الواقع إذا اعتبر الفارابي المعلم الثاني للفكر الإنساني بعد أرسطو. وأن الغزالي الوحيد الذي أمتاز بفلسفة شكية منهجية لم يرثها عن أحد قط. وأن أبن سينا وأبن رشد قد أثرا في العقلية الأوروبية بالعصر الوسيط. فأن أبن خلدون (732-808 ه/ 1332-1406 م) قد أسس علماً يبقى أبد الدهر.
لقد كان مفهوم التاريخ عند العرب وبقية الأمم الأخرى، عبارة عن مجاميع من الأخبار والحوادث سطرت عبر حقب زمنية، كما وأنهم يدونون دون أن يكون لهم تمحيص علمي في الأسباب والعلل والظواهر. وهكذا جاء أبن خلدون لكي يتناول التاريخ ليس كجعبة إخبارية منقولة التدوين، وإنما علم يستحق دراسته بكل جدية واهتمام. ومثلما جرد فلاسفة اليونان المعرفة من الأساطير والخزعبلات، فقد جرد أبن خلدون القوانين والنواميس العامة التي كانت تدخل جذراً رئيساً في سير التاريخ. وهذا ما لم يكن عند المؤرخين القدماء أمثال: هيرودوت (485-425؟ ق.م) الذي يعرف عنه بأنه "أبو التاريخ". ولا ثوكيديدس (460-400؟ ق.م) الذي يعد أعظم مؤرخي اليونان قاطبة. فضلاً عن كبار فلاسفتهم أفلاطون (427-347 ق.م) وأرسطو (348-322 ق.م).
أسباب الاكتشاف
يحق لنا أن نتساءل: كيف اكتشف أبن خلدون هذا العلم الجديد؟ وما هي الأسباب التي قادته إلى اكتشاف فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع؟ الحقيقة علينا أولاً أن نوجز شخصية أبن خلدون قبل الولوج إلى فلسفته.
أولاً: كان أبن خلدون رجل سياسي النزعة، فقد تقلد مناصب عدة أعلاها شأناً هي "الحاجب" أي الوزير الأول أو رئيس الوزراء. وهذا يعني بأنه قد شارك معترك الحياة السياسية في الانقلابات والمؤامرات والدسائس، فتارة يكون مركوناً في السجن. وتارة أخرى في صدر الوزارة. بين خطورة الموت ومرارة الهروب، وبين قوة المواجهة وصلابة التحدي.
ثانياُ: نظراً لتعلقه بقيادة الحكم من مبدأ مفكر قدير. لذا فقد كان تعلق الأمراء والسلاطين به أكثر في تثبيت أركان الحكم. وهذه المزية ساعدت بأن تجعل من أبن خلدون متنقلاً في أقطار المغرب العربي الكبير والأندلس، قبل أن يستقر نهائياً في مصر. مما أتاح له أن يطلع على أحوال الناس كافة وفي مختلف البيئات والأماكن ويلم من الشؤون كثيراً.
ثالثاً: بناءً على النقطتين السالفتين لابد وأن يكون الوضع الفكري عند أبن خلدون من نمط آخر، خصوصاً وهو الضليع في علوم زمانه كافه العقلية والشرعية علاوة على سائر الفنون الحكمية والتعليمية. ومن خلال الواقعية السياسية والاجتماعية جعلته يأخذ بعين الاعتبار التجربة والأخبار اليقينية. ومن هنا فقد دحض أبن خلدون التفكير الماورائي ولم يأبه بالتركيز على العلوم العقلية الخالصة. وبما أن أسلوبه الفكري العام هو نقدي علمي. لذا فقد كانت نفرته على الفلسفة في المغرب العربي لا تقل أهمية عن حملة الغزالي في المشرق العربي. وإن كان لكل منهما بعض المغايرة.
رابعاً: رجاحة أبن خلدون الفذة في حدسه إلى الحكماء السالفين الذين قد يجوز أنهم كتبوا التاريخ من زاوية منهجية، ولكنهم لم يستوفوه علمياً. كما وأنه لم يطلع عليهم العرب حيث أن العلوم كثيرة والفلاسفة والمؤرخين متعددون.
وهكذا تمخضت عن ذهنية أبن خلدون اكتشافه لهذا العلم الذي أهمله السابقون، القدماء منهم والمعاصرون. فلم يكن هناك من رؤية علمية ولا منظور تحليلي للتاريخ.
يرى أبن خلدون في تشخيصه للتاريخ بأن "ظاهره" لا يزيد عن الأخبار الماضية للدول وغيرها. ولكن "في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق". الجملة الأخير تدل على دقة الوعي العلمي عند أبن خلدون، وهو يقدم لنا تعريفاً علمياً صحيحاً للتاريخ.
هذا ويتطرق أبن خلدون إلى قضية المستقبل وكيفية التنبؤ به على أُسس علمية. فهو يركز أولاً على قضية السببية في البحث التاريخي. لأن معرفة السبب تكون ذات علاقة تساعد على معرفة المسبب. وعليه فأن استنباط المستقبل يتوجب أن يعود إلى الأسباب التي تتفاعل في الوقت الحاضر. وبذلك فأن المستقبل يمكن التنبؤ به استناداً إلى حوادث وأخبار الماضي مع وقتنا الحالي من خلال المنهج العلمي.
بلا شك أن مسألة التنبؤ العلمي الذي نادى بها أبن خلدون قد نمت ولاقت حقائق كثيرة، ومنها العلوم الطبيعية. فإذا ضربنا مثلاً بالفيزياء الذرية. فأن التنبؤ الذي وصل إليه العالم البريطاني بول ديراك (1902-1984) في عام 1928 عن وجود البوزترون، أثناء تطوره إلى النظرية النسبية عن الالكترون. فقد تم اكتشاف هذه الدقيقة الذرية لاحقاً على يد العالم الأميركي كارل اندرسون (1905-1991) في عام 1933، وذلك في الأشعة الكونية. ونفس الأمر مع العناصر الكيمياوية بالتنبؤ المستقبلي لها.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عقلية أبن خلدون المبدعة التي شاركت في تطوير الإنسان علماً وفكراً واجتماعاً.
عموماً فأن إدخال قانون السببية في التاريخ عند أبن خلدون ورفضه للماورائيات، جعلا من نهجه العلمي ذي ميزة ملحوظة. ذلك أنه لم يخضع التاريخ إلى نظرية مادية بحتة أو مثالية صرفة. لأن الماورائيات مستبعدة من التاريخ ولا تدخل فيه بشيء حسب المفهوم الخلدوني. فالتاريخ إنما يخضع إلى جملة من العوامل المادية والاقتصادية والدينية والفكرية وما شابه ذلك. وبالتالي فأن التاريخ هو علم استقرائي يمكن من خلاله التنبؤ بالمستقبل.
وغالباً ما يُفهم خطأً فلسفة أبن خلدون في هذه النقطة تحديداً. حيث يوصف بالدهرية. لأنه سحب بساط الثقة من الفلسفة التقليدية عند المسلمين وأتجه نحو الوقائع التجريبية والمشاهدة من التاريخ. ورغم انه يذكر بعض الآيات القرآنية ويستشهد بها على بعض الأمور. بيد أن البعض يعتبره تستراً منه خشية من اتهام المتعصبين قي عصره. والحق أن هذا الرأي سلبي المنطق ومجحف بحق أبن خلدون. كما وأن هذه الحالة مشابه في المعنى العام لما تعرض له المعري وأبن رشد. صحيح هنالك حسن نية فائضة عن حدها عند بعض المسلمين، حيث يخشون من خروج المسلم عن الخط العام للدين ولتعاليم الشرع. إلا أن تسويق مثل هذا الأمر وإبرازه من موقع الخلل، يظهر من خارج الاطار الإسلامي. سواء أكان ذلك بقصد سيء أو بسبب اضطراب التراجم التي تعطي صورة ليست دقيقة للناقد أو الباحث الأجنبي. من بينهم على سبيل الذكر أرنست رينان ومكسيم روبنسون. وبالتالي يؤدي هدفهم السلبي إلى عزل عباقرة العرب عن السياق العام للدين. على اعتبار أن إبداعهم لم يكن بسبب روحاني متعلق بالدين؛ وإنما في فلسفة يونانية الأصل. أي أن حقيقة الإبداع العقلي لا تكمن في ذهنية العربي بقدر ما هو محاكي للتفكير الفلسفي الدخيل عليه.
فلسفة التاريخ
نعود ونتناول فلسفة أبن خلدون الذي يعتبر أن الحدث التاريخي ليس وقعاً بسيطاً. بل ظاهرة معقدة يجب تناولها ودراستها بحذر وانتباه وعناية. حيث أن التاريخ علم بكيفيات الوقائع وأسبابه العميقة. فلو كان التاريخ ذاتي النهج عبر قوانين ونواميس ثابتة ومسيطرة عليه لأصبح في دوامة فارغة من معناها وبعيدة عن فحواها. فهو أذن علم يحتاج إلى تنظيم وقواعد أصولية تفضل فيلسوفنا أبن خلدون بوصفها وشرحها بشكل واضح. ويمكننا أن نوجزها كما يلي:
1- التاريخ ينقسم إلى ظاهر وباطن. الأول يخص سرد الأخبار المدونة للدول والأحداث السالفة في القرون الماضية. أما الثاني فيخص النظر والتحقيق والتعليل لتلك الأخبار الماضية. انه علم بكيفيات الوقائع ودراسة أسبابها مسألة ضرورية ومهمة.
2- التاريخ هو ترابط وتواصل وتداخل في الزمان والمكان لا ينتهي عند حد معين. فليست هنالك حوادث مفككة أو وقائع مستقلة عن بعضها الآخر.
3- المنهج العلمي الذي أتبعه أبن خلدون في دراسة التاريخ هو النقد والملاحظة والاستقصاء كي يزيل عن الأخبار الكذب أو المبالغة أو التزوير أو التحريف الخ.
ومن بين المؤرخين الذين نقدهم أبن خلدون هو المسعودي (-956) الذي نقل دون تمحيص علمي دقيق عما جاء في أخبار جيوش بني إسرائيل، بأن النبي موسى (ع) أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح من أبن العشرين فما فوق، فكانوا 600,000 مقاتل. وهنا المسعودي حسب تحليل أبن خلدون قد كان:
أ- جاهل بطبائع الأحوال. حيث أن هذا الجيش الجرار لا يستطيع أن يتحرك بحرية قتالية داخل رقعة أرض التيه (صحراء سيناء).
ب- جاهل بطبيعة العمران. فالجيوش الكبيرة لها حاميات "تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها. تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة".
ت- جاهل بالتواصل الزمني. حيث أن المدة الزمنية بين موسى ويعقوب عليهما السلام لا تزيد عن أربعة أجيال. فمن أين أتى هذا الحشد الجبار من الشباب والرجال.
وبما أن هذا لا يمكن تصديقه ولا تطبيقه في الزمن الحاضر. أذن فأنه لا يمكن أن يحصل في الزمن الماضي. وهذه من بين التقنيات في الحدس المعرفي عند أبن خلدون.
تقييم
رغم أن أبن خلدون في كتابه "المقدمة" قد وضع نظرية منهجية، إلا أنه لم يكترث في تطبيقها. فهو قد ذكر أغلاط المؤرخين في عدم تدقيق وفحص الخبر، نراه في كتابه "العِبر" قد سار على منوالهم فوقع في نفس الأغلاط. ومهما أردنا أن نبرر سبب موقفه هذا، فأنه لا يمكننا ان نعفيه من هذا التقصير الفاضح.
أن أبن خلدون السباق الأول في وضع نظرية علمية في فهم التاريخ. صحيح أن ثوكيديدس قد تناول حروب البيلوبونيز وقد كانت له نظرة عامة في تاريخ اليونان. إلا أنه لم يكن صاحب منهج علمي منظم ودقيق. علاوة على أن كتابه لم يترجم إلى العربية، وأن أبن خلدون لا يجيد غير لغته العربية. وبذلك فقد نال أبن خلدون وبكل جدارة لقب مؤسس فلسفة الحضارة أو التاريخ أو الاجتماع سمه ما شئت.
بيد أن اهتمام فيلسوفنا أبن خلدون بهذا العلم الجديد لم يظهر بعده عند فلاسفة ومؤرخين من أبناء قومه. ولعل السبب فيما نراه هو نقد أبن خلدون للفلسفة التقليدية عند المسلمين، خصوصاً في قصور وعجز العقل تجاه العلم الإلهي. وهذا يعكس أيضاً تأثر أبن خلدون بالإمام الغزالي الذي يذكره بكل تجل واحترام. هذا إن لم نشير إلى أن حضارة العرب بدأت تغيب عنها الشمس.
وهكذا أول من ظهر في أوروبا يتناول فلسفة التاريخ هو الإيطالي فيكو (1668-1744) في كتابه "العالم الجديد" الذي صدر عام 1725. أي بعد أكثر من ثلاثة قرون من كتاب أبن خلدون "المقدمة" عام 1377. ثم جاء الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) في كتابه "روح القوانين" الذي صدر له عام 1748. ولقد كثر فلاسفة أوروبا في نظرياتهم المتعددة في مباحث التاريخ منهم: كانت وكومت وهيجل وغيرهم. إلا أن أبن خلدون يبقى هو طليعتهم الأول. أضف إلى ذلك أن معظم بحوث وكتابات هؤلاء الفلاسفة تنحصر في نطاق تطور الحضارة الإنسانية. بينما أبن خلدون كانت دراسته شاملة عامة للحضارة الإنسانية. ولهذا نجد شيخ المؤرخين في القرن العشرين أرنولد توينبي (1889-1975) يقول: "أن أبن خلدون قد أنتج أعظم كتاب من نوعه أبدعه إنسان في كل زمان ومكان". ثمة قول آخر يجب أن نذكره بحق أبن خلدون، أنه لم يكن دهرياً. ويقول هو عن نفسه عندما اكتشف هذا العلم الجديد: "ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما... والله يهدي بنوره من يشاء". وهي عبارات المؤمن بوجود وقدرة الله.
ويعلق المؤرخ ألبان ويدجري على هذا الأمر قائلاً: "ومن المرجح أن تكون هذه النظرة خاطئة". وانه أي أبن خلدون، كان يعني بسرد التاريخ في مساره الحقيقي حيث يتطور تحت عناية وحكم الله.