البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2016-02-26
السوفسطائية كحركة ثورية

yyy

في بداية القرن السادس قبل الميلاد كان المفكرون في لونيا واماكن اخرى من اليونان يتأملون الطريقة التي صُنع بها الكون والكيفية التي اتخذ بها شكله الحالي. هؤلاء المفكرون يُطلق عليهم تقليديا بـ ما قبل سقراط(1). هذه كانت بداية الفلسفة اليونانية(حب الحكمة)، والتي بدأت اولا في لونيا المدينة المزدهرة على ساحل اسيا الصغرى. ثلاثة من كبار الفلاسفة وهم طاليس و انكسمندر و انكسمينز جميعهم من مدينة ميلان واُطلق عليهم بـ "الميلانيين". تعليمات هؤلاء لم تصلنا من اعمالهم الخاصة ،والتي اندثرت، وانما فقط عبر الاشارة لهم في اعمال ارسطو ومؤلفين اخرين. الاهتمامات الرئيسية لهؤلاء الفلاسفة اشير اليها بالادب اليوناني بالمصطلح hoi physikoi اي، ما يتعلق بالطبيعة او الفيزياء. الفيزياء تهتم بالمادة الاساسية للكون، ولكن بالاضافة الى العلوم كانوا ايضا مهتمين بالاخلاق ونقد الاديان المعاصرة. هذا النوع من التأمل استمر في لونيا ، وايطاليا، وسيسلي واماكن اخرى عبر هيرقليطس و فيثاغوروس و امبيدوكلس و ديموكريتس واخيرا عبر اناكساغوراس،الذي جاء الى اثينا في اواسط القرن الخامس قبل الميلاد. المساهمة العظمى لهؤلاء الفلاسفة كان تطبيقهم التحليلات العقلانية للعالم،الذي نُظر اليه في السابق فقط بطريقة اسطورية. المعلمون المسافرون اطلق عليهم بالسوفسطائيين، وكان لتعاليمهم تأثيرا هائلا على الفكر في القرن الخامس قبل الميلاد، هؤلاء كانوا عموما الورثة الفكريين لفلاسفة ما قبل سقراط. ونظراً للاجوبة المتناقضة والمتبادلة التي عرضها مفكرو ما قبل سقراط حول طبيعة الكون، انتقل السوفسطائيون من علوم الطبيعة النظرية الى الاختبارات العقلانية للشؤون الانسانية من اجل اجراء تحسينات عملية في حياة الانسان . هذا الاتجاه للحياة بدأ يتجاهل الرؤية الميثولوجية للعالم التي تجسدت في الشعر بتأكيدها على اشتراك القوى الدينية في الاحداث الطبيعية وافعال الانسان. السببية الدينية لم تعد التفسير الوحيد للظاهرة الطبيعية ولسلوك الانسان. معظم السوفسطائيين وهم ليسوا من اثينا جذبوا اتباعا متحمسين من بين شباب اثينا واستلموا اجورا عالية لخدماتهم. السوفسطائيون انتقلوا الى اثينا بسبب الموقف المساند لبركليس تجاه المفكرين. كان بركليس عقلانيا صلبا، تدرب على الموسيقى والسياسة على يد السوفسطائيين. هو كان على اتصال مع السوفسطائي العظيم بروتوغاراس واثنين من البارزين في جماعة ما قبل سقراط: وهما زينو من اليا واناكساغوروس من كلازومينيا. الاخير اعلن ان الكون محكوم بالفكر الخالص وآمن بان الشمس والقمر والنجوم هي احجار حمراء ساخنة وان لا وجود لله وهو ما قاد لمحاكمته بتهمة الاثم . احسن توضيح لعقلانية بريكلس توضحهُ قصة قيلت من جانب بلوتارش تحكي عن بريكلس عندما ارهب كسوف الشمس (وهو يُعد كعلامة سيئة) ربان سفينته، رفع ردائه امام عيون الربان وسأله ان كانت هذه علامة سيئة. وعند الجواب بالنفي، سأل بريكلس الربان ان كان هناك اي فرق بين وضع الرداء امام عينيه وكسوف الشمس ماعدى ان الكسوف حدث بفعل شيء اكبر من الرداء(القمر). كان بريكلس يطبق المعرفة التي اكتسبها من اناكساغوراس، الذي اعتُبر اول من فسر السبب الحقيقي للكسوف الكوني. اتجاه بريكلس العقلاني في الحياة لم يكن مرغوبا كما هي سياسته الديمقراطية بين جماعات المحافظين في اثينا، لكنه شجع السوفسطائيين من كل العالم اليوناني للانتقال الى اثينا كأرض خصبة لتعاليمهم. معظم السوفسطائيين ادّعوا تعليم الفضيلة المتميزة في ادارة شؤون المدينة. حتى القرن الخامس قبل الميلاد كانت العقيدة الشائعة هي ان الفضيلة فطرية وان الولادة الارستقراطية لوحدها تؤهل الفرد للسياسة، لكن بروتوغوراس اعلن ان الفضيلة تأتي نتيجة التدريب وليست فطرية. السوفسطائيون ادّعوا قدرتهم على مساعدة طلابهم في اكتساب المهارات التطبيقية وخاصة البلاغة او فن الاقناع. التقدم في السياسة كان يعتمد كليا على مهارات البلاغة. الديمقراطية الاثنية بجمعيتها الوطنية، التي فيها اي مواطن يمكنه التحدث في الشؤون المحلية والاجنبية، ومجلس الخمسمائة ، الذي فيه كل مواطن اثني لديه الفرصة للخدمة، تطلّبت القدرة على الكلام المقنع. السوفسطائيون لبّوا هذه الحاجة للتدريب البلاغي وبتعليمهم اثبتوا ان التعليم يمكنه رفع منزلة الفرد وجعله مواطنا اكثر كفاءة في المجتمع الاثني. ورغم وجود العديد من الاختلافات بين تعاليم السوفسطائيين، لكن من المؤكد القول ان هناك فلسفة مشتركة للعديد منهم. العنصر الاكثر اهمية في هذه الفلسفة كان موقف الشك (حالة الشك في الذهن). الشك لدى السوفسطائيين اتخذ عدة اشكال:الظاهرية، الايمان باننا نستطيع فقط معرفة الافكار الحاضرة في اذهاننا وليس الاشياء المتخيلة خارج الذهن (لذلك من غير المفيد عمل بيان محدد حول اي شيء خارج ذهننا)، التجريبية، الاعتقاد بان التجربة خاصة تجربة الحواس، هي مصدرنا الوحيد للمعرفة، والنسبية،الاعتقاد بان الحقيقة ليس لها وجود مجرد مستقل، وانما تعتمد على الفرد والموقف الخاص به . نسبية الحقيقة كانت الاساس في تعاليم بروتوغاروس البلاغية. هو درّب تلاميذه للجدال في كلا جانبي السؤال لأنه اعتقد ان كامل الحقيقة لا يمكن ان تقتصر على جانب واحد من القضية. لذلك، هو علّم تلاميذه تمجيد وادانة نفس الشيء وتقوية الحجة الضعيفة لكي تبدو اقوى. هذه التقنيات كانت مرتكزة على الايمان بان الحقيقة هي نسبية للفرد. الحجج في كلا جانبي السؤال هي متساوية في صحتها لأن اولئك الذين يناقشون الاسئلة يمكنهم فقط معرفة حقيقة الاشياء الموجودة في اذهانهم ولذلك لا يمكن عمل بيان صادق مؤكد حول الوقائع الموضوعية خارج الذهن (الظاهرية). الحقيقة هي ما يبدو للفرد. وكما قال بروتوغوراس "ان الانسان هو مقياس لكل الاشياء". بما انه يستحيل معرفة ما هو صحيح تماما، فلم يتبق سوى معيار واحد فقط به نقرر الفعل الصحيح: معيار المزايا(الفائدة،المنفعة). اذا كان الفعل مفيدا للفرد،عندئذ سيكون جيدا. هذه الفكرة استُخدمت احيانا من قبل عديمي الضمير لتبرير السلوك المعرّض للتساؤل، لكن بروتوغاروس يبدو عارض الاستخدام العشوائي لهذا المبدأ. عقيدته في نسبية الحقيقة لم تمنعه من الايمان بانه في عمل القرارات الاخلاقية لايزال المرء يميز بين الفعل الجيد اخلاقيا والآخر السيء اخلاقيا. السوفسطائون كانوا ايضا مهتمين في التطور الثقافي للانسان كعضو في المجتمع . حيث رأوا ان الانسان ذاته كنتاج للطبيعة لكن المجتمع والحضارة هم نتاجات انسانية مصطنعة. فمن جهة، الانسان هو مخلوق طبيعي عرضة لطبيعة محددة لا يستطيع رفض طاعتها. ومن جهة اخرى، هو يعيش في مجتمع ، قواعده ليس لها جذور في الطبيعة ومرتكزة فقط على العادة. الفرق الواضح هنا بين الطبيعة (الفيزياء) والعادة او العرف (نوموس)، وهو نقيض لما هو شائع في ادب القرن الخامس سعى السوفسطائيون الى ترسيخه ومنحه طابعا شعبيا. احدى اهم القضايا الشائكة في القرن الخامس قبل الميلاد هي ما اذا كانت الالهة والمجتمع الانساني والفروق بين الكائنات البشرية مثل اليونانيين والبرابرة،السادة والعبيد، كانت نتيجة للطبيعة ام العادة، الفيزياء ام النوموس. قبل القرن الخامس، كانت المؤسسات الانسانية والعادات يُنظر اليها عموما باعتبارها صدرت من الالهة وجزئيا من النظام الطبيعي للاشياء، لكن الاتصال مع الحضارات الاخرى جعل من الواضح ان المؤسسات والعادات كانت مختلفة بين مختلف الشعوب حيث جاءت فكرة النسبية الثقافية. طبقا لهذه النظرية، المجتمعات تخلق عاداتها الخاصة ومؤسساتها لتناسب ظروفها و حاجاتها المحددة. مثال عن النسبية الثقافية ورد في تاريخ هيرودوتس. لكي يوضح مسألة ان كل فرد يعتقد بان عاداته ودينه هي الافضل، يذكر هيرودوتس قصة عن بعض اليونانيين في بلاط الملك الفارسي الذي صدم واشمئز عندما سألهم كم يحتاجون من النقود كاغراء ليأكلوا اجسام آبائهم الميتة . في مناسبة اخرى لدى اليونان، سأل الملك بعض الهنود،الذين هم في الحقيقة تناولوا اجسام ابائهم،ان يحرقوا الاموات كما يفعل اليونانيون. رعب الهنود من هذا المقترح يتساوي مع ما لدى اليونانيين في المناسبات المبكرة. هيرودوتس يختتم هذه القصة باقتباس من الشاعر بندر:"العادة ملك(king) الجميع". هذا ايضا موقف معظم السوفسطائيين فيما يتعلق باصول الالهة، و المجتمع الانساني والفروق بين البشر. كل هذه اعتُبرت من جانب السوفسطائيين صناعة انسانية صممت لخدمة حاجات خاصة. وهكذا، بدأ هناك تضاد بين القانون من صنع الانسان والقانون الطبيعي الذي له اصوله بالطبيعة اللامتغيرة. المثال الحديث عن النوموس هو الاتفاق بان اشارة المرور الحمراء تعني التوقف بينما الاشارة الخضراء تعني الذهاب، بينما مثال عن القانون الطبيعي هو قانون الجاذبية . اذا كانت هناك هيئة تشريعية لها سلطات عليا، فان اللون الاحمر قد يعني الذهاب والاخضر يعني التوقف. في ظل ظروف ملائمة، يمكن تجاهل اشارة المرور والاعفاء من العقوبة. من جهة اخرى، قانون الجاذبية لا يمكن ان يُلغى من جانب الانسان . رغم ان التصادم بين الفيزياء-العادات كان شائعا في تعاليم معظم السوفسطائيين لكن ارائهم بالفيزياء حول طبيعة الانسان تختلف بشكل كبير. ادراك بعض السوفسطائيين ان جميع الناس لهم نفس الطبيعة الانسانية تطلّب الغاء كل الاختلافات الاصطناعية بين الناس، مثل الهيلينيين الاصلاء والبرابرة، السادة والعبيد. سوفسطائيون اخرون رأوا الطبيعة الانسانية كميول حيوانية متراكمة لدى الانسان نحو العدوان والسيطرة بقوة فيزيائية. قانون الانسان(نوموس) الذي قيد تلك الميول نُظر اليه كقيود اصطناعية مضادة للنظام الطبيعي للاشياء، خُلقت من جانب الاعضاء الأضعف في المجتمع. هذه الرؤية كانت الاساس الفلسفي للحجة البلاغية "الحق للاقوى"التي استُعملت من جانب عدد من المتحدثين في تاريخ ثوسيدادس والتي جرى تطويرها من جانب السوفسطائي تراساميكوس في جمهورية افلاطون.السوفسطائيون الذين ساندوا هذا الجدال رأوا الانسان في صورة الحيوان في البرية وعادة اعتبروا عالم الحيوان كنموذج للانسان. طبقا لهذه الرؤية ، اي محاولة لتقييد نزعة الانسان الطبيعية في العدوان ليست فقط خاطئة وانما بلا فائدة. الطبيعة تتخطى اي قيود اصطناعية يضعها الانسان. كما في عالم الحيوان، القوي سوف ينتصر دائما ويسيطر على الضعيف. ليس كل السوفسطائيين يتبعون هذه النظرية. بروتوغوراس اعتقد ان الناس الذين تُركوا لغرائزهم الطبيعية الوحشية، سوف يحطمون بعضهم البعض. في رؤيته للنوموس،يرى بروتوغاروس رغم ان النوموس صناعة مفتعلة للانسان وحده، لكنه يمكّن الناس من البقاء وخلق حياة متحضرة. ان الثورة الفكرية التي قادها السوفسطائيون ايضا امتدت الى مجال الدين. معظم السوفسطائيين رأوا الآلهة من صنع الانسان . وعموما، كان السوفسطائيون اما لا ادريين او ملحدين رأوا العالم يعمل وفق القانون الطبيعي وليس وفق العلة الدينية. ذلك لا يعني ان الدين اختفى من حياة اليونان القديمة بسبب الشك السوفسطائي. السوفسطائيون وتلاميذهم جسدوا اقلية فكرية . الانسان العادي الذي لا يهتم ابدا بهذه النظريات الجديدة، لايثق بالمفكرين واعتبر اللا ادرية والالحاد السوفسطي كشيء غير ديني. بروتوغوراس كان لا ادريا ادّعى انه لا يعرف ما اذا كان الله موجودا ام لا . عدد آخر من السوفسطائيين مالوا نحو الالحاد. السوفسطائي بروديكوس علّم ان الناس يقدسون الاشياء المهمة في حياتهم مثل الشمس والقمر والانهار والخبز والخمر والنار والماء. نظرية إلحادية اخرى حول اصل الآلهة تنسب الى كرتياس، احد اتباع افلاطون، والذي لم يكن سوفسطائيا لكن افكاره ارتبطت باحكام مع افكار السوفسطائيين. ادّعى كريتاس ان الآلهة هي اختراع من الحكومات لتضمن ايمان الناس بان كل شيء حصل على الارض علنا او سرا كان تحت مرأى الآلهة وبالنتيجة سيمتنعون عن انتهاك قوانين الدولة. واذا لم يتم اكتشاف هؤلاء من الاخرين فسوف ينتهكون قوانين الدولة دون خوف من العقوبة. وفق هذه النظرية، الايمان بالآلهة يحقق الاستقرار للدولة . ان الافكار التي عُرضت في هذا الموجز عن تعاليم السوفسطائيين كانت شائعة في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. المؤلفون في هذه الفترة مثل ثوسيدادس وسوفكليس وارستيفان وافلاطون يعرضون دليلا متكررا لتأثير السوفسطائيين. الحركة السوفسطائية مثّلت ثورة فكرية جعلت الناس المتعلمين ينظرون الى العالم بطريقة مختلفة جدا. لم تعد الرؤية الهوميروسية للعالم وللانسان هي الوحيدة الممكنة. ............................................................................... الهوامش (1) سقراط اعتُبر كنقطة تحول في الفلسفة اليونانية. كما يوضح سيشرون "كان سقراط اول من انزل الفلسفة من السماء ... واجبرها للانخراط في التحقيق بالاسئلة الاخلاقية حول الخير والشر".




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2673170 :: Aujourd'hui : 282 :: En ligne : 5