، وهو خلّف وراءه ثروة فكرية هائلة تتمثل في مئات الدراسات وعشرات الكتب، وفي الصداقات العديدة التي أقامها من خلال زيارات متلاحقة قام بها إلى شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي. بيد أن بالإمكان التوقف عند كتابين للوي غارديه يلخصان مسيرته كلها: من ناحية كتابه «الحاضرة الإسلامية» الذي أوجز - كما لم يفعل أي كتاب آخر في تاريخ الفكر - تاريخ الإسلام وفكرانيته، ومن ناحية ثانية كتابه الأخير، أي النص الذي كتبه في العام 1986 قبل شهور قليلة من رحيله بعنوان «نظرة مسيحية إلى الإسلام». > في هذين الكتابين يتبدى لوي غارديه على حقيقته، من ناحية باحثاً دؤوباً يريد أن يحدد - لقارئه الأوروبي المسيحي - موقع الإسلام في زمن العالم، وتاريخية الإسلام كاستمرارية حضارية وفكرية تنتمي إلى خير ما أنتجه الفكر البشري، والوحي الإلهي منذ وعي الإنسان لذاته، ومن ناحية ثانية مؤمناً من دون التباس بمسيحيته الكاثوليكية بالمعنى الصافي للكلمة، لا يفوته كما يقول جاك بيرك الذي يعتبر نفسه تلميذاً أميناً له، أن مسيحيته الحقة هي التي قادته إلى الإسلام وجعلته منفتحاً عليه، حيث يقول بيرك «ربما لأن لوي غارديه كان ملتزماً كاثوليكيته، عرف كيف يكون صديقاً للإسلام» ويضيف «على هذا النحو فقط عرف غارديه كيف يدرس مؤسسات الإسلام وفكره مستخلصاً حياته وإنسانيته اليومية... وهكذا تبدو لي مسيرته التي تبدأ بدراسة وتحليل الفقه والتصوّف، لتصل إلى الاهتمام بمدنية الإسلام ورجاله». > غير أن عمل لوي غارديه، لم يقتصر على ذينك الكتابين بالطبع، بل كان عملاً ضخماً فسيحاً، توزع على سبعة وعشرين كتاباً، أولها كتاب أصدره في تونس بعنوان «مقياس حريتنا، الأفعال البشرية» وآخرها «نظرة مسيحية إلى الإسلام» المشار إليه. أما محاضراته التي كانت أولها محاضرة تقارن بين المتصوّفة المسيحيين والمسلمين والهنود (1951) وآخرها «حضور ابن خلدون في زمننا» (1984)، فبلغ تعدادها 57 محاضرة ومساهمة في عمل جماعي ومؤتمر، هذا فيما حملت آخر دراسة كتبها في العام 1986، الرقم 109 بين دراساته ومقالاته. في اختصار، كان لوي غارديه مستشرقاً غير عادي، أهمّ ما ميّزه انفتاح على الآخر ودأب رسولي في العمل، من المؤكد أنهما لا يمثلان العملة الرائجة لدى باحثي أيامنا هذه. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/16570654




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1970416 :: Aujourd'hui : 285 :: En ligne : 3