البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-03-12
أسطورة الدولة لكاسيرر: صراع بين العقلانية والتضليل الأسطوري

yyy

حتى اليوم، لا يزال يصعب على كاتب هذه السطور معرفة السبب الذي جعل الترجمة العربية لكتاب الفيلسوف الألماني/الأميركي إرنست كاسيرر «أسطورة الدولة» تحمل عنواناً لا علاقة دقيقة له بالكتاب هو «الدولة والأسطورة»، علماً، فيما عدا هذا الاختلاف في العنوان، أن الترجمة جاءت في حينها - أوائل ثمانينات القرن العشرين -، مميزة ومفيدة وإن كانت قد بقيت ضئيلة التداول ونخبويّة، كما حال كتب كاسيرر الأخرى في ترجماتها الى معظم اللغات. وربما كان السبب في هذا أن هذا المفكر كان غالباً ما يسير عكس التيارات السائدة مصرّاً على إعطاء الأولوية لديه للعقل على ما عداه، في زمن - القرن العشرين - حفل أحياناً بمرونة فكرية فاقعة سارت تبعاً لمسار الأحداث والتغيّرات. بل في وسعنا القول ان عصرنا الحالي لا يعطي أهمية كافية للكثير من المفكرين الذين كانوا السباقين للتنبيه الى شتى أنواع الهمجيات الحديثة، ومنهم حنة آرندت وإرنست كاسيرر، فيما نراه يعطي اهتماماً زائداً لمفكرين آخرين نادوا بحتمية الانهيار واستشراء الهمجية. وكاسيرر المولود في فروكلاف بسيليزيا العام 1874، يبدو فريداً على أي حال، اذ في الوقت الذي كان كانط في مهب النسيان، آلى صاحب «أسطورة الدولة» بين أعمال فائقة الأهمية أخرى، على نفسه أن ينادي بكانطية جديدة مكرّساً عمره وجهوده لقراءة الحضارة الغربية الحديثة على ضوء تنويرية كانط. > والحال ان كارثة النازية والحرب كانت هي التي أملت على إرنست كاسيرر ضرورة اعادة قراءة الثقافة الغربية من طريق سلفه الألماني الكبير، لعله يجد في ثناياها عوارض الانهيار وأسبابه. وهو من اجل التمكن من مثل اعادة القراءة هذه وجد لزاماً عليه أن يبقي الحوار قائماً - في عمله - بين كانط وهيغل، مستعيراً من الأول إيمانه الدائم بالتقدم الذي تحتويه افكار عصر التنوير، وبضرورة تعميق مبدأ الحرية اكثر وأكثر، ومستعيراً من الثاني المبدأ القائل ان التاريخ ما هو سوى تجلّي صور الروح في مسعاها للوصول الى الانعتاق النهائي. > وفي اشتغاله انطلاقاً من أفكار هذين الفيلسوفين الألمانيين، مع ميل واضح الى كانط على حساب هيغل، بالطبع، رأى كاسيرر - عبر تأمله تاريخ اوروبا الغربية بالارتباط مع ثقافتها - ان خطر الفلتان يبدأ حين تنبعث الثقافة في الحياة العضوية انطلاقاً من استتباب النزعة الرومانطيقية، فتكون تلك الثقافة مجرد تعبير عن جوهر «ثابت» لشعب من الشعوب، ما يعطيها قوة القدر الحتمي وينكر على الفاعلين البشر الأفراد أية امكانية للإفلات من الحتميات المقدرة لهم. ومن هنا كان كاسيرر يرى ان تفاؤلية هيغل يمكن أن تنقلب الى نقيضها وبكل سهولة ويسر، لتصبح متطابقة مع التشاؤمية القدرية التي كان يعبر عنها فلاسفة القدر الذين انتشرت كتاباتهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. > إن في وسعنا أن نجد ملامح أساسية من هذه الأفكار في كتاب «أسطورة الدولة»، غير أن اهتمامه فيه كان في نقطة تبعد بعض الشيء عن هذه النقطة. كان في دحض تلك «الأساطير» التي بنى عليها النازيون بعض أهم وأعنف نظرياتهم. وبالتحديد جاء الكتاب يومها كنوع من الردّ على كتاب اشتهر حينها للمؤلف النازي ألفريد روزنبرغ عنوانه «أسطورة القرن العشرين». وكان هذا الكتاب الذي صدر في العام 1934 قد اشتغل على تفسير مجمل أشكال الثقافة والسياسة انطلاقاً من مبدأ وجود فوارق جذرية وتراتبية قيمية بين الأعراق، وذلك في استطراد مسهب لأفكار هتلر وغيره من النازيين العنصريين حول هذا الموضوع. وفي رده على هذا الكتاب، العنصري من دون لفّ أو دوران، تناول إرنست كاسيرر في شكل أساس مشكلة العلاقة بين الأخلاق والسياسة، بدءاً من القرون الوسطى وصولاً الى العصور الحديثة التي يقول لنا ان مفتتحها كان في شكل خاص مع هيغل لكنها لا تزال مسترة حتى زمن كتابته مؤلفه هذا أي أواسط القرن العشرين مع بدايات صعود النازية ضمن إطار الصعود العام للقوميات ولا سيما خلال القرن التاسع عشر. غير أن المرحلة الحاسمة في السياق الفاصل بين زمن البدايات والزمن الراهن، هي بالنسبة الى كاسيرر مرحلة عصر النهضة ما يجعله يكرّس فصولاً عديدة في الكتاب للحديث عن ماكيافيللي. فكاسيرر يرى كتاب «الأمير» يمثل «اللحظة» الحاسمة التي أضحت فيها السلطة «ظاهرة لها استقلاليتها الذاتية» إذ تحررت على التوالي من الدين والأخلاق. في هذا السياق يقول كاسيرر عن كتاب «الأمير»: «من الواضح أن هذا الكتاب يصف بقدر كبير من اللامبالاة، الوسائل التي بها يتم الوصول الى السلطة ومن ثمّ الاحتفاظ بها... بيد أنه لا يقول ولو كلمة واحدة عما يعتبره الاستخدام الأمثل لهذه السلطة». وبالتالي فإن كاسيرر يرى أن ماكيافيللي «كان ينظر الى الصراع السياسي نظرته الى مباراة في الشطرنج حيث ان الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامه إنما هنا تحقيق النقلة الرابحة...» > يتألف كتاب «أسطورة الدولة» من ثلاثة أجزاء: في أولها تعريف علمي بالأسطورة، وفي الثاني حديث عن الصراع الدائم بين العقل والأسطورة في الفلسفة السياسية الكلاسيكية. أما الجزء الثالث فمخصّص للحديث عن سقوط العقلانية وانتصار الأسطورة في مجرى القرن العشرين. وفي هذا الجزء الأخير، بخاصة، يفيدنا كاسيرر بأن من نتائج الأزمات الاجتماعية أنها «تُحدث هزات عميقة في التصورات العقلانية للواقع» و»تشجع اللجوء الى الأحكام المسبقة والدين والأسطورة» معتبراً ان ما حدث في ألمانيا كان إعطاء النازية النصر للأسطورة على حساب العقل. غير أن كاسيرر يلفتنا الى أن بذور هذا التحول موجودة منذ انتهاء عصر الأنوار في كتابات هيغل والرومانطيقيين الألمان. فيما أتت كتابات شبنغلر ومارتن هيدجر لتطور رؤية قدرية لعالم الثقافة لا يعود على الإنسان معها أن يبعث الحياة في تصورات عقلانية لإنه «مرميّ هنا» (وفق هيدجر) موعود بمصير غامض. > هذا التحليل الثاقب الذي جاء به إرنست كاسيرر في «أسطورة الدولة» ليطوره أكثر في كتابه «فكرة التاريخ» والذي كتب معظم دراساته في المنفى خلال تدريسه في جامعة يال الأميركية، فيما كان يتأمل صعود النازية في أوروبا، يكاد ينطبق في أيامنا هذه على ما نراه من صعود شتى ضروب التعصب في اوروبا، ولكن خارج اوروبا ايضاً. وهذا ما يجعل من كاسيرر فيلسوفاً معاصراً لنا. وللتأكيد على هذا نستعيد ما قاله في مجال حديثه عن مجموع المنظومات الفكرية الحديثة المضادة للسياسة، حيث نراه يعيد فكرة الخضوع للواقع الى هيغل نفسه قائلاً ان هيغل هو الذي ابتدأت معه حكاية الفكر الذي يصل دائماً متأخراً فيعجز عن دراسة الكيفية التي ينبغي بها للعالم ان يتكون، فيتخلى عن دوره الأساسي الذي يقوم أصلاً في تشكيل العالم وضبط مساره. ويرى كاسيرر ان شبنغلر انما سار على هدي هذا التوجه الهيغلي حين قرر ان الثقافة الأوروبية هالكة لا محالة (هكذا قدرها)، لذا فمن غير المجدي إصلاح الوضع. ويرى كاسيرر أيضاً ان هايدغر كان ثالثة الأثافي لأنه حكم على الفرد بعدم الخروج أبداً من أوضاعه التاريخية. > في مقابل القدرية العمياء التي طبعت أعمال هؤلاء الفلاسفة الثلاثة والتي جعلت الفكر يستقيل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، يقترح كاسيرر العودة إلى كانط الذي كان يؤمن بالأنوار والتقدم وبالفاعلية البشرية. هذه العودة الى كانط وإلى عصر التنوير، طبعت على أي حال فكر وكتابات كاسيرر حتى أيامه الأخيرة، وهو الذي مات العام 1945 في نيويورك، قبل ان يشهد النهاية النهائية للنازية التي اودت به الى المنفى، وكانت أسوأ ما حل بأوروبا والعالم طوال القرن العشرين. فكرة التنوير هذه نراها مشروحة بكل وضوح في كتابه الأشهر «فلسفة التنوير»، لكننا نراها معمقة في «اسطورة الدولة»، وكذلك في كتب اخرى له مثل «فلسفة الصورة الرمزية» (1923 - 1932) الذي يتحدث عن الصور الرمزية، أي مختلف التصورات في هذا العالم التي يعتمدها كل موجود ليفهم حياته، و»مقالة في الإنسان». وبهذا من الجليّ ان كاسيرر لم يكن من المستسلمين، إذ نجده آخر أيامه يطوّر فكرة أساسية فحواها ان المطلوب هو الدراسة المعمقة والدقيقة لجذور الأساطير السياسية وبناها وتقنياتها «لأن في هذا مساهمة أساسية في التصدي لعدو يجب أن نعرف كيف نقاتله». http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/14373468/%C2%AB%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%C2%BB-%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%B1--%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B6%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%8A




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1807333 :: Aujourd'hui : 428 :: En ligne : 2