البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-04-20
الفلسفة بين التخصص والفضاء الثقافي العام

yyy

يؤكد متابعون ومثقفون أن الفلسفة في العالم العربي تعاني أزمة حقيقية، في وقت يحتاج فيه العرب إلى تعميم الفكر الفلسفي، وتطويره، بما يتلاءم ومستجدات العصر.ويشدد هؤلاء في أحاديث لـ الوطن على أن التجاهل المتعمد لتعميم الفلسفة، أدى إلى تراجع الاهتمام بالفكر الفلسفي من قبل المثقفين العرب. وفي هذا السياق، يشير الناقد التونسي لطفي الحرشي إلى وجود تراجع في موقع الفلسفة في المشهد الثقافي العربي، منوها إلى أن هذا التراجع يشمل مفهوم الفلسفة القديمة بما يضمن اللاتواصل بين العصور كالقطع مع الفلسفة اليونانية على غرار سقراط ونيتشه حيث أخذ من أطروحاتهم لدحضها لا لنقدها. وشدد في حديث لـ «الوطن» على ضرورة تأسيس موطئ قدم للفلسفة في المشهد العربي العام، منوها إلى أن المهتمين بالشأن الفلسفي فشلوا في تأسيس موطئ قدم لهم في المشهد العام بسبب بعدهم عن الحداثة وتمسكهم بما هو قديم. وبين الحرشي أن الفلسفة تلعب دورا مهما في المجتمعات، ولا بد من التأكيد على هذا الدور من قبل المثقفين العرب، منوها إلى وجود محاولات من قبل بعض الفلاسفة لإحياء دور الفلسفة في الوطن العربي، لاسيما فلسفة ما بعد الحداثة. وأكد وجود مميزات إيجابية لفلسفة ما بعد الحداثة، خاصة في ظل التطور العلمي الهائل، ووجود طرق مختلفة للتفكير في حل المشكلات؛ مستدركا «لكن هذا لا يعنى أن تغض النظر عن أكبر سلبيات فلسفة ما بعد الحداثة، وهي أن بعض روادها أحدث بطريقة تفكيره تناقضا كبيرا بين الفلسفة والدين». فلسفة حديثة بدوره، يؤكد الفيلسوف التونسي د. فتحي التريكي أن هناك محاولات جادة من أجل تقديم طرح لتوظيف الفكر الفلسفي المعاصر في مجتمعاتنا العربية، مشددا على ضرورة توضيح الحالة التي عليها الفلسفة في الوطن العربي بحثا وتدريسا.وأوضح التريكي في حديثه لـ «الوطن» أن توظيف الفلسفة في المجتمعات العربية، يكمن في تهيئة الأسباب والشروط للعيش المشترك في كنف الكرامة. وتطرق التريكي إلى دوره في تطوير الفلسفة في المجتمع التونسي في أواخر التسعينات، حيث إنه قام بافتتاح منبر اليونسكو للفلسفة بجامعة تونس بمعية الفيلسوف الفرنسي المشهور جاك دريدا. ونوه إلى أن نجاح الفلاسفة العرب في الوقت الحالي يكون بالاعتماد على فلاسفة الإسلام الأوائل كالفارابي ومسكوية وأبي حيان التوحيدي، من أجل الدفاع عن فلسفة جديدة هي فلسفة التآنس.ولفت إلى «أن مفهوم فلسفة التآنس يفيد مبدئيا في إرساء العيش المشترك ضمن التآلف والانسجام». وشدد على ضرورة أن تكون الفلسفة الحالية معبرة عن عدالة مصحوبة بالحكمة والحب وبالوفاق الممكن بين الأشخاص والدول، مشيرا إلى أن تحقيق الوفاق بين المجتمعات يعبر عن إنسانية قوامها حق التنوع والاحترام والمحبة. وأضاف التريكي «لهذا فإن التعايش عبر قيم الوفاق وتطوير مشاعر حب الإنسانية يهدف في واقع الأمر إلى مواجهة الجهل والفقر والتخلف العلمي والحضاري في المجتمعات العربية». وتابع «من الممكن أن تفتح الفلسفة الحديثة فضاءات فكرية حديثة تنقذ الإنسان من مصائب القرن الجديد الموسوم منذ بداياته بوحشية العنف التي تتشكل ضمن الأحادية والأنانية على الصعيد الذاتي والوطني والعالمي». آفاق أوسع من جهتها، تشير الباحثة سجى السلوت إلى وجود أزمة فلسفة في الوطن العربي، حيث أن هناك كبت لجهود المهتمين بالشأن الفلسفي، إضافة إلى أن معظم الفلاسفة المعاصرين ينافقون الحكام، ولا يهتمون بنقل تراث أمتهم ولا يلتفون إلى مشاكل مجتمعاتهم. وشددت السلوت على ضرورة أن يتمتع الفلاسفة بالحرية التامة، وأن تنصب جهودهم على تطوير مجتمعاتهم فكريا ومعرفيا، وأن ينتقلوا بالفلسفة من صفحات الكتب إلى أرض الواقع، إضافة إلى ضرورة عدم الاعتماد على العقل وحده في تشييد الحقيقة. وختمت السلوت حديثها بالقول: «نحن كأمة عربية نحتاج بشدة إلى أولئك الفلاسفة المفكرين الذين رفدوا حياة الإنسانية بالمعرفة، واستطاعوا أن يفهموا طبيعة مجتمعاتهم ويعملوا على إصلاحها ونقل تراثها إلى الأمم الأخرى وينطلقوا بها نحو آفاق أرحب». تقدير كبير بدوره، يؤكد المفكر د. زهير الخويلدي أنه لا ينكر اثنان المنجز الفلسفي العربي الذي تشكل منذ العصور المزدهرة التي عرف فيها العقل العربي حركية إبداعية منقطعة النظير وشملت جميع مجالات المعرفة وأروقة العلوم ونخص بالذكر علوم اللغة والشعر والعروض والخطابة والرمز والسرد وفن المقامات. وشدد الخويلدي في تصريحات لـ «الوطن» أن الثورة المعرفية التي دشنها الفلاسفة العرب هي تغليب النزعة الأسمية في حديقة العقل على النزعة الواقعية وعلى النزعة التصورية والاتجاه نحو اعتماد الكلام من حيث نموذج إرشادي للأيتوس العربي الذي يتمثل في مجموعة من القيم الأخلاقية والفضائل. وأوضح الخويلدي أن الفلسفة حظيت في الحضارة العربية بتقدير كبير، وكانت محل احترام من طرف النخب الفكرية والطبقة المثقفة في فترات الازدهار وقل ذلك التبجيل في زمن الانحطاط والتعثر. وأشار إلى أن العرب استطاعوا أن ينتزعوا لأنفسهم مواقع طليعية في المجتمع ويقوموا بوظيفة التنوير على الصعيد التربوي وكذلك في إطار البحث العلمي، إضافة إلى تحقيق الكثير من الابتكارات. وقال الخويلدي: «إن وجود عزيمة عند العرب للمشاركة في تدبير شؤون المدينة مع رفضهم تقاسم سياسة الحقيقة مع غيرهم؛ أثار حفيظة الحكام ضدهم وألبوا العامة عليهم وقد ترتب عن ذلك تأزم العلاقة مع السلطة من ناحية أولى مع الفقهاء ورجال الدين من ناحية ثانية ومع الجمهور من جهة ثالثة». وتابع: «لقد أدت هذه الأزمة في مجال التواصل والتلقي بين الإنتاج الفلسفي والمهتم العربي إلى تشكل هوة عميقة بين الطرفين احتمى فيها الحكيم الناطق بلغة الضاد بالشبكة المفاهيم الصعبة وتكلم عبر الرموز والاستعارات والقصص والحكايات بحثا عن التقية وتجنبا للمخاطر والمتابعة». وأشار إلى أن موقف السلطة السياسية من الفلسفة انقلب رأسا على عقب وتحول التأييد والتشجيع إلى التضييق والمنع للنشاط الفلسفي وتم تفضيل الانحياز للموقف الفقهي التقليدي الذي يحرم التفلسف. وبين أن «هذا التضييق أدى إلى الانسحاب الفلاسفة من المشهد العام وخسرت الثقافة بذلك النبراس الهادي وتقطعت أوصالها بهذا الغياب وفقدت السياسة الضمير الحي والعقل اليقظ وسادت المسايرة وعم التقليد وانتشرت الشروح والتفاسير والملخصات وضمرت روح الإبداع». واستدرك الخويلدي: «على الرغم من ذلك تواصلت شجرة الحكمة العربية في النمو وازدادت علوا وشموخا وعرفت تاريخ الفلسفة في الإسلام ولادة أوراق جديدة في سماوات الفكر والأدب والعلم». جهود مبعثرة ونوه الفيلسوف الخويلدي إلى أن كتب الحكمة العربية ترجمت إلى اللاتينية وساهمت بطريقة مباشرة في تفجر الثورة العلمية في الغرب وتشكل الحداثة والتنوير واستفاد علماء أوروبا أيما استفادة من مقدمة عبد الرحمان ابن خلدون وتأسيسه لعلوم الاقتصاد والتاريخ والسياسة والعمران وفلسفة الحضارة، مشيرا إلى أنه في المقابل عرف المشرق ازدهار التيار العرفاني واستمرت مدرسة ابن سينا في العطاء مع الطوسي والسهروردي والشيرازي ولكنها انتقلت من حكمة البرهان إلى حكمة الإشراق. وأكد أن العرب استأنفوا القول الفلسفي العربي في الحقبة الحديثة على يد رواد النهضة العربية الأولى واحتلت مباحث الحرية والديمقراطية والمواطنة ودولة القانون والسيادة وحقوق الإنسان مسرح الفكر وكانت رسالة التوحيد عند محمد عبده هي البيان الافتتاحي من أجل استفاقة حاسمة. وذكر أن استعادة الخلدونية والرشدية وإحياء مدونة الغزالي الفلسفية والتربوية ونفض الغبار عن مسكويه في تهذيب الأخلاق والتوحيدي في البصائر والذخائر والصداقة والصديق مثل نقطة اللاعودة مع حالة الجمود والتكلس التي قيدت حركة العقل العربي لقرون ماضية. وتطرق الخويلدي إلى ظهور تجربة عبد الرحمن بدوي الجبارة في التعريف بالتراث الفلسفي العربي وإعادة الاعتبار للوجودية العربية المطمورة وطرح حسن خنفي مشروع التراث والتجديد وفلسفة العقيدة والثورة محاولا الذهاب بالأمة من الفناء إلى البقاء ومن النص إلى الواقع ومن النقل إلى الحقل وذلك بمحاربة الجهل والشعوذة وبؤر الظلام وتسليط الأضواء على المناطق النيرة من المخزون الرمزي الحي ومعيد بناء العلوم الأصلية لكي تتماشى مع روح العصر. وتحدث عن مشروع معتاد محمد عابد الجابري من المغرب، حيث أنه عمل على نقد العقل العربي من جهة تكوينه وبنيته وفي بعده المعرفي الفلسفي والايديولوجي السياسي والأخلاقي المدني وبمدخل إلى القرآن الكريم وفق قراءة مقاصدية حسب أسباب النزول محاولا ترشيد الخطاب العربي وتنقيته من لوثة الايديولوجيا بالتعويل على الكتلة التاريخية والمثقف العضوي ضمن حركية المجتمع المدني المناهضة لغطرسة العولمة واستبداد السلطة السياسة وممجدا الحرية. خطاب مستنير وعن مستقبل الفلسفة بين جدران الأكاديميا والفضاء الثقافي العام، أشار الخويلدي إلى أنه من البديهي أن يتم تطوير المباحث الفلسفية وتجويد أساليب تدريسها في الجامعات والمؤسسات البحثية التابعة لها من نوادي وحلقات ومخابر وجمعيات ولكن الحاجة إلى الفلسفة لا تتوقف عند التدريس والتعليم والتكوين بل تفيض إلى المجتمع والجمهور والفضاء العام وبالتالي تحتاج الثقافة العربية إلى خطاب فلسفي مستنير قصد الوصف والتحليل والتأويل والنقد والتفكيك وإعادة البناء. وبين وجود مساعي إلى تأسيس الفلسفة التطبيقية التي تخرج المبتكرات الفلسفية من مكتبات الجامعات إلى الفضاء الثقافي العام لكي تقوم بوظيفة تنوير الجمهور وتتحول هذه النظريات الفلسفية إلى منارات علمية وبدائل مادية للناس تنير لهم الطريق وتقدم لهم توضيحات وتوفر لهم طاقة روحية وخبرات دالة ومسالك للمعنى وتمنحهم المناهج الضرورية للتغلب على مشاكلهم الواقعية ورؤى وتصورات للعالم. وشدد على أن هناك جهود تنصب من أجل أن ترتكز الفلسفة التطبيقية على جملة من المحاور الأساسية التي من شانها أن تعمل على إعادة تشغيل حركة إبداع الفلسفة بلغة الضاد في الحضارة العربية. وبين الخويلدي أن هذه المحاور تركز على: نقد الحياة اليومية وتفكيك الأنساق، والخطابة الجديدة بين المغالطة والإقناع، والتدبير البشري والتعقل الكوني، والسياسة الحيوية بين المقاومة وإرادة الحياة، والعلوم العرفانية ومصير الكوكب، والفلسفة العملية والممارسة العضوية، وثقافة الالتزام والتحضر الإنسي، والحاجة إلى الحكمة في زمن الاضطراب، وايكولوجيا العقل وانعتاقية الحرية. وتابع: «تركز الفلسفة التطبيقية أيضا على أشكال الجهل الجديد وعمومية التنوير، وأولوية الموطن بين الولاء للوطن والوفاء للمواطنة، وجمالية الفن الملتزم ورسالة المبدع، وفلسفة الدين بين علوم المقدس وعلم الكلام الجديد، وفلسفة التربية وإعادة بناء الوسائط التعليمية. وأنهى الخويلدي حديثه، قائلا: «إن الرهان الأبرز الذي نسعى اليه من وراء تأسيس الفلسفة التطبيقية هي الذهاب في مستوى النظرية السياسية إلى ما بعد ثنائية العدالة في التصور الاشتراكي والحرية في التصور الليبرالي، وكيف يمكن للأرضية التطبيقية للقول الفلسفي العربي أن ترتقي بمدنية الإسلام وتسهم في مقاومة الإرهاب المعلوم وتساعد العقل العربي على افتكاك زمام المبادرة». الرابط http://www.al-watan.com/viewnews.aspx?d=20160419&cat=culture1&pge=2




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2746636 :: Aujourd'hui : 197 :: En ligne : 3