البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-05-11
المستقبل الثقافي

yyy

في خضم الإكراهات التي يفرضها الواقع السياسي العربي الحالي، ينكب الدارسون على تناول القضايا الشائكة التي تلقي بكلكلها على الراهن واليومي، غير مهتمين بطرح الأسئلة حول المستقبل الثقافي الذي نريد. قد يرى البعض أن سؤال المستقبل لا يمكن طرحه الآن لأننا مطالبون بالتفكير في حل المشاكل العويصة التي نتخبط فيها. لكن الحقيقة هي أن المستقبل يتم من خلال الحاضر، وأن أي تفكير في الآن بدون رؤية مستقبلية مراوحة في المكان، أو أنه انشغال بالحاضر بدون توقع أو تصور لما تؤول إليه الأمور. تتداخل العوامل المحددة للعلاقات الاجتماعية التاريخية وتتعدد، ولا يمكن التفكير فيها بالكيفية الملائمة بدون رؤية ثقافية استشرافية. إن أسئلة من قبيل: ما هو المجتمع الذي نريد؟ وما هي المشاكل الجوهرية التي تعوق التطور؟ ومن هو الإنسان الذي نريد تكوينه للزمن الآتي؟ إن مثل هذه الأسئلة يمكن أن يطرحها مختصون في مجالات عديدة: من السياسة إلى التربية. كما أن معالجتها تتم من زوايا متعددة تذهب من التخطيط إلى التدبير وبناء الإستراتيجيات، لكن بدون بلورة تصور ثقافي لا معنى لهذه الأسئلة ولا قيمة لها. وإقامة التصور يقتضي إشراك مختلف الفاعلين في مختلف المجالات، في ضوء الإقرار بألا مستقبل للمجتمع بدون مستقبل ثقافي. إن التفكير في المستقبل العربي، من الزاوية الثقافية، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال معرفة ملائمة للتطور التاريخي، وفهم الحاضر، وتوقع الممكن انطلاقا من الكائن. ويمكن تحقيب التاريخ الثقافي العربي الحديث من خلال ثلاث محطات كبرى: الاستعمار، الاستقلال، الربيع العربي. في كل حقبة من هذه الحقب الثلاث هيمنت مقولات مركزية تدفع في اتجاه تبلور رؤى للتحول الاجتماعي، وتراهن على مستقبل مختلف. في الحقبة الأولى كان التركيز على مقولتي: التأخر والتقدم من خلال البحث عن الاستقلال، وبناء الدولة الوطنية. وفي الثانية كان الهاجس بناء الدولة القطرية وتثبيت الهوية الوطنية حسب رؤية وأيديولوجية الدولة التي حُسم الصراع ضد الاستعمار لفائدتها، أو ما نجم عن الانقلابات التي قادت العسكر إلى السلطة. أما الثالثة فكانت مع الربيع العربي الذي جاء ليقطع مع المرحلة السابقة. أبانت الصيرورة أن الدولة الوطنية والقطرية لم تحقق التقدم ـ الحلم، ولا الانخراط في العصر. وصارت مقولة الدفاع عن «الوطن» ذريعة للهجوم على «المواطن». وجاء الربيع العربي ليطرح، في بداية حراكه، مقولة «المواطن يريد وطنا آخر»، أي وطنا بدون الفساد الذي مارسته الدولة القطرية. لكنه تحول إلى «وطن آخر»، تسعى فيه جماعة اجتماعية ما (دينية ـ طائفية ـ عرقية) إلى فرض نفسها على «المواطنين» الآخرين بذريعة أنها «المواطن» الذي عانى من سلطة هجوم «الوطن»، كما مارسته الدولة القطرية، أو أنها تطالب بالانفصال عن الوطن الذي ليس وطنها. هكذا تم الانتقال (الحقبة الأولى) من الشعور بـ«الانتماء الوطني العام»، الذي وحّد كل الجماعات الاجتماعية بمختلف أعراقها ولغاتها ومعتقداتها ضد المستعمر، إلى (الحقبة الثانية) الشعور بالتهميش من لدن الدولة القطرية بعد الاستقلال، إلى التركيب (الحقبة الثالثة) الذي صار يجمع بين الحقبتين السابقتين ويستعيدهما معا: المطالبة، في بداية الأمر، بإعادة الأمور إلى نصابها (الانتماء الوطني العام) عبر تشكيل «دولة المواطن» بغض النظر عن عرقه أو معتقده أو لغته. وتمثل ذلك في شعار «الشعب يريد». ومقولة الشعب تعني التنوع. وفي الصيرورة، صارت المطالبة بـ»الوطن الخاص» الذي تستعيد فيه جماعة اجتماعية ما «صورة» الدولة القطرية التي همشت المواطن لفائدة أيديولوجيا الدولة القطرية التي تفرض نفسها على الجميع؟ من جهة ثانية. ويبدو ذلك في محاولة فرض الدولة الدينية أو الطائفية أو العرقية، وفي الصراع القائم الآن بين الطوائف والأعراق. في نطاق هذه الصيرورة التي تأسست في الجوهر على ثنائية، التقدم والتأخر، في الحقبة الأولى، تولدت ثنائيات: الأصالة والمعاصرة، والتقليد والحداثة، والأصولية والعلمانية، والديكتاتورية والديمقراطية، في الحقبة الثانية. وها نحن نشهد في الحقبة الثالثة التي تأسست على ثنائية: الفساد والإصلاح، في البداية، ننتقل إلى ثنائيات جديدة: الدولة الدينية والمدنية، والسنة والشيعة، والعرب والكرد في المشرق، والعرب والأمازيغ في المغرب، والإسلام والمسيحية.. وفي أتون الصراع الثنائي الذي نجم عن هذه التحولات بين كل مكونات هذه الأطراف والأطياف بتنا أمام ثنائية جامعة هي: الاعتدال والتطرف التي يجمعها جامع أكبر: الإرهاب الذي ولد هذه الحروب، وكل يدعي محاربة الإرهاب. فعلى أي أساس نبني ثقافة المستقبل انطلاقا من هذا الحاضر؟ أعلى أساس وطني يجمع كل المواطنين ويلبي حاجياتهم المختلفة؟ أم على بسط هيمنة طرف على الآخر؟ أم على الانفصال؟ هناك رهانان فقط: رهان يتأسس على التاريخ وعلى ضرورات العصر، وآخر يعمل على خلق تاريخ يرتهن إلى عصر غير هذا العصر. الأول يدعو إلى التقدم والإصلاح على أساس أن الوطن للجميع بلا تمييز ولا تفريق. أما الثاني فيحلم باستعادة التاريخ الطائفي أو العرقي، ويرى نفسه الأصلح، والآخرون هم الجحيم. بين الإصلاح والجحيم، ثقافتان: التعاون والكراهية. http://www.alquds.co.uk/?p=531899




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670772 :: Aujourd'hui : 140 :: En ligne : 15